افتتاحية : استطلاع الرأي السياسي بالمغرب أصبح من المحرمات وجريمة يعاقب عليها القانون

تعتبر استطلاعات الرأي من أهم الوسائل التي يعتمد عليها صانعو القرار السياسي عند اتخاذ القرارات المختلفة، كما أنها أصبحت وسيلة للدعاية الانتخابية في كثير من البلدان، ما أدى إلى ظهور الحاجة إلى رفع الوعي باستطلاعات الرأي. لأنها تشكل فرصة لعموم المواطنين للتداول والنقاش حول الحزب أو الشخص المؤهل لتسيير المجالس الجماعية أو الحكومة من بين الأحزاب المتنافسة في الانتخابات. وهذا النموذج يسميه “امارتيا سن” في كتابه الأخير “فكرة العدالة،2010″ “النقاش الديمقراطي”.

فاستطلاع الرأي هو دراسة يتم إجراؤها بشكل علمي، وتهدف إلى معرفة آراء المواطنين اتجاه إحدى القضايا الهامة أو أحد الأحداث المطروحة على الساحة، وتفيد النتائج كلا من الأكاديميين والباحثين والمسؤولين، وتساعدهم في عملية اتخاذ القرار، كما أنها توفر قدرا كبيرا من المعلومات في مختلف المجالات.

وزارة الداخلية المغربية بادرت مؤخرا إلى إصدار بلاغ تمنع فيه الصحف والمجلات والمواقع الإخبارية الرقمية من إجراء استطلاعات الرأي ذات الطابع السياسي، معللة ذلك بغياب إطار تشريعي يقنن استطلاعات الرأي ومراقبتها، وبالتالي ” تبقى غير مضبوطة ومنحازة في كثير من الأحيان ” – حسب بلاغ الوزارة -. بل وتعدى البلاغ إلى الكشف عن العقوبة الحبسية من شهر إلى سنة وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم، لكل من قام خلافا لأحكام المادة 115 من القانون رقم 57.11 الذي ينص على أنه “يمنع إجراء استطلاعات الرأي التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة باستفتاء أو بانتخابات تشريعية أو انتخابات تتعلق بمجالس الجماعات الترابية أو بالغرف المهنية، خلال الفترة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق للتاريخ المحدد لانطلاق حملة الاستفتاء أو الحملة الانتخابية إلى غاية انتهاء عمليات التصويت (….).

ونظرا لزيادة الاهتمام باستطلاعات الرأي في الآونة الأخيرة – فقد أصبح معظم القراء يهتمون بمتابعة نتائجها – هذا طبعا لو كانت مبنية على مفاهيم أساسية من أجل فهم أفضل للاستطلاع، ورغم أن انتشار استطلاعات الرأي الإلكترونية خاصة تلك التي تنتشر حاليا في مواقع الإنترنت على اختلاف أنواعها لا تعكس غالبا الرأي العام، بل رأي أقلية نشطة سياسيا. وبالتالي إلا أن أم الوزارات المغربية تخشى من تأثير تلك الاستطلاعات على الناخب المغربي في تمييل كفة هذا الحزب أوذاك، إذا علمنا أن استفتاءا أجرته صحيفة “تيل كيل” مؤخرا أعطى التفوق لحزب العدالة والتنمية على غريمه حزب الأصالة والمعاصرة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات واشتعال نار الصراع بشكل غير مسبوق في تاريخ الانتخابات المغربية خاصة بين الحلقتين الأقوى حاليا  حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، فإن وزارة الداخلية المغربية تدخلت لمنع أية وسيلة إعلامية مقربة من هذا الطرف أو ذاك من التأثير على الناخب المغربي عبر نتائج استطلاع رأي أغلبها يفتقد للمنهجية العملية.

يشدد الكاتب المصري ” محمد شومان ” في مقالة نشرت بموقع الجزيرة نت ” إشكاليات قياس الرأي العام العربي ” على أن استطلاع الرأي يعد  كأحد آليات الإصلاح الديمقراطي، و ” وسيلة متفق عليها للتعرف على آراء المواطنين” ، ومن ثم فإن قياس الرأي العام اعتمادا على إجراء استطلاعات دورية للرأي العام وإعلان نتائجها بوضوح وشفافية يدعم من المشاركة السياسية للمواطنين. 

ويعتبر ” شومان ” في الوقت ذاته أن ” الاحتكار الحكومي لتنظيم أو منع إجراء استطلاعات الرأي العام يتعارض مع محاولات الإصلاح السياسي ” والإشكالية هنا أن بقاء الاحتكار الحكومي وأشكال الرقابة والمنع يفتح المجال لظهور أشكال غير دقيقة وأحيانا مشوهة لقياس الرأي العام.

وإذا كان الحكومات في دول العالم الثالث كالمغرب قادرة على احتكار تنظيم استطلاع الرأي في بلدانها، إلا أنها تقف عاجرة أمام إجراء مراكز بحوث أميركية وأوروبية لاستطلاعات الرأي العام في عدة دول عربية، ما يعطي الفرصة لمراكز البحوث الأجنبية من رسم الخارطة السياسية في الدول العربية والإعلان عن نتائج الاستطلاعات بشكل يتماشى مع مصالحها الخارجية.

وفي انتظار صدور نص تشريعي – هذا إن صدر طبعا –  ينظم إجراء استطلاعات الرأي بالمغرب يبقى الأخير من المحرمات التي لا يجوز الاقتراب منها.

 

0