استطلاع للرأي …

تعتبر استطلاعات الرأي من أهم الوسائل التي يعتمد عليها صانعو القرار السياسي عند اتخاذ القرارات المختلفة، كما أنها أصبحت وسيلة للدعاية الانتخابية في كثير من البلدان، ما أدى إلى ظهور الحاجة إلى رفع الوعي باستطلاعات الرأي. لأنها تشكل فرصة لعموم المواطنين للتداول والنقاش حول الحزب أو الشخص المؤهل لتسيير المجالس الجماعية أو الحكومة من بين الأحزاب المتنافسة في الانتخابات. وهذا النموذج يسميه “امارتيا سن” في كتابه الأخير “فكرة العدالة،2010” “النقاش الديمقراطي”.

فاستطلاع الرأي هو دراسة يتم إجراؤها بشكل علمي، وتهدف إلى معرفة آراء المواطنين اتجاه إحدى القضايا الهامة أو أحد الأحداث المطروحة على الساحة، وتفيد النتائج كلا من الأكاديميين والباحثين والمسؤولين، وتساعدهم في عملية اتخاذ القرار، كما أنها توفر قدرا كبيرا من المعلومات في مختلف المجالات.

تعتمد قدرة هذه الاستطلاعات على التنبؤ الدقيق على عوامل فنية مثل مدى تمثيل العينة لمجتمع الناخبين. كما أن طبيعة السباق الانتخابي نفسه لها أهميتها، فالقدرة على التنبؤ تكون أكثر صعوبة كلما زاد التقارب بين المتنافسين. وترتبط دقة التنبؤ في المقام الأول بدرجة الاطمئنان التي يشعر بها الناخب حيال الإفصاح عن رأيه وهو ما يتحقق في الديموقراطيات العريقة.

مؤخرا خرج علينا أحد المواقع الإخبارية المحلية ( تطوان ) باستطلاع رأي لا نعرف كيفية إجرائه، ولا المعايير التي اعتمدها لكي يصدر نتائجه ” العظيمة ” والتي تقر بدون جدال أو نقاش فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الجماعية المقبلة، التي تبقى بين الإجراء والتأجيل، حيث كشف عن ” ثقة التطوانيين في حزب المصباح معتبرين إياه بالأوفر حظا في الفوز بالانتخابات الجماعية المقبلة، وذلك بنتيجة فاقت  % 56  والتي تكهنت بكون هذا الحزب ستكون له حصة الأسد من بين باقي الأحزاب المغربية الأخرى في الظفر بالانتخابات المقبلة ” هذا حسب الموقع المنجز للاستطلاع.

ونظرا لزيادة الاهتمام باستطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة – فقد أصبح معظم القراء يهتمون بمتابعة نتائجها – هذا طبعا لو كانت مبنية على مفاهيم أساسية من أجل فهم أفضل للاستطلاع، وبطبيعة الحال لا ندري ما هي هذه المفاهيم التي اعتمدها موقع في طور الهواية الصحفية، حتى يخرج بقناعة صارخة على كون هذا المرشح أو ذاك الحزب هو من سيعتلي عرش الانتخابات بتطوان.

وزاد الموقع بالكشف أن ” نسبة % 9.67  من المستطلعة آراؤهم حول حزب الأصالة والمعاصرة  و % 8.84 عن حزب الاستقلال المعارض، بعده حزب  التجمع الوطني للأحرار المشكل لفريق الأغلبية بنسبة متقاربة تزيد على % 8.38. وبخصوص حزب الاتحاد الاشتراكي فلم تتجاوز نسبة المصوتين % 2.43، واقل منها عن حزبي الحركة الشعبية و التقدم والاشتراكية.

إن المطلع على هذا ” الاستطلاع ” يتساءل، ما هي المنهجية العلمية المتبعة في الحصول على هذه النتائج ؟ وهل اعتمدت عينة إحصائية دقيقة، وفق مؤشرات ديمغرافية ومجالية وسوسيو- اقتصادية محددة ؟، وهل التزمت الحياد العلمي ؟ وهل توجهت بالاستقصاء إلى الفئة الناخبة ؟ وهل كانت الأسئلة محايدة ؟ ثم ما هي الجهة التي أجرت الاستطلاع ؟ وهل تتوفر على تجربة علمية وعلى مصداقية في إجراء البحوث ؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تستوقفنا ونحن نطالع هذه النتائج ؟

من الأخلاقيات التي نصت عليها مهنة الصحافة بخصوص تتبع الانتخابات أن على وسائل الإعلام التي تنشر نتائج استطلاع للرأي أن تحدد الهيئة التي أجرت الاستطلاع، والجهة أو الحزب الذي طلب إجراء استطلاع للرأي ودفع كلفته، والطريقة التي اتبعت لإجراء الاستطلاع، وحجم العينة من المواطنين المشمولين بالاستطلاع، وهامش الخطأ، وتواريخ إجراء الاستطلاع ميدانيا.

وهنا يجب أن نتساءل عن الخلفية التي تقف وراء إصدار نتائج هذا الاستطلاع وفي هذا الوقت بالذات. رغم أنه لا يعتمد على معايير علمية دقيقة كما أشرنا سالفا، خصوصا أن الاستطلاعات لا تقتصر على كونها تتنبأ بنتائج الانتخابات قبل إعلانها وإنما أيضا تسمح من خلال التعرف على الخصائص الاجتماعية لمفردات عينة الاستطلاع بالتعرف على التفاوتات في الاتجاهات التصويتية للشرائح الاجتماعية وللمناطق الجغرافية – أين هذا الاستطلاع من تحقيق هذه الغايات –

على أية حال يبقى هذا مجرد اجتهاد من صاحبه، لا يمكن الاعتماد على نتائجه، ما دامت حتى وزارة الداخلية المغربية نفسها تتعامل مع هذه الآلية الديمقراطية الراقية بنوع من الاحتكار والتوجس والتشكيك وأحيانا المنع والتجريم.

 

0