الإسلام السياسي وحالة تسلل في زمن الكورونا

أثارت قضية تسمية الشوارع والأزقة بأسماء أصولية متطرفة، اهتمام الرأي العام الوطني، وخلقت نقاشا واسعا في أوساط مستعملي وسائط التواصل الاجتماعي، وقد أخدت ردود الفعل الخاصة بهذا الموضوع شكل نقاشا وليس جدالا، نظرا لغياب أي رأي منافح، مدافع، أو مساند لفداحة هذا السلوك الأرعن. ووضع الجميع أمام مسؤولية تقوية الممانعة من أجل تحصين المجتمع المغربي، من أي تسلل في جنح الظلام، يستهدف ضرب مرتكزات ومقومات هويتنا الوطنية والدينية، في منطلق السياسة وميزان المصالح ومنطق احتلال المواقع. ففي منطق السياسة لا شيء مجاني، عفوي أو بريء. فكل إشارة أو تصريح أو فعل من هذا المنطلق له رمزيته ودلالته، ومنها إطلاق التسميات على الفضاءات العامة والمؤسسات والمعاهد والجامعات والمدرجات، باستذكار اسماء محددة، لا تنبع من فعل الهوى، بل هي أبعد من مضمون رسالة بين مرسل ومرسول اليه، لما تتضمنه من متسع اكبر من الكلمة والرمز المتضمن في الرسالة.

ويمكن الانتباه إلى أهمية التسمية التي تعطى للعمليات العسكرية وفي الكثير من الأحيان لأنواع من الأسلحة (عاصفة الصحراء، صاروخ القسام ……) ، تتضمن في طياتها إحالات ودلالات أبعد من تركيبة التسمية، لتعبر عن مضمون سياسي ديني وخلفية إيديولوجية. إن الأسماء والرموز تستوحى من معجم محدد راكمته جماعة معينة أو شعب معين أو حركة معينة وتستدعيه في ممارساتها التاريخية، باعتباره خزانا رمزيا يختزل التعبيرات والطرق التي تدل وتومئ اشاريا الى المذهب في معنييه الدلالي الأخلاقي والدلالي الرمزي .

وقد وضح امبيرتو ايكو في كتابه ” السيميائية وفلسفة اللغة” أن ” منطق التفكير في الدال والمدلول والقاموس والموسوعة والاستعارة والرمز والسنن، هو العلامة. ذلك أن الإنسان يقرأ الكون المحيط به من خلال علامات، ويعبر عنه من خلال أنظمة مختلفة من العلامات، سواء كانت لغة أو رسما أو رموزا”. من هنا تأتي خطورة تمرير تسميات أصولية وهابية متطرفة، لا تؤمن بالديمقراطية والاختلاف والمجتمع المتعدد والمتنوع. بأسماء تتحول إلى إحالة علامية أو قل إلى دلالة، حيث يصبح الإسم هنا وهو الدال ككلمة في ماديتها الكتابة إلى مدلول ككلمة في نظام معانيها أو في أحسن الحالات وللتوضيح أكثر تصبح الأسماء مثل الكتابة الهيروغليفية رسوم ترمز إلى أشياء أو حالات، وذلك لأن جل أو معظم بل أحيانا كل المتأسلمين من داعيات أو حركيين سياسيين أو جهاديين استعملوا أسماء حركية، فكل القادة على هذه المستويات اتخدوا لأنفسهم أسماء غير أسمائهم، ومن هنا الاستدعاء المكثف والمزدوج للرمزي، فرمزية الشخص ومن ثمة رمزية الاسم الذي يتسمى به وهي أسماء مستمدة من جغرافيات قصية ومن تواريخ بعيدة تحيل إلى أحداث حدية وتتحول هذه الأسماء كعمليات الاستحضار الحسي الذي لا يحيل إلى جسد الآخر وإنما إلى صورته فيبعدنا بذلك عن الطبيعة، إن لعبة الإحالة هذه التي يلعبها الاسم المستعار هي الشرط المتعالي لكل عنصر دال، ولما كان كل عنصر يتحدد بعلاقته بالعناصر الأخرى وبشاكلته في تكميلها فيجب أن تكون لعبة الاختلافات التي تؤسسه مسجلة فيه من قبل، وهذا ما يدعى في السيميولوجيا بالأثر، أي أن الاسم يحمل معه آثارا خارج ذات الشخص الحامل له.

إن تمرير هذه الأسماء الدلالية سقط في حالة تسلل فاضح، أعلن عنه المغاربة باستعمالهم تقنية الفار VAR التي امتلكوها من خلال وسائط التواصل الاجتماعي داخل حجرهم في زمن تفشي وباء كورونا. إن الرغبة في تمرير هذه التسميات، لم تأت من فراغ، أو من فعل فردي أو غباء مسؤول أصولي، بل نابعة من عقدة فشل حركة الاسلام السياسي، طيلة خمسة عقود من التواجد في الحقل المجتمعي نظرا للبنى والخلفيات الدينية التاريخية التي تشكلت لمدى قرون، ففشلهم في تمرير أغاني الوهابية في الأعراس نظرا لكون المديح المغربي أكثر أصالة ومضمونا صوفيا روحيا وأخلاقيا، إلى محاولاتهم تسييد وفرض همينة قاموس سياسي إخواني تكفيري ومفاهيمه الفكرية والاصطلاحية واللغوية في بنيات المجتمع المغربي ووعيه. وسقط في محاولته الأولى وفي أول خروجه للفعل السياسي العلني داخل أسوار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب نظرا لتجذر خطاب وطني إصلاحي جد متطور ينهال من تجربة سياسية للحركة الوطنية ومن خلال تواجد يسار جدري أسس لخطاب نقدي مزدوج للخطاب الوطني والقومي مما أعطى للقاموس السياسي المشرقي الاخواني والوهابي طابعا مفارقا لم يستطع أن يجد مكانه إلا داخل مريديه مما اضطرهم ولأجل البقاء في زخمة الفعل إلى تبني براغماتي للمقررات السياسية للاتحاد الوطني كانت قبلها إلحادية، من خلال توسل لغة توفيقية اندحرت بهم الى استبدال شكلهم ولحاهم ولباسهم أيضا. لأن الكلام في مستوياته السيميولوجية لا يتحقق فعلا وماديا كفعل صوتي بل أيضا كتحقق مادي وبصري وتشكيلي للكلام، بمعنى يصبح استخدام الكلام بمعنى ملموس وكمادة صلبة ترج الأشياء، فاضطروا إلى التخلي عن قاموسهم المعجمي، وتبنى الخطاب السياسي المتداول حيث امتاحوا من المزاوجة بين لغة اليمين ولغة اليسار، وعلى مستوى الخطاب الديني العلني وليس التنظيمي الداخلي، نجده خطابا تم تكييفه مع الخطاب الديني المغربي الشعبي خارج الأطر العالمة كالجامعات والنقابات والتنظيمات الأهلية. وهذا ما دفعهم إلى تبني تكتيك عملي يقوم على تأثير الصورة والرمز لتعويض هذا الفشل، عبر تركيز التواجد في الفضاءات العامة، باستدعاء إحالات رمزية محيلة إلى الدين كاللحية والحجاب واللباس.

إن الصراع الذي يخوضه الاسلام السياسي في المرحلة الراهنة، يرتكز على تسفيه السياسة والسياسيين، وخلق حالة من البهرجة السياسية، التي في تسييدها يظلون المعبر الوحيد للدولة، وهم يستطيعون فعل ذلك نظرا لطبيعة التنظيم السياسي الذي يؤمنون به القائم على الطاعة و الولاء وقداسة المرشد أو الأمير والأمين العام حسب الظروف و الأحوال.