الخوف مستشار سيء!

جمال فزة : كاتب وأستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط

ما أهمية وجود قوانين ناظمة للعلاقات بين الأفراد داخل المجتمع؟

لا شك أن أهمية القانون تكمن في تقنين العلاقات بين الناس. لكن، على ما يبدو، إنني اخترت التلاعب بالكلمات فحسب؛ فأنا لم أفعل شيئا غير تعويض الاسم قانون بمصدر فعل قنن، فهل يمكن أن نسمي هذا توضيحا؟! دعونا نسترسل في الإيضاح حتى لا نقع في شرك التعريف الدائري الذي أوصانا أرسطو أن نبتعد عنه؛ فلا أحد يمكن أن يرضى بتعريف الإنسان باعتباره كائنا إنسانيا ! ماذا يعني، إذن، أن يكون القانون تقنينا للعلاقات بين الناس؟ إن ذلك يعني أن القانون يضع الشروط الضرورية والكافية للتمييز في العلاقات بين الناس، حتى لا تختلط معانيها عليهم، فيسلكوا سبلا متفرقة بينما النوايا والغايات المتوخاة واحدة.

القانون يحدد الشروط الضرورية والكافية التي تعطي معنى محددا ووحيدا للعلاقة، فيكون، والحال هذه، المرجع الوحيد في الحكم عليها. وتتسم هذه الشروط بالضرورة لأنه إذا غاب أحدها أو سقط التبس علينا المعنى، فضاعت من ثمة القاعدة التي من المفروض أن توجه السلوك، وهي كافية لأنها إذا حضرت تم الفصل في المعنى وارتفع اللبس ولم يتبق للفرد حجة على لزوم أن يتبع القاعدة نظرا لوضوحها التام.

نضع القانون بهذا المعنى في مقابل المناورة لأنه يحد منها، ويضيق من الهامش المتاح لها، ويجعل الأشياء تتخذ معان محددة بعيدا عن أي تلاعب بالألفاظ. وإذا كان كل مجتمع في حاجة إلى قانون، فلأن الأشياء في الأصل تحمل معان متاخمة لبعضها البعض، معان منسابةfluides، لا حدود بينها، قابلة لأن تنقلب إلى أضدادها، لاسيما حينما تؤول إلى دلالاتها الأكثر أصالة ونصوعا. من منا يمكن أن يميز بين الشجاعة والتهور عندما يتعلق الأمر بإنقاذ غريق تلتهمه أمواج بحر هائج يتعدى علوها المترين؟ ألا يبدو أن النتيجة وحدها، في هذه الحالة، هي ما يسمح بالفصل بين الشجاعة والتهور والتمييز بينهما؟ فإذا ألقى شخص ما بنفسه في البحر وتمكن من إنقاذ الغريق سميناه شجاعا، لكن إذا فعل الفعل نفسه والتهمته الأمواج الغاضبة هو والغريق معا سميناه متهورا. إن الحدود بين الشجاعة والتهور، التواضع والذل، الكرم والتبذير…حدود رفيعة جدا وهشة؛ لذلك فإن وجود قوانين يعني وضع قواعد وشروط، إذا ما توفرت سمحت لنا بأن نتفادى وضعية هشاشة المعنى، وذلك بتمييز الظروف والشروط التي نحكم فيها بأن هذا الفعل شجاعة وذاك تهور، وهذا الفعل تواضع وذاك ذل، وهذا الفعل كرم وذاك تبذير إلخ.

يبدو أنني، إلى غاية الآن، رجل قانون ينتمي إلى الاتجاه الوضعي. فالقانون، بالنسبة لي، ظاهرة اجتماعية، أي أن المجتمع يحتاج بالضرورة إلى إقامة قواعد تحكم سيره وتنظم العلاقات الاقتصادية أو السياسية بين الأشخاص المشكلين له؛ وهو أمر لا تقوم له قائمة إلا إذا كانت هذه القواعد تتمتع بوجاهة منطقية. وتستمد القواعد وجاهتها المنطقية من وضوح المعنى الذي تحمله، غير أن وضوح المعنى الذي تحمله هذه القواعد لا يأتيها من فحواها، ولا حتى من التركيب النحوي والمنطقي الخالص الذي يحكمها، بالرغم من أهميتهما معا، بل من الشروط السياقية التي يقع في إطارها الفعل. لذلك يحتاج القانون إلى التعريف بالشروط الدقيقة التي، إذا ما توفرت، سمحت لنا بالفصل في المعنى والحكم على أساس من الوضوح. على أننا ينبغي هنا أن نذكر بمبدأ أساسي هو أن الأصل في القانون هو البراءة؛ وهذا يعني أن وجود لبس في المعنى هو لصالح المتهم؛ حتى إذا أراد المدعي أن يدين المتهم، كان عليه لزاما أن يبين بأن حالته واضحة وجلية تنطبق تماما على الشروط التي تحددها القاعدة. فالبينة على المدعي كما هو معلوم.

رب معترض قد يضعنا في خانة من يوسع هامش المناورة، ومن ثمة خانة المشجع على الانحراف عن القاعدة. وحسبنا أن نرد عليه بأن إدانة الناس لا ينبغي أن تكون بالأمر اليسير؛ فذلك قد يدمر أحد الأركان الأساسية التي يقوم عليها المجتمع وهو الحماية. إن القانون يجب أن يكون دقيقا، والمشرع حريصا على ألا يضيع حقوق الناس وخيراتهم المدنية، وفي مقدمتها الحياة والحرية. القانون، قبل أن يكون أداة للعقاب، هو في الأصل أداة لحماية الخيرات المدنية للمواطنين؛ ومن ثمة شرط إمكان التعاقد الاجتماعي نفسه. سيصرخ في وجهي البعض متحمسا: “أتسعى إلى تيسير إفلات المجرمين من العقاب بمجرد أن هناك نقص طفيف في الأدلة، ولأن المجرمين ينكرون ما نسب إليهم من جرائم؟” وحسبي أن أرد: “وهل من حقنا أن نضع أبرياء في السجون بمجرد ما تجتمع ضدهم بعض الشروط غير المكتملة بالرغم من أنهم ينكرون ما نسب إليهم؟ ماذا عساك أن تفعل لو كنت شرطيا تلاحق مجرما خطيرا على ضفة واد جارف وتوشك على القبض عليه فتريح الساكنة من تهديداته، لكنه للأسف عندما شعر بأنك اقتربت منه حمل طفلا وألقى به في الوادي؟ هل تنقذ الطفل أم تلاحق المجرم، الذي قد لا تتوفر لك مثل هذه الفرصة للقبض عليه؟ لم الأولوية في القانون؟ هل لصنع الخير أم لدحر الشر؟

عندما بلغنا خبر الأحكام الجائرة التي صدرت في حق معتقلي حراك الريف، وفي حق الصحفي المهداوي استنكر الجميع الخبر واستهجن الناس ما يعتوره من عبث؟ لكن الأمر، في الحقيقة، لم يكن عبثا، بل كان يعبر عن اشتغال مبدأ أو قانون الخوف. ليس الخوف من تسرب دبابات من دون أن يتم “التعشير!” عليها في الجمارك المغربية، بل قانون زرع الخوف بين الناس؛ لأنه حتى الظهور بمظهر العبثي الذي لا يأبه بالقانون لا يمنع المسؤولين في هذا البلد من الضرب بقوة. إن المعنى الوحيد لهذه الإدانة هو أن المشرع لم يضع القانون لحماية المواطنين، بل لإخافتهم. وبقدر ما يظهر الحاكم عبثيا بقدر ما يبعث ذلك في المحكوم شعورا بالخوف، معنى هذه الإدانة أن كل شيء ممكن وأن القانون ليس أداة للحماية.

ما الذي يحمي الناس، بعد إدانة المهداوي بثلاث سنوات سجنا نافذة، من شطط رجل دولة يوجه مكالمة عبثية لكل من يعارضه، ثم يدينه بعد ذلك على عدم التبليغ؟ ربما لن يفعل أحد ذلك، لكن الدولة تريد أن يعرف الناس بأن لا شيء يمنعها من فعله، فإذا شاءت ذلك فعلت!. إن عبث الحاكم وخوف المحكوم وجهان لعملة واحدة: حكامة جيدة شعارها: أفضل أحوال التدبير والحكم هي حالة الفزع والذعر.

إن السؤال الذي يجب طرحه في قضية المهداوي، والذي يستند إلى روح قانون يحمي قبل أن يعاقب، هو ما الشروط التي يضعها القانون للتمييز بين ما ينبغي التبليغ به لأنه جدي، وما لا ينبغي التبليغ به لأنه هراء يمكن أن نزعج به السلطات؟ إذا كان القانون لا يحدد الشروط الضرورية والكافية للتمييز بين الأمرين، فهذا يعني غياب قاعدة واضحة من شأنها أن تضع حدا بين شيئين يحملان معنيين متعارضين. لو كنا في دولة روح قوانينها حماية الحقوق وخيرات الأفراد لما كنا في حاجة إلى دليل يتعلق بنية المهداوي أو تقديره الخاص لجدية المكالمة التي تلقاها، وإن كانت تبعث في الواقع على السخرية. إن ما كنا سنحتاجه حقا هو التدليل على غياب الشروط اللازمة لتحديد متى يكون التبليغ واجبا وطنيا ومتى يسمى هذا التبليغ إزعاجا. وفي حالة اقتناع الجميع بأن هذه الشروط غائبة فعلا، فإن الأولوية تمنح مباشرة للبراءة وليس للإدانة لأن البينة تكون على المدعي وليس على المتهم. وفي الحالة التي يبين فيها المدعي أن النقاش ضروري، فإنه يتعين عليه أن ينقل النقاش من القانون إلى فلسفة القانون، مادام القانون في هذه الحالة لا يحدد بوضوح الشروط التي يجب أن يستند إليها الحكم. وفي مستهل هذا المقال ما يمكن أن يسعف في إثراء نقاش يدور حول الفلسفة الاجتماعية للقانون.

فيما يخص تهمة الانفصال التي ألصقت بنشطاء حراك الريف، أود أن أثير الانتباه إلى مسألة مهمة؛ وهي أن الانفصال مفهوم معقد، بل بالغ التعقيد، ولا يوجد في الواقع ما ينطبق عليه هذا المفهوم. إن العلاقة بين المفاهيم المجردة ومعطيات الواقع علاقة بالغة التعقيد. ولا يمكن اختزال المفهوم في هذا المعطى المعزول أو ذاك. لنأخذ مثلا تبني اليسار الجديد بداية السبعينات من القرن الماضي لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. هذا الموقف كان من وراء إدانة عدد كبير من اليساريين ينتمون إلى منظمة إلى الأمام تحديدا. لكن هذا الموقف كان معلنا عنه في أدبيات المنظمة ومصرح به من طرف مناضليها. فأبراهام السرفاتي كتب في الموضوع أن قضية الصحراء تعتبر حجر الزاوية la pierre de touche التي نتمكن بفضلها من فرز الطروحات الثورية عن الطروحات الشوفينية. وهذا يعني أن الموقف من الصحراء كان يقع في صلب التصور السياسي للمنظمة، بل ويحدد خطها السياسي. الأمر إذن كان يتعلق بموقف وتصور سياسيين وبخط سياسي وتنظيم سياسي. وحينما اعتقل مناضلو اليسار الجديد دافعوا عن هذا الموقف وحينما قرر قسم كبير منهم مراجعة مواقفهم في المعتقلات، كان أول موقف طالته المراجعة هو الموقف من الصحراء.

لنعد الآن إلى حراك الريف. أن يدان شخص بالانفصال لأنه شوهد في المسيرات الجماهيرية يحمل علم جهوي يعبر عن الهوية الثقافية والاجتماعية للمنطقة، فهذا أمر عبثي بامتياز غايته القصوى بعث الخوف في نفوس الناس. كيف ندين أفرادا بالانفصال وهم لا يعلنون انتماءهم إلى أي جهة سياسية، ولا يدافعون عن الفكرة أصلا. لا أحد يمكن أن يدعي أن حراك الريف منظم من طرف جهة سياسية ما، تضع انفصال الريف في صلب مشروعها أو حتى كنقطة هامشية من نقط برنامجها السياسي. بهذا المعنى لا توجد أركان مادية تثبت أن حراك الريف يتبنى علنا موقف الانفصال، وينتج خطابا سياسيا على أساسه، ويحرض الناس بخطاب واضح على تبنيه. في هذه الحالة، حيث تغيب جميع الأركان السياسية التي تفيد بأن نشطاء حراك الريف انفصاليين، وهي التصور والخط السياسي والتنظيم، ماذا عساه أن يعني رفع علم يعبر عن هوية منطقة أو جهة في مسيرات احتجاجية سلمية؟

أكيد قد يكون الشخص الذي يرفع العلم المذكور انفصاليا، لكنه قد لا يكون كذلك؛ فرفع علم المنطقة أو الجهة مؤشر ولا ينطبق لوحده على المفهوم. إن الانفصال مفهوم سياسي بالغ التعقيد ينطوي على تحزب إيديولوجي وتقدير سياسي للمرحلة، بينما رفع علم جهة أو منطقة فعل ملموس يحتاج إلى تعزيزه بمؤشرات أخرى عديدة حتى يعبر- وبتقريب- عن موقف نظري وسياسي. ففي غياب اعتراف بالموقف الانفصالي وتبنيه والدفاع عنه علنا وبصراحة في المحاكمات من لدن نشطاء حراك الريف، تبقى كل السلوكات مجرد مؤشرات يمكن أن تساعدنا على النفاذ إلى النوايا والدوافع الحقيقية من الحراك. وهو أمر لا علاقة لرجل القانون به إلا إذا كان همه زرع الخوف بين الناس. إنه أمر يهتم به السوسيولوجيون. فانطلاقا من مؤشرات ملموسة يتمكن السوسيولوجيون من أخد فكرة عن الدوافع الكامنة وغير المصرح بها والتي تحكم السلوكات الجماعية. لكن هل يعلم رجل القانون الشروط التي يضعها السوسيولوجي كي يقبل بأن حدثا ملموسا ما هو مؤشر على ظاهرة أكثر تعقيدا؟ هل يعلم رجل القانون أنه يوجد دليل indice يتكون من أكثر من 250 مؤشرا indicateur نستعمله- نحن السوسيولوجيين- للحصول على قياسات تقريبية لمفاهيم معقدة، فكم يحتاج القاضي من مؤشر ليضيفه إلى رفع علم الجهة حتى يحصل على دليل يعبر عما إذا كان نشطاء الريف انفصاليين أم لا؟ عفوا سيدي القاضي ! أنا لم أقم ببحث سوسيولوجي لأساعدك في الجواب عن هذا السؤال، لكن لو كنت تجتاز اختبار المراقبة المستمرة في مستوى السداسي الأول في شعبة السوسيولوجيا، وأجبت بأن مؤشرا واحدا يعبر بأمانة وصدق على مفهوم بالغ التعقيد؛ كأن نقول مثلا أن رفع علم جهة محددة يعني تبني موقف انفصالي، فكن على يقين أنك سترسب في الامتحان.

كيف يكون رفع علم الجهة دليلا على تبني موقف انفصالي؟! هذا هراء ما بعده هراء.. هذا جهل أتمنى أن يكون كذلك، حتى لا يكون مؤشرا على أننا ولجنا مرحلة إعادة بناء التعاقد الاجتماعي على أساس بعث الخوف في النفوس. اسمحوا لي أن أقدم لكم هوية من رفعوا أعلام تعبر عن منطقة الريف؛ إنهم مغاربة خرجوا إلى الشارع مكتوين بنيران الحكرة والتهميش.. أكيد سوف يرفعون علم جهتهم لأن المشاكل التي يعانون منها ليست هي المشاكل التي يعاني منها سكان الرباط، أنهم يشعرون بأنهم مغاربة من الدرجة الثانية. هي ذي معركتهم الحقيقية: معركة العدالة الترابية la justice territorialeولأنها معركتهم الأولى والأخيرة، فإنهم قالوا نحن لسنا سكان الرباط، ولسنا سكان الدار البيضاء نحن سكان الريف، فماذا أذهلكم في هذا؟!! أنهم لم يخافوكم، وأنهم أفسدوا عليكم أساس حكامتكم الجيدة وشعارها المفضل : الخوف هو الخطوة الأولى باتجاه الحكمة؟

أيها المسؤولون! لا تستشيروا الخوف، إن الخوف مستشار سيء!