أينما كنت .. لا بوركت أيها العمدة

صورة العمدة، استنفذتها الكوميديا السوداء، في الحكايات الشعبية والمسلسلات المصرية. فهي موزعة على البلادة والسذاجة، وعلى الرعونة والبطنة، وعلى الجشع والنهب والإقطاع… وما يحسب للعمدة، والعهدة على الصورة دائما، أن شاربه هيبته، بل في زمن العدالة والقدر لحيته وقاره مهما كان سنه، وأن ماله ليس ملكه، بل تحصيل من هبات تدعم سلطة العمدة لتتسلط على الناس، لأن العمدة من بخلاء الجاحظ، دائم القول :

” يجود الأكرمون على العمدة بمالهم والعمدة من مال الأكرمين يجود”

صوته خشن أوناعم هادئ، يمثل رأسماله الوحيد – خلقة كان أو مهارة مكتسبة-. و المهم، أن لا صوت يعلو عليه، إلا صوت حرمه المصون، حلقة مغروسة في أذنه أينما حل وارتحل. ورغم أن كل الأصوات الصديقة تنهشه في غيبته، إلا أنها تبقى أصيلة السند له، تدعمه في امتحان ترشحه المتكرر للعمادة، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان. ولكن العمدة دائما يهان رغم تجاوزه الامتحان، سنة الله في أرضه وخلقه من عمدات البلد..

كما أن لقب العمدة متداول في الأوساط الشعبية، فلقد كان صديقا لي في الطفولة، فكان الخدوم لأبناء وبنات الحي على قدم المساواة. يلقنهم النكت الحمراء، والأقوال المأثورة، وينشر فيهم شائعات الحارات الصديقة والعدوة وبين الفينة والأخرى يشعل الفتنة بوشاياته العجائبية، ثم يعود ليطفئها محافظا على مجال هيبته بحرص شديد ودهاء مثير للشفقة، كان يتقن فنون الوساطة حتى قبل تعيينه عمدة على نحو رسمي، وحتى قبل أن يعتنق الدين خطابا حلوا، يسمح له بتوسيع صو رته الأسطورية المنتقلة بين الأوساط والأحياء والمؤسسات، تمرّر الدعوة والفتوى والعدالة، مقابل احتكار القرار وجمع المال وخدمة نبلاء القوم ونافذيهم..

والعمدة، سواء في زقاق المذاق أو في أحياء “ربع ساعة” أو “الإشارة” في الوقواق، أو في ضفتي الوادي المنتزعة قهرا من الناس، أو في مدن المحيط، أو في القرى النائية، يعتبر عين الجماعة التي لاتنام، وأذنها التي لا تصم، تراه يتأمل توزيع المهلوسات على الشباب، أويقدم المشورة والحكمة في الأفراح والأقراح، أويحرص على حضور الجنائز. فالمهم أنه حاضر في كل الطقوس التي تضمن له دعاية، وللبلد سلما اجتماعيا، يجعل للعمدة حظوة ومقاما رفيعا لدى من يراقبون زيغه وطاعته..

وهو شخصية معتمدة رسميا لدى المحافظين على التراب والناس، ولكن يوصي العارفون بشخصية العمدة، وخباياها بعدم الاعتماد عليه مطلقا مادام يستمد سلطته تارة من شعبيته في الأحياء وفي المداشر وأخرى من حلاوة التدين، والقسط الوافر منها من التقارير، ومن قوالب السياسة وصرامة التعليمات..

فالعمدة الموعود يطلق سيلا من الوعود الزائفة، كيف لا وهو نتاج حروب قذرة، مفتوحة على كل صنوف الأسلحة المحرمة في شرعات الكون. وليس من وقع المفاجأة أن تطلق على العمدة نيران صديقة، تودي بمساره كشخصية بارزة لتنصيب غيره، فالعمودية – ولله الحمد على ما يعطى وما يأخذ – لاتكون بالتوريث.. بل تستند إلى كفاءة العمدة في فهم ما هو مطلوب منه في كل السياقات ومجالات التراب.

مرة كل أربع سنوات ،- وأحيانا أكثر- ، تخرج كائنات مضطهدة، غير مرئية من علب السردين، ومن وسط جغرافية لقيطة اختطتها عبقرية “العمدات” المتعاقبين على الشؤون العامة للبشر، وأنجبتها حتميات من ألهاهم التكاثربسبب قلة فرص العمل، لتوقع بنفسها أصواتا في علب أخرى من زجاج شفاف في الظاهر، لكن تمتد إليه هندسات خبيرة في الباطن، من أجل إفراز عمدة على مقاس المهزلة والمرحلة، قادر على تقبل الإهانة والوصاية والحجر والتهديد بالإقالة والخلع والمحاكم والسجن حتى، مادام العمدة في تمثلات النخبة والعامة صورة كاريكاتورية لاحول ولاقوة لها، إلا في ما نهبته من أموال في السرّ أوفي العلن، أو في ما راكمته من علاقات، عبر تفويت أملاك من شاركوا في لعبة اختيار العمدة أو من قاطعوها، أو في تفويض احتياجات الناس وخدماتهم اليومية لشركات متعددة الهويات والجنسيات، لا تعترف أصلا بالعمدة ولا بصلاحياته الشكلية..

وليس بالخافي عن العباد أن البلاد أصابتها اللعنة، منذ أن استوردت التجربة الأوربية للعمدة. دون أن تمتح من حكاياتنا الشعبية عنه، أو تستفيد حتى من الصورة النمطية التي تزودنا بها “قومية” الشقيقة “مصر” مشكورة عن خصوصيات هذه الشخصية المتقلبة الأهواء والمزاج. التي قد ترتدي العمامة، أو البذلة الأوروبية، أو اللباس الرياضي، وترتاد التدليك في الحمامات كما الصونات..

وكانت نتيجة هذا التهور في الاختيار والقرار بإنزال صورة مستوردة ” نشاز” في مجتمعنا، أن اصطدمنا بعجز العمدة، الذي قرر هو الآخر باعتماد “التدمير الأجنبي المفوض ” لكل خدماتنا العمومية، مادام العمدة وطبقا للمرجعيات السابقة الذكر، لايحكم، ولا يقرر، وإنما يسود صوريا، لسانا للآخرين طبقا لتاريخ التراث والأعراف.
العمدة في كل مكان، يتهور أحيانا وإن انتقل من البداوة إلى التحضر، يحرج السلطات التي سلطته علينا بكلامه السوقي والسطحي، وفيما يكتبه في خطاباته أو على حائطه في صفحات التواصل الاجتماعي على زمن التغريد، فيخلط بين المباح من النميمة وبين النهش في شرفاء هذه البلاد الأحياء والأموات. ورغم هذا كله لا يمكن أن نكلف العمدة فوق طاقته، مادام لا يتذوق الموسيقى الروحية العالمية، ولا أعياد الكتاب، ولا مهرجانات السينما ولا لوحات مراكز الفن الحديث في ربوع البلاد، ورغم أنه قادم من الجذور العميقة للفلكلور، ببساطة لايعرف معنى 13 قرنا من المدينة والدولة. بل ولا يعترف بالحضارات المتعاقبة على البلد إلا ما جاء في باب إفسادها .. أما التراث الإنساني ومشتركه، فحسب العمدة بدون مركب نقص أوعقدة، هو ما نشترك في قذفه جميعا من ثروات خصبة في قاع الوديان وفاء لفكرة البداوة، والمسح بالحجر، ليغتال العمدة فكرة المدينة على ضفاف النهر، ويغتال التنمية فيستأصل الأمل، وليستمر العمدة والعقدة ..فلا بوركت أيها العمدة.