استقلال كاطالونيا أو العودة إلى الصفر

بعد عودة الملكية البوربونية مع الملك ألفونصو الثاني عشر سنة 1874، وبعد الجمهورية الأولى سنة 1873 وإلى غاية إعلان الجمهورية الثانية سنة 1931 توقف آباء الدستور الاسباني دائما أمام عقدة التعريف الممكن للشعب الاسباني، وأثناء صياغة دستور الجمهورية الثانية وهو السادس بعد دستور 1812، توقفت لجنة صياغة الدستور طويلا وبدت عاجزة على  تعريف الشعب الاسباني في الباب االأول من دستور الجمهورية ، وفي إحدى جلسات لجنة الصياغة احتدم النقاش حول التعريف المذكور بحضور رئيس الحكومة آنذاك كانوفاس دي الكاستيجو الذي علق قائلا: ” الاسبان هم الذين لايمكن أن يكونوا شيئا آخر”

هذه واحدة من الطرائف التي عرفها تاريخ اسبانيا  السياسي والمتعلقة أساسا بتعددية الانتماءات والشعوب التي أسست لهذه الدولة منذ ولادتها كدولة موحدة ، ويشهد تاريخها أن هذه التعددية كانت إلى غاية الحرب الأهلية سنة 1936 سببا في تعثر استقرارها.

انطلاق المسلسل الديموقراطي الاسباني بعد وفاة الديكتاتور فرانكو سنة 1975 فتح الطريق لتوافق غير مسبوق في تاريخ اسبانيا ودشن دستور 1978 أطول مرحلة من الاستقرار السياسي عرفته الجارة الاسبانية في تاريخها القديم والحديث. ومن عناصر الاستقرار الذي عرفته اسبانيا الحديثة كان التوافق على نظام جهوي متقدم وبصلاحيات حكم داتي لا مثيل له في دول الجوار.

هذا التوافق الذي طبع مرحلة الانتقال إلى الديموقراطية وعودة الملكية البوربونية بعد وفاة الديكتاتور فرانكو وتعزز بالتحاق اسبانيا بالوحدة الاوروبية وبالحلف الأطلسي، تعرض مع بداية هذا القرن إلى هزات قوية ترتبط في عمقها بسوء تدبير هذه التعددية التي تُميز الشعب الاسباني وأساسا بمقاربة اليمين الاسباني لهذه التعددية التي اضطر يمين ما بعد فرانكو التوافق على تضمينها دستور 78  في السبعينيات من القرن الماضي، دون أن يتخلى عن مرجعيته التي تتبنى تعريفا جامدا لوحدة اسبانيا وتداعياتها التي كانت سببا في الحرب الأهلية وفي 40 سنة من الديكتاتورية.

وبقدر ما تتحمل حكومة راخوي اليمينية مسؤولية ما وصل إليه ملف كاطالونيا والذي انتهت حلقته اليوم باعلان البرلمان الكطلاني الانفصال عن اسبانيا، بقدر ما يتحمل اليمين الكطلاني مسؤولية تأجيج الصراع مع نظيره الوطني والارتماء مُجبرا في أحضان يسار متطرف لا يشكل في مجمله أكثر من 10 في المائة من الكطلانيين، يمين قومي قادم من جذور إقطاعية كانت تاريخيا معادية للديموقراطية ولعبت دورا أساسيا في سقوط الجمهورية الثانية .

تصويت البرلمان الكطلاني اليوم 27 أكتوبر 2017 على إعلان الاستقلال وميلاد الجمهورية الكطلانية يعود باسبانيا إلى نقطة الصفر التي وصلت إليها سنة 1934، والتي كانت مقدمة لنشوب حرب اهلية سنة 1936 دمرت اسبانيا وفرضت عليها عزلة دامت ما يقرب من 40 سنة. في المقابل جاء رد الحكومة الاسبانية بتفعيل استعجالي للفصل 155 من الدستور وإصدار خمسة مراسيم أهمها المتعلقة بحل الحكومة الجهوية وحل البرلمان الجهوي والدعوة لانتخابات جهوية يوم 21 اكتوبر 2017.

قرار الحكومة المركزية حضي بدعم الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني وحزب سيوداداوس(مواطنون) كما حضي بدعم دول الجوار والمفوضية الأروبية وأغلب دول أمريكا اللاتينية، وكل المؤشرات تؤكد أن الحكومة الاسبانية ستشرع في تفعيل قراراتها ابتداء من يوم  السبت 28 اكتوبر. ورغم التعقيدات التي تنتظر الحكومة في تفعيل قراراتها على الأرض، الأكيد أن شرعية الدولة وأدواتها وآلياتها ستحسم في نهاية المطاف بالسيطرة الفعلية على الوضع ، لكنها بالتأكيد لن تحسم في حل النزاع المُنذر بالمزيد من التفاقم وربما الانتشار في جهات وأقاليم أخرى من الخريطة الاسبانية.

تبدو خطوة الحكومة الكطلانية وتحالف اليسار الذي يقودها انتحارية ، وهي كذلك إلى حد ما، لكنها جاءت بعد لحظات من الأمل عرفها يوم 26 اكتوبر بعد تصريح الحكومة الكطلانية باستعداده الاعلان عن انتخابات سابقة لأوانها،وهو ما يعني ضمنيا التخلي عن قرار الانفصال والاستباق بحل البرلمان الجهوي قبل أن يصادق  هذا الأخير على الاعلان عن الاستقلال ، واشترط للقيام بذلك اشارة من رئيس الحكومة الاسبانية ماريانو راخوي عبر الاتصال به والالتزام بعدم تطبيق الفصل 155 في حالة اقدامه على الدعوة للإنتخابات. والمؤسف أن راخوي تجاهل هذه المبادرة الأخيرة التي أعلن عنها الرئيس الكطلاني وألح على شرط الاعتراف بلا شرعية استفتاء 1اكتوبر والعودة إلى الشرعية والدعوة لانتخابات جهوية، وهي شروط مُذلة على حد تعبير بعض المقربين من الرئيس الكطلاني ، كما أن رفض الرئيس راخوي التعامل بايجابية مع مبادرة الرئيس الكطلاني تؤكد من جديد محدوديته وقصر نظره وافتقاده لمواصفات الزعيم السياسي القادر على تدبير أزمات كبرى من هذا الحجم كالتي توفرت في زعيم اليمين الاسباني أثناء مرحلة الانتقال الديموقراطي سنة 1976 أدولفو سواريث.

اسبانيا اليوم تتجه نحو المجهول بعد ارتماء الحكومة الكطلانية في مسبح الانفصال من جانب واحد، ورغم أن الانفصال لن يجد طريقه للتفعيل على الأرض ولا يتعدى الاعلان في حدود الرمزية المشحونة بالعواطف، لكنه يعلن بالواضح نهاية مرحلة وبداية أخرى في تاريخ اسبانيا الحديث، مرحلة من اللااستقرار يستدعي تجاوزها جهدا استثنائيا بين كل الفاعلين السياسيين بما فيهم الملكية البوبونية  للتوافق على تعديلات عميقة في دستور 1978 وتؤسس لنظام جديد لن تقبل فيه الأحزاب القومية وبالخصوص الكطلانية والباسكية  بأقل من الفدرالية كنظام للمملكة الاسبانية.

0