الانتفاض بالمغرب: محاولة تنظير فصل المقال فيما بين الأمس واليوم من اتصال

بين الانتفاض بالأمس والانتفاض اليوم، يعتري الجميع شعور بأن شيئا ما قد تبدل. لقد حدث شيء ما بسرعة.. بسرعة كبيرة.. حدث ذلك دون أن يتح لنا فيه وقت لندرك حقيقة ما يجري.. دهمتنا الأحداث بغتة، ونحن على خصام مع تاريخنا، حتى القريب منه، وكأننا به أمام طفل بالكاد فطم لكن يجهل تماما مصدر معاناته، ولماذا تعرض لكل هذا العسف!
الكل يردد بأن الانتفاضات التي يشهدها المغرب اليوم تختلف عن الانتفاضات التي شهدها بالأمس. لكن عندما نقف مليا عند ما كتب وما تم التصريح به في هذا الشأن، لا نكاد نلمس فرقا جوهريا يسمح لنا بتفسير ما يجري من حولنا. وتجدر الإشارة إلى أننا، مثلهم، نؤكد أن التوفق في تحديد الفرق بين الانتفاض بالأمس والانتفاض اليوم يعد مدخلا مهما لفهم ما يجري، لكننا مع ذلك لا نسلك مسلكهم في البحث والتقصي، ونختلف معهم في المنطلقات والنتائج.
لقد اعتقد الجميع أن استيعاب الفرق يتوقف على الالتزام بالموضوعية والحياد. واعتبروا أن الموضوعية مرادف للوصف، وأن التمييز في الانتفاض بين الأمس واليوم رهين بجرد خصائص الانتفاض القابلة للملاحظة، قبل أن يتم الفصل فيها بين المتشابه والمختلف. لقد كانت منهجيتهم امبريقية ساذجة تعتقد أن معطيات الواقع الخام تتكلم بذاتها، وأنها لا تحتاج منا سوى أن نصنفها بحسب خصائصها العينية، فيظهر الفرق وينتهي الأمر. على هذا الأساس لم تتعد نتائجهم رصد بعض الفروق في خصائص الاحتجاجات من قبيل المكان الذي اندلعت فيه (بوادي – حواضر – مراكز كبرى…) أو الزمان الذي استغرقته (احتجاجات ذات نفس قصير – احتجاجات ذات نفس طويل) أو النوع (مكانة المرأة في الاحتجاجات) أو السن (مكانة الشباب في الاحتجاجات). لكن دون أن يكلفوا أنفسهم عناء استثمار هذه التوصيفات في بناء نماذج تحليل تعيننا على فهم ما يجري.
لقد نسوا أو تناسوا.. جهلوا أو تجاهلوا أن المفاهيم في العلوم الانسانية عموما كيانات أو كنهيات نسقية، لا تحمل معناها في ذاتها أو في بعض الخصائص الخارجية التي يمكن جردها، بل فيما تقيمه من علاقات مع مفاهيم أخرى مشكلة أنساقا تفسيرية أو نماذج تحليل.
لنحاول إذن أن نفهم كيف كان يشتغل النسق السياسي بالأمس، ما هي عناصره؟ وما هو المعنى الذي كانت تتخذه الانتفاضات داخل هذا النسق؟ وماذا حدث للنسق السياسي اليوم؟
كل نسق مهما كان، هو حصيلة توازن قوى متنافسة، مصالحها متعارضة، لكن في نفس الوقت يتوقف تحقيق أهدافها على التعاون فيما بينها؛ وإلا في غياب هذا الشرط الثاني، تجد نفسها تمارس الصراع خارج النسق، وفق شروط أخرى مفتوحة، أكيد، لكن غير مضمونة العواقب. لذلك يطلق على هذا النوع من القوى التي تختار أن تمارس الصراع من خارج النسق نعتي “المغامرة” و”الصبيانية”، سيما من قبل القوى التي تتقاسم معها الشعارات العامة، لكن اختارت ممارسة الصراع من داخل النسق؛ نظرا لوجود اختلاف في التقدير السياسي للمرحلة والخط السياسي الذي من المفروض أن يؤطر الممارسة. هكذا نميز بين النسق وبيئته القريبة التي تحتضن ما يطلق عليها ب “القوى المغامرة” والتي سنسميها في هذا المقال بقوى “المحيط” في مقابل قوى “المركز” التي تشمل الأطراف التي تقع داخل النسق وتقبل بشروط اللعبة. لكن، هل القوى التي تعمل خارج النسق السياسي (قوى المحيط) لا علاقة لها بالنسق ولا تكترث لعمله؟
بالعكس تماما؛ إن الاشتغال الجيد للنسق يستلزم وجود قوى خارجه. أو قل للدقة، كل طرف داخل النسق يجب أن يكون له طرف “محيطي” يمثله خارج النسق (صورته بلغة الرياضيات). هكذا تنتظم القوى بين الداخل والخارج بما يفيد الحفاظ على توازن النسق؛ وذلك وفق اشتغال قوتين إحداهما انجذابية (centripète) تعزز تماسك عناصر النسق وتعاضدها، والأخرى انتباذية centrifuge)) تفكك النسق وتضعف قوى تماسكه.
تزداد شدة القوة الانجذابية عندما تتوافق انتظارات الفاعلين داخل النسق(استراتيجياتهم) مع الفرص التي تسمح بها قواعد اللعب داخل النسق. في هذه الحالة تضعف شدة القوة الانتباذية وتنحسر مشاريع قوى “المحيط”. وبالمقابل عندما تتناقض استراتيجيات الفاعلين داخل النسق مع الفرص التي تتيحها قواعد اللعب، يصير الانتماء إلى النسق غير ذي جدوى، فتتعزز القوة الانتباذية ويصاب النسق بعطل وباختلال توازنه. في هذه الحالة تستفيد “قوى المحيط” من انحسار مشروعية قوى المركز، وفتور تأثيرها، فتنجح في اكتساح المواقع التقليدية لهذه الأخيرة.
أمام المنافسة الشديدة التي تواجه “قوى المركز” من طرف “قوى المحيط”، والتي لا ينجم عنها اختلال بين الداخل والخارج فحسب، بل اختلال داخل النسق نفسه؛ حيث تضعف القوة التفاوضية لقوى المركز؛ طالما أن هذه القوة تتوقف على قدرة كل فاعل من داخل النسق على تهذيب صورته المحيطية وقس جناحيها.
عندما يتراجع تأثير قوى المركز، وتشرع قوى المحيط في اكتساح المواقع الاجتماعية والجماهيرية، وتتراجع القدرة التفاوضية لقوى المركز من داخل النسق، تحتاج اللعبة برمتها إلى نفس جديد. تحتاج اللعبة السياسية إلى أداة تعيد لها توازنها، عبر تمكين قوى المركز من حماية مواقعها التقليدية في مواجهة قوى المحيط، وتجديد مشروعيتها الشعبية وفي نفس الوقت تثمين قدرتها التفاوضية داخل النسق.
كان النسق السياسي القديم عبارة عن توازن أو تعاقد طبقي pacte de classes أساسه الإيديولوجي النزعة الوطنية le nationalisme والبراديغم العام الذي يفسر اشتغاله هو المنهجية الوطنية le nationalisme méthodologique. في هذا الإطار، كانت التعارضات بين القوى الحية في البلاد، سواء كانت اقتصادية أو ثقافية أو سياسية، تعبر عن نفسها من خلال مصفوفة اللعبة السياسية ومحيطها القريب، وما تسمح به قواعد اللعب. لم تكن التناقضات تعبر عن ذاتها كما هي. لم تكن مفتوحة على طبيعتها، بل مغلقة بشروط التحويل التي تفرضها اللعبة السياسية. لقد كانت اللعبة السياسية تعيد تعريف التناقضات مهما كانت طبيعتها، فتخضعها لمنطق التوازن الذي يشرط وجودها.
بهذا المعنى يمكن تعريف النسق السياسي المغربي، بالأمس القريب، باعتباره لعبة سياسية تسير بطبيعتها نحو الاحتقان؛ أي احتداد التناقض بين المصالح وتلاشي جدوى التعاون، ثم يتم إعادة التوازن للنسق بعد انتفاضة تدكر الجميع بضرورة التعاون، وبأن المستفيد إذا ما تنكر الجميع لقواعد اللعب يقع خارج الوطن. هكذا تعيد الانتفاضة الأطراف إلى مائدة المفاوضات لتتجدد الأدوار ويستعاد التوازن.
والآن ماذا يجري؟
أول شرخ أحدثته العولمة هو أن العلاقة بين الدولة والوطن لم تعد بديهية. إن العولمة قد أنهت حكاية المنهجية الوطنية. وإذا كان الوعاء العام قد تغير، فبالتأكيد سوف يتغير شكل محتوياته؛ ومنه المعنى الذي تتخذه الانتفاضة اليوم.
الجديد اليوم الذي يستحق الانتباه إليه هو أن التناقضات بين القوى الحية في البلاد لم تعد تمر عبر التحويل السياسي التقليدي؛ أي أنها لم تعد تقبل بإعادة تعريفها من خلال قواعد العقد السياسي، بل أصبحت تعبر عن ذاتها من خلال طبيعتها. ولمزيد من التوضيح، أضرب مثلا “المجتمعات البدائية” التي كانت طبيعة الصراعات بين قسماتها مادية، تدور حول المراعي والمياه، أو قل بصفة عامة حول الموارد الطبيعية. لكن المجتمع برمته كان ينتظم حول نسق القرابة، والسياسة كانت تعني أن نحول مضمون الصراعات من الإيكولوجيا إلى القرابة. لقد كانت الصراعات لا تتخذ معناها إلا داخل نظام القرابة وانطلاقا من قواعد اتصال وانفصال الأسر والعشائر والقبائل.
قس على ذلك النسق السياسي المغربي. لقد أصبحت التناقضات الاقتصادية والثقافية والسياسية منفصلة عن قواعد اللعبة ومستقلة عنها. وأصبحت التعبيرات الاقتصادية (المقاولات) تحضر كطرف مباشر في اللعب، لا تحتاج أن تمر عبر تحويل سياسي. وكذلك التعبيرات الثقافية والدينية والهوياتية. لقد أصبحت التعارضات تحتفظ بطبيعتها. وفي هذا تحول عميق لمفهوم السياسة. إن السياسة لا تقوم لها قائمة بدون أن نتمكن من إعادة تعريف التعارضات وتحويلها؛ إذ بهذا التحويل نعطيها معنى جديدا، ونتمكن من إيجاد حل لها؛ لأنها تكون، بفضل هذا التحويل، قد اتخذت شكلا قابلا للمعالجة. أما وأن الأمور أصبحت تحضر كما هي، فإن الصراع والخصام سيكون مفتوحا. لا يجب أن ننسى بأنه في كثير من “المجتمعات البدائية” لم يكن من الممكن تمثيل المسرحية دون أن يرتدي الممثلون الأقنعة (persona). ولا يجب أن ننسى أهمية الدفوعات الشكلية أثناء المحاكمة؛ فلا مناقشة ولا مرافعة دون أن يتمكن المحامي والقاضي من الاتفاق على التحويل الشكلي للوقائع إلى نصوص. أما إذا استحضرنا أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فلا يمكن أن نستبعد فكرة أساسية في تفسير استدامة الأزمة؛ تتعلق هذه الفكرة بطبيعة التمثيلية والحضور داخل الحركة الطلابية، والتي تقوم على أساس نظام اللوائح. إن هذا النظام يعني أن الأطراف المتنازعة تتنافس وجها لوجه باعتبارها فصائل لها أهداف واستراتيجيات متعارضة.
اليوم بعدما أصبحت الأطراف المشكلة للنسق السياسي الجديد مستقلة عن أي تحويل سياسي، فإن الانتفاظ لم يعد أداة سياسية لخدمة النسق، وإنما صار فعلا اجتماعيا مستقلا، يعبر عن قوة حقيقية أولية (élémentaire). وإذن، فإن النسق لم يعد ذا طبيعة سياسية بحتة، ولم تعد الأحزاب قادرة على صهر الرهانات الاقتصادية والثقافية في مشروع سياسي مندمج يتدافع، داخل النسق مع مشاريع منافسة. هكذا فإن النسق يتكون اليوم من قوى اقتصادية وسياسية واجتماعية متناقضة نختصرها في ثلاثة أقطاب كبرى: الدولة والسوق والمجتمع. يمكن أن نمثل النسق المغربي بالخطاطة التي وضعها “جان أفشان” مع بعض التعديلات الطفيفة. تضع هذه الخطاطة قوى المركز داخل الدائرة بينما تقدف بانحرافاتها (قوى المحيط) خارج الدائرة.
هذه هي عناصر النسق. في قلب الدائرة مثلث متساوي الأضلاع يتكون من ثلاث قيم أساسية تمنح للنسق روحه الخاصة (son ethos). الدولة أصبحت طرفا في اللعبة ولم تعد تحتكر مفاتيحها؛ لكن هذا لا يعني أنها لم تعد تتحكم في اللعبة، بل بالعكس لقد أصبحت اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى ممارسة دورها وإقناع السوق والمجتمع بجدواها. مشروعيتها تكمن في حماية قيمة المساواة وخدمة المواطنين باعتبارهم مرتفقين، يتمتعون بالحق في الخدمة الإدارية على قدم المساواة. وكل انحراف عن هذه الغاية وتعظيم لدورها يدفعها إلى السقوط في البيروقراطية، التي يتحول بها المنصب الإداري إلى غاية في ذاته. في هذه الحالة تكون الانتفاضة أداة ردع من طرف المجتمع، الذي يكون قد اكتوى بنيران السلطوية والفساد البيروقراطي. وقد تتحالف قوى السوق مع المجتمع، باحثة عن ميزان قوى جديد يحد من احتكار الدولة للمبادرة الاقتصادية.
مبدأ السوق هو الحرية. لكن عندما تنتشر الهشاشة بفعل تراجع سوق الشغل (غياب الحماية والتأمين) وتلاشي الرابطة الاجتماعية (لم يعد الشغل مصدر لإنتاج هوية اجتماعية) تقودنا قيم السوق إلى التوحش والافتراس. في هذه الحالة تكون الانتفاضة أداة لمواجهة الاستلاب؛ لذلك تتسربل في هذه الحالة بشعارات إنسانية، وبتثمين الأعراف والتقاليد والتراث؛ أي المعقولية التاريخية التي تتمحور حول العدالة الاجتماعية في مواجهة العقلانية الاقتصادية التي تتمحور حول الفعالية. قد تدعم عناصر من الدولة الانتفاضة، خصوصا المثقفين والفنانين وممثلي الطبقة الوسطى عموما.
المجتمع لا يكون بدون تضامن؛ لذلك عندما تتفكك سيرورات التنشئة الاجتماعية، وتكف عن تأدية وظائفها يصاب المجتمع بالشلل. لكن بالمقابل قد يؤدي الإفراط في قيمة التضامن إلى إنتاج ذهنية القطيع والانغلاق الهوياتي الذي يقف في وجه كل إبداع فردي أو رغبة في الاجتهاد. في هذه الحالة تتفكك الانتفاضة وتكف عن حشد الأنصار، فتتحول إلى جماعات متناحرة تقفل على عنف مفتوح. تذكي الدولة في تحالفها مع قوى السوق الخلافات بين الجماعات الاولية لتبرهن على أن المجتمع لا يرقى بذاته إلى تنظيم نفسه بنفسه، وأن شعاراته يوتوبيا جميلة لكن غير واقعية. في هذه الحالة تنجح الدولة في إثارة انتفاضات مضادة من أجل استعادة الأمن بعدما يكون الشعور بعدم الأمان (le sentiment d’insécurité) قد تعاظم بين الناس.
0