2017/05/24

إلغاء ” مجانية ” التعليم في المغرب خط أحمر يستوجب استفتاء شعبيا

د. حسين مجدوبي - رئيس تحرير ألف بوست

يجري الحديث في المغرب عن احتمال بدء إلغاء مجانية التعليم، ويوجد نقاش ضبابي بحكم غياب المعلومات الكافية أو الشجاعة من طرف الدولة للكشف عن المعطيات. وقرار بمثل هذه الخطورة في تاريخ البلاد يحتاج إلى استفتاء شعبي بحكم أن الأمر يتعلق بأهم قطاع، فهو المحدد الرئيسي لنهضة أمة أو انحدارها نحو الأسفل.

وموضوع إلغاء مجانية التعليم يحضر بقوة هذه الأيام في النقاشات السياسية والاجتماعية وخاصة في شبكات التواصل الاجتماعي ليغطي على النقاش الزائف حول ظروف تشكيل الحكومة. نقاش زائف لأن بعض السياسيين ووسائل الإعلام تتحدث عن نوعية الأحزاب المشاركة ونوعية الوزراء وتصريح فلان أو فلان وليس عن البرامج وما ستقدمه الحكومة أو الدولة من حلول لقطاعات متأزمة بشكل مخيف. وهكذا نجد:

في قطاع التعليم: يسجل هذا القطاع انهيارا تلو الآخر حتى أن الموسم الدراسي الحالي 2016-2017 تحول إلى أسوأ موسم في تاريخ التعليم المغربي منذ الاستقلال حتى الآن. والمثير أن من يرأس هذا القطاع هو رشيد بلمختار جرى تقديمه كمنقذ، وإذا به يقوم بالعكس.

في قطاع الاقتصاد: تدهورت القدرة الشرائية للمواطنين وارتفعت الأسعار خاصة في قطاعات مثل الماء والكهرباء بشكل جنوني، يضاف إلى هذا تجميد الاستثمار العمومي وتجميد خلق مناصب شغل في القطاعات العمومية بشكل لم يشهده المغرب بين 1956-2010. ويحصل هذا في وقت ارتفعت فيه المديونية إلى ما يفوق 80% من الناتج الإجمالي الخام للبلاد. كما سجلت البلاد أسوأ نسب نمو اقتصادي وكأنها تمر من أزمة وجود أو تعيش حربا. والمثير أن هذا يحدث في وقت يتلقى فيه المغرب أكثر من مليار ونصف مليار دولار مساعدات سنويا. أي قرابة 2% من الناتج الخام للبلاد وقرابة 7% من ميزانية الدولة سنويا.

قطاع محاربة الفساد: تبرز مختلف التقارير الدولية تراجع الشفافية في المغرب لصالح ارتفاع ممارسات الفساد. ويكلف الفساد المغرب سنويا قرابة نقطة من النمو الاقتصادي. ورغم الشعارات التي جرى رفعها طيلة السنوات الأربع، يستمر الرأي العام بالشكوى من ترسخ الفساد في دواليب الإدارة برمتها.

التفاوت الطبقي: سجل المغرب خلال السنوات الأخيرة مزيدا من الفوارق الطبقية التي أصبحت مهولة وأصبحت خطرا يحدق بالاستقرار نتيجة هيمنة لوبيات على اقتصاد البلاد في الصفقات المختلفة والزراعة والصيد البحري والاكتفاء بشعارات مثل «أين الثروة؟» دون تفعيل إجراءات تهدف إلى التقليل من هذه الفوارق ومنها محاربة الاحتكار. إذ لم تعد رتوش الماكياج تخفي الحقيقة أمام الواقع المر ومضمون التقارير الدولية القاسية.

ونبقى عند قطاع التعليم، فهو رافعة الأمم نحو الرقي أو سقوطها المروع. ولم يتطور الغرب سوى بالتعليم منذ النهضة الأوروبية، ولهذا يضم جامعات عريقة ومناهج تدريس متطورة، كما تطورت دول لاحقة مثل الصين وروسيا بتطوير مناهجها التعليمية، وهو ما فعلته أمم مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والأرجنتين. وتحول قطاع التعليم في المغرب إلى مختبر للتجارب بين استعمال اللغات من عربية وفرنسية ومناداة بالأمازيغية والانكليزية، ولا أحد يهتم بمدى ملاءمة المعرفة التي تدّرس مع خصوصية المغرب ومتطلباته وقدراته. فقد استورد بعض الخبراء في المغرب نماذج تعليمية جرت بلورتها لمجتمعات أخرى وكأنهم يستوردون الكوكاكولا.

وهذه الأيام، بدأت الدولة المغربية بكل مكوناتها سواء المجلس الأعلى للتعليم المعين من طرف الملك أو الحكومة المكلفة بتصريف الأعمال بمناورات إعلامية وسياسية لجس نبض الشعب. فمرة يخرج مسؤول ويقول بضرورة التفكير في إلغاء مجانية التعليم، ويحاول آخر التخفيف بالقول بالتفكير فقط في فرض رسوم التسجيل، وآخر يقول باستثناء الفقراء. هذه تقنية الدولة المغربية عندما تريد التخلص من الأعباء الاجتماعية المنصوص عليها دستوريا. فقد فعلت الأمر نفسه عند خوصصة (خصخصة) الماء والكهرباء حتى أصبحت الفاتورة من الأغلى عالميا مقارنة مع الدخل، وفعلت الأمر نفسه مع صندوق المقاصة، أي إلغاء جانب كبير من دعم المواد الغذائية، والآن تحاول تكرار التجربة مع التعليم. ورغم كل هذه الإجراءات تغرق الدولة في المديونية.

في البدء، لا توجد في المغرب مجانية تعليم، بل ميزانيته تأتي من الضرائب التي يؤديها الشعب، فلا الملكية ولا الحكومة ولا الأحزاب تتصّدق ماليا على الشعب. والتعليم لا يحتاج إلى ميزانيات إضافية بقدر ما يحتاج إلى رؤية استراتيجية تلائم ما يحتاجه المغرب، كما يحتاج إلى فتح تحقيق في صفقات الفساد التي أدت إلى انهياره، وهذا الفساد أخطر من الإرهاب لأنه يحكم على مستقبل أمة بالفشل.

ثانيا، يحتاج التعليم إلى إعادة النظر في الأولويات، فهل البلاد تحتاج إلى الرفع من التعليم وتخصيص ميزانيات أكثر له ليقود البلاد نحو التقدم، أم تحتاج إلى قطار سريع فاقم من مديونية البلاد وتحتاج إلى مئات المهرجانات أغلبها يصب في الميوعة ويتم تبريرها بالحداثة والانفتاح؟ الولايات المتحدة لا تتوفر على القطار السريع الذي سوف يتوفر عليه المغرب ابتداء من السنة المقبلة، فهل هذا يعني أن المغرب أكثر تطورا من الولايات المتحدة؟ هل المغرب يصنع البوينغ، وهل المغرب يصنع الكاديلاك، وهل المغرب يصنع الويندوز، وهل المغرب يتوفر على جامعات في مستوى هارفارد وبرينستون وييل واستانفورد وبراون؟

ثالثا، قرار إضافة الرسوم على التعليم في المغرب هو قرار خطير ويعتبر بمثابة تجاوز خط أحمر لأن من يهيئون للقرار لهم رؤية قصيرة المدى جدا ويفتقدون للحس الاستراتيجي. ويبقى قطاع التعليم هو الذي يعمل على تصويب الاختلالات في البلاد ويسمح للأشخاص بالتقدم اجتماعيا واقتصاديا خاصة في دولة اقتصادها محتكر من فئات معينة ومحدودة للغاية ولا يمكن لآخرين الحصول على فرصة لاسيما إذا كانت أفكارهم لا تلائم أفكار الحاكمين. وخطورة قرار فرض رسوم على التعليم يتطلب ويستوجب استفتاء شعبيا كما تفعل الدول الواعية. ورأينا كيف تقدم حكومات ديمقراطية على اللجوء إلى الاستفتاء رغم أنها تتوفر على المصداقية والشرعية الانتخابية مثل البريكسيت في بريطانيا وليس مثل حكومة مغربية بالكاد لديها 12% من أصوات المغاربة الذين يحق لهم التصويت.

عموما، يبقى التعليم القاطرة نحو التقدم أو نحو التخلف، وفي المغرب أصبح قاطرة نحو التخلف ومن لا يصدق، ليشرح للرأي العام لماذا يحتل المغرب المركز 126 في التنمية البشرية ويموت شبابه في البحر؟ لأن البعض في المغرب اختصر التقدم في القطار السريع والإقامات السياحية الفارهة والمهرجانات والاستثمار في قطاعات الربح السريع وليس في بناء ودعم البنى التحتية الحقيقية من تعليم وصحة.

التعليم خط أحمر، والتعليم حق دستوري وفرض رسوم عليه سيجعل البلاد تصبح «شركة مساهمة» لبعض الأشخاص.