الجمالية الانطباعية في أعمال محمد الجعماطي

محمد لخشين

يعد اختيار محمد الجعماطي لتيمة ” أضواء الشمال” لمعرضه المقام بفندق صوفيتيل خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 30 مارس الجاري إشارة قوية إلى السمات التي انطبعت بها أعماله التشكيلية الموسومة بطابعها الانطباعي.

إن الصباغة الانطباعية هي الحقبة الأكثر روعة في تاريخ الفن الحديث والمحبوبة أكثر فأكثر من طرف الجمهور، بحيث تظل منجزات هذه المدرسة محفورة في الوعي الفني البشري. ومع ذلك، ومهما بدت الانطباعية اتجاها ثوريا إبان ظهورها، فإنها تبدو اليوم، بعد فوات الأوان، أكثر من ذلك بكثير، تقيم روابط وثيقة مع التقليد، وتشكل تتويجا جماليا لإبداع فني مرتبط بالتمثل الواقعي. لقد تحدت الانطباعية قرونا من الصباغة الأكاديمية المقننة. فرغم حفاظها على تلك الصلة بصباغة العالم الواقعي، فقد واجهت قيود الماضي، باختيارها الحر لموضوعات استلهمتها من الحياة اليومية، عالجتها بالاعتماد على
تمثيل تصوري جديد بصفة كاملة، مبتكرة تقنية تصويرية جديدة، تستجيب في مجال الصباغة للرغبة في تخصيص انطباع اللحظة بأهمية كبرى في تكوين الروح.

هذه الصباغة الجديدة التي أخذت اسم الانطباعية عام 1874 ظهرت ما بين 1860 و1890. ولم يكن هذا التطور يشكل تيارا معزولا، ذلك أن الفن التصويري المستقل تنامى في أوروبا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر نحو صباغة أكثر سرعة ومعاصرة، صباغة متطابقة مع عالم تسارع فيه التقدم، حيث تطورت أنماط العيش بسرعة.

وتلخص صيغة ماني مطلب الفنان بالتعبير عن رؤيته الشخصية، أي رؤيته الذاتية الخاصة، بقوله : ” أصبغ ما أراه، لا ما يروق للآخرين أن يروه”. وسيدخل الانطباعيون اللاحقون عمليات تصورية جديدة : استعمال أضواء واضحة، تقسيم الأضواء(حيث يتم تمثيل البرتقالي بتقابل لونين خالصين هما الأحمر والأصفر)، الحصول على الشكل والحجم بواسطة مفاتيح وألوان بدل الرسم-التفصيلي، استخدام السمك…

إن النجاح الدائم للانطباعية لا يمكن اختزاله فقط في مظهرها المزدوج المتجلي في الجمع بين الحداثة والنزعة التقليدية.بل يرجع أيضا لانحيازها إلى صباغة الواقع المبهج، واقع الاستجمام، جمال الطبيعة، والسعي المستمر نحو الضوء…وباختصار إلى فن للعيش يلتحق بتطلعات المجتمع، ويرضي حاجته إلى المتعة الاستطيقية، كما يتضح ذلك بشكل جلي من خلال اللوحة أدناه،لقوارب الصيد والموت والهجرة السرية،وهي تكشف في الآن نفسه عن إهمال لممتلكات خاصة على شاطئ لا يؤتمن.

“مراكب مربوطة”لوحة لمحمد الجعماطي زيت على قماش 170/170 سنتمتر(2014)

كما أن الواقعية الجديدة للانطباعيين تسلم أولا بتوازن الرؤية بالقياس إلى كل رسم تخطيطي مكتسب ومتواضع عليه، وبنسبية العمل الناتج عن ذلك : أي بنسبية الشروط التي في ظلها يعتبر نفس المعطى يمكن أن يكون ملاحظا (الضوء، السماء، الألوان…)، ونسبية رؤية الفنان (ذلك أن فناني الصباغة لهم رؤية مختلفة، متقدمة عن معاصريهم). وأن يكون الشمال هو الموضوع، فهذا يعني إعادة تشكيله من خلال ما يجعله شمالا ببحره المتوسط، سمائه الغائمة التي تستحوذ عليها كثافة الضباب ومعماره الذي يحضر فيه الطراز الأوروبي الحديث بالدرجة الأولى، ونقد ثقافة الاسمنت المسلح الناتجة عن الرأسملة والتي تحيط بشطآنه، بفعل تزايد أهمية الاستثمار في العقار الذي حل في محل الاستثمار الفلاحي في الأزمنة الماضية…طبقا لاستراتيجية الإبهار التي تعتمد تساوق الألوان التي تتوزع عبر اللوحة وتنتشر فيها، متراوحة بين الرمادي والأزرق الداكن، يتخللهما البرتقالي والأصفر الفاتح، يضفي الضوء عليها سحرا ذا غواية لا تقاوم.

زيت على قماش(متر على متر)، توقيع محمد الجعماطي(2014)

وإذا كانت الانطباعية قد ظهرت وتنامت في فرنسا التي يحكمها النظام السلطوي لنابليون الثالث، الذي تمحورت سياسته الثقافية حول عظمة الامبراطورية، حيث سيسجل ظهور الامبراطورية الثانية عام 1852 القطيعة في التاريخ الفني للقرن التاسع عشر بفرنسا بين فن رسمي وبين فن مستقل، وكانت وقد برزت مظاهر هذه القطيعة على عدة مستويات، إذ أنها ارتبطت سياسيا بصباغين واقعيين أو طبيعيين كانوا جمهوريين، ومعارضين لانقلاب نابليون الثالث، وإستطيقيا كان هؤلاء يمقتون المنجزات الضخمة التاريخية أو الأسطورية للصباغين الأكاديميين، ويحبون التعبير عن الجماليات البسيطة للطبيعة، وحياة معاصريهم الأكثر تواضعا، وسوسيولوجيا كان الوافدون الجدد عليها منحدرين من أوساط شعبية، ولم يكونوا مرتبطين أبدا بالأرستقراطية وبالسلطة،وجغرافيا كانوا يبحثون عن المواقع المحمية للثورة الصناعية (باربيزون ونورماندي)، إذ كان كلود مونيه هو الذي اختبر الساحل على النورماندي حيث عاش في منطقة الهافر لفترة طويلة، وكان قد التقى ذات يوم لدى البائع الذي يشرف على تحضير قماش اللوحات بأوجين بودان الذي دعاه ليعمل معه في محترفه الريفي، ومع أنه رفض ذلك في حينه إلا أنه عاد واكتشف أن بودان كان يمكن أن يكون له خير معلم في تلك المرحلة، مما أضفى على الأسلوب الانطباعي بعدا سوسيولوجيا وجغرافيا، وإذا كانت الانطباعية قد خاضت صراعا ابتدأ مع ماني عام 1860، ضد المواضعات السائدة، من أجل أن يحظى فن الصباغة الواقعي الجديد بالاعتراف،رافضة البحث العزيز على الكلاسيكيين عن جمال مثالي وعن ماهيات خالدة للأشياء، فإن محمد الجعماطي متح من معين الفكر الثوري الذي انتشر بالخصوص في الأوساط الطلابية بمدينة فاس عندما كان يتابع دراسته بالعاصمة العلمية بثانوية ابن الهيثم (بوليتكنيك)، حيث كان مناضلا في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، في زمن سياسي متعارف عليه بسنوات الجمر والرصاص.

إن التيار الانطباعي إذن يوجد في أصل ثورة فنية لا تزال إلى يومنا هذا موضوع دراسات وتحاليل ستكون رهن إشارة تصور جديد حول دور ومكانة فن الصباغة.