الدولة المغربية الحديثة ومعضلة الحداثة

حضور دولة النقاء القومي في التاريخ المغربي حتى القديم منه، يعد أمرا نادرا إن لم يكن منعدما، وقيام الدولة بالمغرب على سيادة تمتاح من داخل سوسيولوجي متراص موحد منسجم، يعد بدوره أمرا لا تزخر المتون والحوليات التاريخية بأخباره ولو من باب النوادر.

ولكن المأثور الذي يشكل القاعدة، هو دولة تتربع داخل حيز جزئي من المجتمع تفرضه بفعل العوامل التاريخية، مسارات من التعدد والتمازج وتشكلات إثنوغرافية بتمظهرات سياسية تستدعي العرق أو الغلبة القبلية أو الجد الأعلى الخارق أو الأصل النقي المفارق، وتجد العصائب والقبائل والفئات والتراتبيات التي يتألف منها المجتمع المغربي على مستوى التاريخ صعوبة كبيرة في التحالف والتعاون والانضواء في جبهة سياسية اجتماعية متماسكة. بل إن هذه التراتبيات المجتمعية في مراحل معينة من تاريخنا استنفدت فاعليتها السياسية في التناحر والصراع المبيد، ليتصدر جهاز الحكم عملية بناء الدولة وإرساء استمرار حضورها على قاعدة نَسَبِيَّة، عسكرية وإدارية، ويكون محتوى سيطرتها مرتكزا غالبا على مضمون اجتماعي فقير يقتصر على التحكيم والتوازن والتوفيق والتأرجح، وعلى الفئات البيروقراطية الإدارية والعسكرية كالقياد والباشوات في المرحلة القبل استعمارية، كما أن الدولة لم تحل بين المجموعات العرقية وبين أن تسن شرائعها وتعمل بموجب أعرافها وترفع أعلامها اخص هنا إعلام الزاوايا المختلفة التي شاركت الدولة مناطقياتها القصة، وتجبي ضرائبها تبعا لأنظمة تتعدد تبعا لتعدد هذه المجموعات. فما دامت لا تثقل كاهل الحكم فان الحكم لم ير حيفا في استقلالها مقابل خدمات محددة. مع إعمال معدل كاف من العنف أحيانا من خلال الحركات كما هو حال السلطان المولى الحسن الأول للحفاظ على الفئات المحافظة التي بطبيعتها تعمل دائما على ضبط المصالح المحلية والتمايزات المؤسساتية الموروثة، كابحة انبثاق أي توجه مخالف.

الدولة المغربية الحديثة :

تظهر الدولة القومية الحديثة في تحليل المدرسة التاريخية تحصيل تاريخي للعلاقة التي تنشا بين قوة البرجوازية في المجتمع وبين الشعوب التي تحضن الطبقة الاجتماعية الفتية. بإجماع جميع الدارسين حتى الماركسيين منهم، تبقى الطبقة البرجوازية الطبقة الوحيدة في التاريخ التي جعلت من تراكم ثروتها وإمكانياتها ثروة للمجتمع كله، وليس ثروة خاصة بالطبقة المسيطرة، كما كان الحال في ظل السيطرة الإقطاعية.

تعد البرجوازية الوطنية بالمغرب طبقة فتية حديثة وتشكلها خضع لتوازنات فئوية ارتبطت بالدولة تاريخيا، تطلق عليها الدراسات التاريخية اسم البرجوازية الكمبرادورية وهي تعني تحول شرائح مهمة من البيروقراطية العسكرية و الإدارية والأعيان إلى طبقة وسيطة تقوم بمهام تجارية فائضة عن السلطان حيث بقيت تابعة للدولة، أن تبعية هذه الفئات للدولة جعل هذه الأخيرة أي الدولة تقوم بمهامها ” أي مهام البرجوازية ” في إرساء شكل السيطرة السياسية الحديثة من خلال تبني البرنامج البرجوازي فتحدث المفارقة أو مأزق الدولة / الطبقة . وهو أمر نشترك فيه مع العديد من النماذج التاريخية الأخرى فقد رأى الماركسيون ومنهم نيكوس بولنتزاس في كتابه ” السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية” إن الدولة الملكية دولة البرجوازية الصاعدة”.

يتراءى من خلال هذه الملاحظات إن هناك تفاوت يطول علاقة السياسي “الدولة المغربية” بالاجتماعي ” البرنامج البرجوازي”  ورغم المحاولات المضنية فان شكل الدولة القومية المغربية الحديثة يبدو انه لا ينتهي باستتباب البرنامج البرجوازي فرغم العمل الجبار الذي قامت به الدولة المغربية وطموحها في تحويل برنامجها البرجوازي إلى برنامج بطموح قاري ودولي بالخروج نحو أسواق دولية، ورغم الامتيازات الهائلة التي أرستها لإعطاء ملمح جسم برجوازي مستقل حيث تبدو الدولة المغربية منهمكة في جلبة الإصلاح الاقتصادي لإعطاء شكل السيطرة السياسية مضمونه الاجتماعي في أفق انتفاء التفاوت الحاصل بين الاجتماعي والسياسي وذلك بانحلال الثاني في الأول انحلالا كاملا لتحصل المطابقة بين الاجتماعي والسياسي إلا أن هذا الانحلال يعرف تعثرات عدة:

فثمة شكل الدولة السلطانية الموروث عن العصر الوسيط ” لا أرى في استعمال مفهوم المخزن أية إحالة مضمونية معرفية “، وعناصر أساسية أخرى كاللغة/العرق، والتاريخ/التقليد والعرف  وهي عناصر لم تنجح الدولة المغربية الحديثة في القضاء عليها والتخلص منها هذا من جهة و من جهة أخرى – فان اللغة ( العرق ) والماضي (بتلاوين حضوره المقدس أحيانا) استطاعا أن يهشما الطموح السياسي للدولة المغربية في أن تتحول إلى طبقة سياسية وطنية ببرنامج برجوازي حداثي ينسجم وروح مضمون الطموح البرجوازي، إن صحت هذه الملاحظات السريعة -التي تتطلب نقاشا مستفيضا- نجم عنها أن فهم الدولة القومية المغربية الحديثة مسالة مزدوجة ومتفاوتة. لأنها تسعى للإحاطة بشروط السيطرة البرجوازية على المجتمع في إطار هيكل سياسي موحد ومستقل هو الدولة القومية المركزية فيصطدم مضمونها باتجاهين :

مضمون تاريخي ماضوي حيث إن شكل الدولة السلطانية الموروث عن العصر الوسيط  والذي أصبح يلم مساحات شاسعة من الحضور يقوم في استمراريته وتجدده على داخل متوتر تمايزي وتناحري للأطراف المشكلة له “تقليديون ليبراليون وحداثيون وهوياتيون” والتي تستمد الدولة شرعيتها من هذا الاختلاف من خلال التحكيم والتوفيق والترجيح.

مضمون حديث تشكل الدولة المغربية الحديثة راجع إلى اللاجراءات والتدابير القسرية التي فرضها الاستعمار الفرنسي على المغرب شعبا و حكاما ومثقفين ومعناه أن المغرب لم يقم بثورته البرجوازية ، بل قيم له بها، لكن ثورة لا يقوم بها شعب، لا سيما إن كانت هذه الثورة هي العمل الذي يجعل من فئات متنافرة متقوقعة في خصوصياتها شعبا واحدا، إن مثل هذه الثورة لم تكن ثورة و لكنها مجموعة قرارات إدارية تقلب الهيكل الاجتماعي والسياسي لكنها لا تنفحه القدرة على الإبداع على مستوى المشكلات التاريخية.

الملاحظ أننا هنا نحاول أن نجيب على سؤال لماذا لم تنجح الدولة في تفكيك الروابط القبلية والإثنية والعرقية وتتجاوز المضمون التقليدي للمجتمع،  كما نجحت في توحيد السوق الوطنية ووحدت التعليم والإدارة ووحدت البنية الفوقية الحقوقية وأقامت بنية تحتية تدمج المناطقيات القصية ضمن السوق الوطنية، وبقيت بالمقابل التمركزات الاثنوغرافية والقبلية والتقليدانيات المختلفة قائمة متوترة ومنفصلة ضمن ووسط صيرورة تنحو منحى التجانس والتوحيد.

لم تحقق الدولة المغربية باعتبارها دولة البرجوازية المفترضة برنامجها في تأسيس دولتها الحديثة على تحولها إلى طبقة سياسية واحدة؟ تتنطح الدولة المغربية دائما لتمثيل الطموح المجتمعي الشامل فتبقى في مركز التحليل دائما. لكن هذه المراوحة تبقى قائمة وهي معضلة الدولة المغربية التي لم تحسم اختياراتها نحو الحداثة بالعمل المضني للمزاوجة بين مظهري التقليد والتحديث لتترك الباب مفتوحا بعودة المكونات المجالية القبلية والعرقية والفئات التقليدية التي تجد في الإسلام السياسي وفي خطاب الهوية المتقوقع الذي أصبح يكتسح ويزاحم التعبيرات الأخرى.

 

 

0