أخبار زائفة

منذ أن “دردر” علينا الداودي مسحوق السكر أثناء جلسة للبرلمان، أصبح من مكرور القول الحديث عن ضعف التواصل السياسي عند حكومة “الإمساك” التي خلفت حكومة “الإسهال”، وبالتالي، يصبح البلاغ الحكومي الأخير وتصريح الناطق الرسمي باسم حكومة “تصريف الأعمال” عنوانين آخرين لأزمة ضعف التواصل السياسي وافتقاد الحد الأدنى لممكنات تدبير الأزمات.

البلاغ والتصريح المشبعان بلغة التهديد والتخويف يستضمران “مخازنيا” يقبع في لاوعي الوزراء الذين ابتلينا بهم،

خالد البكاري

ويعني أن “مقاصدية” القوم تسترشد بمقولة: “يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، بتأويل رجعي لكلمة “سلطان”، تأويل يمتح من نظرة احتقارية للمواطنين تختزلها العبارة الدارجة: “اشبعتو خبز..”، فتجرؤ “العبيد” على مقاطعة منتجات شركات السادة “المحليين” وسادة السادة “الفرنسيين”، ما هو إلا نتاج التساهل وغياب الحزم/”العين الحمرا”، ومادام الناس في بيوتهم ولم يحتلوا شارعا ولاساحة، وبالتالي لا حاجة إلى الفتيت وقواته ودفوعاته واتهاماته للأيادي الخفية الداخلية والخارجية، فيجب البحث والتنقيب عن تهمة “تليق بهم”، وتناسب اختيارهم لهذه الوسيلة التي تندرج، حسب أدبيات المقاومة المدنية اللاعنفية، في خانة أشكال “رفض التعاون” مع السلطة أو تعبيراتها المالية والاقتصادية والثقافية والإدارية، بحسب طبيعة النظام واشتراطات المرحلة والمطلب المستعجل.

فكانت المادة 72 من قانون الصحافة والنشر “المنقذ من الضلال”، غير أنها منقذ من ضلال/تيه، وموقعة في “تهافت التهافت”، هذه المادة التي تقول بمعاقبة بغرامة بين مليونين وعشرين مليون سنتيم من قام بنشر أو إذاعة أو نقل (بارطاج) خبر زائف أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلقة أو منسوبة للغير، (بمعنى لو فضحنا ادعاءات هذه الشركات حول أرباحها بوثائق لها غير منشورة، فيمكن متابعتنا بنشر مستندات منسوبة للغير)، إذا أخلت بالنظام العام أو أثارت الفزع بين الناس، هذه المادة (التي تُوبع بها الصحافي حميد المهداوي من ضمن تهم أخرى) حددت وسائل بث الأخبار الكاذبة الموجبة للمتابعة في: الخطب، الصياح، التهديدات، المكتوبات، الملصقات، ومختلف وسائل الإعلام، وأية دعامة إلكترونية.
بيت القصيد من “هدرة” الخلفي هو استهداف نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، فقبل تلويحه بعصا هذه المادة التي يهش بها علينا، تحدث عما يُنشر في هذه المواقع، ولنا أن نعد بلاغات الحكومة وتصريحات وزرائها ضد “الفيسبوك” وأخواته، وأحيانا بعصابية “مرضية”، لندرك أن السلطوية وخدامها والخاضعين لها من المتنكرين لوعد “صوتك فرصتنا لمواصلة الإصلاح” (وما واصلوا غير الانبطاح)، يعتبرون شعب “الفيسبوك” و”التويتر” و”اليوتيوب” عدوهم الأول، وفي المرتبة الثانية: العدل والإحسان والنهج الديمقراطي والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الذين لم يحظوا هذه المرة بشرف الوقوف أو الجلوس خلف الشاشات الداعية للمقاطعة.

(ربما لأن الملف هذه المرة بعيد عن أجندة الفتيت)، فحين تحسب عدد هذه البلاغات والتصريحات المستهدفة لما ينشره مواطنون مغلوبون على أمرهم وجدوا في “الفيسبوك” ما يشبه التنفيس الجماعي الذي يفضي لنوع من الانتماء شبه الجمعي إلى رموز ومطالب ولغة وتعبيرات، تستغرب لدولة تمتلك أدوات الإكراه الأمني والإيديولوجي والإداري ترتعب من مجرد تعبئة هاتفية قيمتها قد لا تتجاوز 10 دراهم.

وعملا بالمثل الشعبي: “من لحيتو لقم ليه”، وقد تشابهت علينا اللحي كتشابه البقر على بني إسرائيل، نذكر السي “الموصطافا” بالأخبار الزائفة التالية، وسنكتفي بتلك المرتبطة بالعهدة الحكومية الحالية، ولا حاجة إلى التذكير بكذبة “تالسينت”، التي جعلتنا نصدق نبوءة الأجداد حين كانوا يقرنون كل ما هو نعيم ورفاه بـ”فوق فجيج”، و”تالسينت” توجد لسخرية الأقدار فوق فجيج، فمن الأخبار الزائفة في عهد حكومة “العثمانيين” التي كان من شأنها تهديد النظام العام: بلاغ الأغلبية الحكومية الواصف للريفيين بالانفصاليين، وقوف العدل والإحسان والجمعية المغربية لحقوق الإنسان وراء انتفاضة جرادة (النهج لا يمتلك حتى فرعا هناك)، إصلاح وزير الداخلية لأبواب المنازل التي كسرتها القوات العمومية بإمزورن، كذبة التجانس الحكومي (هذه لوحدها سيُحار الفقهاء في كفارتها)..

أما الخبر الذي أتمنى أن يكون زائفا،  فهو ادعاء الرميد المتكرر ألا أحد كان يتصل به ويملي عليه الأوامر خلال فترة استوزاره (طبعا الاستوزار يجبُّ ما قبله).. أتمنى أن يكون هذا الادعاء خبرا زائفا، لأنه إذا كان ما قام به بدون “مكالمات وأوامر”، فكيف كان سيكون الحال لو كانت الأوامر؟ وعلى أي، فالوزراء يمتلكون النباهة التي تجعلهم يعرفون ما “يطلبه المستمعون” دون الحاجة إلى حرارة الهاتف، ورحم الله علي شريعتي صاحب كتاب: “النباهة والاستحمار”.

ونختم مع صديقنا حميد المهداوي، المتابع في ملف آخر بجنحة عدم التبليغ، فنبلغ النيابة العامة بالأخبار الزائفة الواردة أعلاه..

فكّ الله أسر المهداوي وكل معتقلي الرأي، ولوزرائنا نقول: “كل خبر وأنتم زائفون”…