الانتخابات الاسبانية وثقبنا المخيف

بابلو إغليسياس، زعيم إسباني صاعد من مواليد 1978، رفقة دينا المغربية الطنجاوية، مواليد 1990، ترأس حزب بوديموس قبل 13 شهرا وقاد حزبه إلى احتلال الرتبة الثالثة في الانتخابات البرلمانية مؤخرا. أستاذ جامعي، ابن العاصمة مدريد. تلقى تكوينه في جامعة بلوطينسيا الشهيرة وكذا في جامعة القلعة اليسارية بإيطاليا: بولونيا. له سبعة مؤلفات متنوعة. يدير برامج تلفزية متعددة.

صديقته المغربية دينا لها طموح لا يقاوم وهي في أوج الربيع (25 عاما). كلاهما لم يعش على مستوى الوعي، بالأحرى الممارسة، مرحلة الحرب الباردة. لذلك، ندمت دينا على مرورها مر الكرام بحزب الأصالة والمعاصرة (في فرعه بباريس) كونها يسارية الهوية والهوى. درست بطنجة ومدريد وباريس. تحب الكتابة ولو أنها لا تعتبر نفسها صحافية. وناطقة رسمية باسم مؤسسة نسائية.

جاء في موقع شمال بوسط من موفده بمدريد، أن “عدد المغاربة المجنسين يفوق 140.000 ناخب، أغلبهم محسوبين على اليسار وبشكل خاص على الحزب الاشتراكي وبوديموس”. كما ذكرت الصحافة الورقية المغربية أن بابلو إغليسياس كان الوحيد بين زعماء ائتلاف لمساندة بوليساريو في المدة القليلة الماضية. لكن قبيل الانتخابات المحلية الأخيرة في اسبانيا، سبق لجريدة النهج الناطقة باسم إلى الأمام أن وجهت انتقادا مطولا في عددين من الجريدة منتقدة اعتداله وتزعمه التيار المنبثق عن حركة 15 ماي المشارك في الانتخابات. متناسية دعمها المطلق للحزب الشيوعي الإسباني (اليسار الموحد) الذي ظل يشارك في الانتخابات إلى أن انحدر إلى مقعدين يتيمين يوم 20 دجنبر الماضي، مقابل 69 مقعد لحزب بوديموس. كما ذكر موفد موقع شمال بوست المغربي. وكل المعلقين في المواقع الفرنسية كون المشاركة كانت عالية جدا مقارنة مع الانتخابات التي كانت مقتصرة على ثقل الحزبين التقليديين: الحزب الشعبي اليميني والحزب الاشتراكي العمالي الذي لم يعد يساريا سوى بالإسم. وجاء في الموقع المغربي المذكور أن قانون الانتخابات الاسباني أصبح في حالة شرود بالنسبة لدور التعبئة والدعاية الانتخابية خلال يوم الاقتراع نفسه. وذلك عبر الهواتف الذكية والرسائل الالكترونية.

اليوم، ما الذي ستفعله الأحزاب المغربية، اليسارية خصوصا، وهي تعرف الميول السياسية لبوديموس؟ إن الانتظارية والبطء و”قلة الصواب”، تلك الصفات التي تركت المسافة بين بوديموس وبين أحزاب يسار اليسار في المغرب، أوضحت أن التقاليد الفرنكوفونية تدفع الأحزاب المذكورة للانشغال بما يجري في باريس. بينما تعجز عن المبادرة في اتجاه مدريد وبرشلونة. فإذا كان زعيم بوديموس من الذين يتمنون بقاء اسبانيا موحدة مع اختلاف طفيف وهو القبول بتنظيم استفتاء قانوني حول بقاء كاطالونيا داخل اسبانيا أو استقلالها عنها، كان من المفيد أن تبادر فيدرالية اليسار الديمقراطي إلى فتح نقاش في موضوع الأقاليم الجنوبية. علما أن احتدادا مشابها سيجري أثناء البحث عن التوافق بين بين الحزب الاشتراكي العمالي وبين بوديموس والأحزاب الجهوية الانفصالية في اسبانيا. خصوصا والنهج قد سبق إلى الابتعاد عن بوديموس على خطى حليفه الإسباني المنهار (ايسكييردا أونيدا). فمن حيث الاختيارات السياسية لبوديموس في القضايا الاسبانية الداخلية يمكن الجزم بالتشابه بينه وبين أحزاب فيدرالية اليسار. الفارق الوحيد هو عجز الطرف المغربي عن بلورة برنامج سياسي قابل للتنفيذ خلال حركة 20 فبراير، بينما عبر بوديموس (على عكس النهج وفيدرالية اليسار) عن براغماتية منتجة لتوسيع النفوذ وربح الانتخابات. ولم يقاطع قد الانتخابات إلى جانب الطبقة السياسية الفاسدة التقليدية بجناحيها.

إن أسلوب صناعة التكتلات والقرارات في المقاهي لدى جزء لا يستهان به من أطر وقيادات اليسار ويسار اليسار في المغرب، ينتج عنه دمج سوسة النميمة في صخر المواقف مما يولّد الهدر تلو الهدر في الطاقات المنتمية والمتعاطفة والتي من شأنها أن توفر لليسار ويسار اليسار في المغرب، سياجا قويا من ذوي النفوذ في الساحة الإسبانية. خصوصا بعد حركة 20 فبراير.

كما أن اعتماد الدولة على حملة الطبل والغيطة، داخليا، وعلى الحلفاء الطبقيين في الدول “الصديقة” الأوربية، ترفع كلفة الدفاع عن القضايا المغربية العادلة. بحيث لا يربح أعداء وحدة التراب المغربي حملاتهم سوى بسبب الأخطاء السياسية للدولة واعتمادها على السند المغشوش للدول “الصديقة” دائما وأبدا. علما أن تلك الدول “الصديقة” تدافع عن مصالحها أولا وأخيرا، فيفاجأ المغرب بتصويتات على مقررات الأمم المتحدة بقي بصددها في دار غفلون.

ولأن فرنسا مصرة على إبقاء المغرب حديقتها الخلفية المحتكرة، ستزين للدبلوماسية الرسمية الابتعاد عن الجزء الشاب الصاعد في الطبقة السياسية الاسبانية. وبالتالي سنراكم من الآن أخطاء مع الاسبان. علما أن اليسار الجديد يستنكر في بلده تبديد 40 مليار أورو حصلت عليها اسبانيا منذ الاتحاد الأوربي وظهر أن الفساد داخل الحزبين التقليديين في اسبانيا ساهم في التدبير السيئ لتلك الاعتمادات الأوربية، مقابل شن حرب التقشف الطبقية على الفئات الدنيا في المجتمع الاسباني.

ستحتاج الحكومة الاسبانية المقبلة لفتح أسواق بجوارها. وإذا كنا نتذكر أن الاسبان أنفسهم أصبحوا بنائين وتقنيين في المشاريع المغربية، طيلة السنوات الأربع الأخيرة، فلتبد الدولة المغربية الجرأة المطلوبة بفتح باب الاقتصاد المغربي أمام ما يمكن أن يساعد الإسبان، من خلال حكومتهم المقبلة. فلا يكفي أن نتخوف من سياستهم المقبلة بصدد الصحراء (نعيم كمال= موقع كيد.ما)، بل المطلوب غل أيديهم بمصالح اقتصادية تردع أي نزوع لهم في المستقبل إن فكروا في خلق متاعب للرباط.

إذا كانت يد الرباط تستطيع أن تمتد عبر العواصم الإفريقية حتى ليبرفيل، كيف لا تستطيع أن تستبق الأحداث وتغلق الفم الإسباني الأمار بالسوء غدا بواسطة خيط وإبرة المصالح؟ نعم، أصبحنا نصدق كلام الدولة عندما تمكنت من إصدار قرارات طرد الأمريكيين من الأطلس المتوسط، والرد الحازم على فرنسا، ومواجهة الأمين العام للأمم المتحدة قيبل تقريره السنوي. فلم لا تتبع نفس الخط تجاه الحكومة الاسبانية المقبلة؟ إن حركة الأطباء والأساتذة المتدربين تحمر وجه الحريات في المغرب. وتدعم أسس الاستقرار. وتساهم في تجفيف منابع الإرهاب. لأنها كحركة تبين أن سياسة الأمن لم يعد همها الأول ترك بصماء دماء المتظاهرين فوق أسفلت ساحات التظاهر. كما أن وفاء الملك بعدم متابعة من يتحدثون عما يرتبط به شخصيا أمام القضاء، يقوي ثقة أولئك بالضبط في نزاهة ممارسة الملك كفاعل سياسي مركزي في الدولة.

إن المغاربة أصبحوا – من خلال التصويبات الفعلية لأخطاء الدولة في الماضي – يغيرون سلوكهم الحاضر والاستراتيجي تجاه دولتهم، كنزهم الثمين، فالإجماع اليوم لم يعد كلاما منمقا من خلال كلام التلفزيون، بل أصبح حركة تفاعلية يحرص الكل على دوره فيها ومن أجلها بالنقد المزدوج (الموضوعي والذاتي).. وهو أحسن استثمار يربحه المغاربة جميعا لفائدة الاستقرار المستدام.

لكن الثقب المخيف هو ذاك الوهم الذي يصرفه البعض انتقاما من حركة 20 فبراير، بالحديث عن الخسائر المالية المترتبة عن ربيع 2011 في المنطقة. فقط لأن أسماءهم كانت ضمن قائمة “ارحل”.. وهم بذلك يتنكرون لخطاب الملك يوم 9 مارس من نفس السنة، فمن مسؤولية الدولة أن تغلق فوهة هذا الثقب المخيف قبل أن يصبح بركانا يفجره سلوك الانتهازيين عبر توسيع دائرة العدميين.

0