السايح تكتب…صعوبة التكفل بالنساء المتعاطيات للمخدرات في غياب أماكن للإيواء

منذ تأسيسها سنة 2006، حرصت جمعية حسنونة لمساندة مستعملي المخدرات على إعطاء الأولوية في برنامجها للنساء المتعاطيات للمخدرات نظرا لظروف عيشهن القاسية ،التي تتسم بالعنف, الاستغلال, التشرد, الإقصاء, التهميش, الأمراض النفسية والجسدية المترتبة عن الإدمان، مما يجعلهن عرضة أكثر من الرجال إلى امتهان الدعارة وتبني سلوكات تشكل خطرا على صحتهن. قد تؤدي للإصابة بمجموعة من الأمراض المنقولة جنسيا. ونظرا لكون العنف المسلط عليهن هوعنف مزدوج يعكس طبيعة المجتمع الذي يكرس دونية المرأة بشكل عام والمرأة المتعاطية بشكل خاص. ويحمل المرأة مسؤولية وضعها.

انطلاقا من مرجعيتها الحقوقية، ناضلت الجمعية على مدى ثلاثة عشر سنة للدفاع عن حقوق المرأة المتعاطية وضمان حقها في العلاج وتسهيل ولوجها إلى الخدمات الصحية. ان كون المرأة ضحية يعود إلى أسباب تاريخية, اجتماعية, ثقافية واقتصادية عميقة ما يستدعي الوقوق عندها للتأمل والتحليل، ماسيجعلنا نكتشف أن هناك عوامل عدة ساهمت بشكل أو بآخر في الدفع بالمرأة إلى استعمال المخدرات بدءا بالظروف القاهرة التي تعيشها داخل الأسرة والمجتمع وفي العمل والتي تتسم بغياب الحرية، تكريس التمييز بين المرأة والرجل, النظرة الدونية للمرأة, الحرمان من حقها في التعليم وسياسات التفقير والتجهيل التي تستهدفها ناهيك عن التحرش والعنف الممارس ضدها بجميع أنواعه المادي, النفسي, الجسدي, الاقتصادي, السياسي, الثقافي ,الاجتماعي والقانوني المتمثل في غياب قوانين تحميها من العنف والتحرش، هي عوامل كثيرة لا يسمح لنا المجال بذكرها جميعها.

إن أهم عامل موضوعي والذي يتقاطع بشكل كبير فيما أسلفنا هو سهولة الحصول على المخدرات نظرا لوفرتها وفي متناول الجميع في غياب صرامة وسياسة أمنية لمحاربتها, مما يسهل عملية الاستهلاك كحل تستعمله المرأة للهروب من المشاكل المتربصة بها رغبة منها في خلق عالم وهمي من السعادة المفقودة في حياتها.

إن المراحل التي يمر منها أي مستعمل للمخدرات هي نفس المراحل التي تمر منها المرأة المتعاطية للمخدرات، وهي ثلاث مراحل: مرحلة التجريب والبحث عن النشوة ومرحلة الاستهلاك المفرط والمرحلة الأخيرة وهي مرحلة المرض أو الاعتماد الكلي على المخدر. ولان الجمعية من خلال برامجها تعمل على التقليص من المخاطر خلال هذه المراحل الثلاث بدءا بالتوعية والوقاية والمرافقة والتوجيه لمراكز الإدمان، يصعب على الجمعية الاشتغال مع هذه الفئة في المراحل الأولى للاستعمال المخدرات كون أغلب هؤلاء النساء يستعملن المخدرات في ظروف سرية أو في فضاءات لا يسمح البرنامج بالعمل فيها وغالبا ما تكون هذه الأوساط ملاهي ليلية، مقاهي الشيشة، منازل لامتهان الجنس، معامل، فنادق… إن معظم النساء اللاتي يترددن على الجمعية للاستفادة من خدماتها قد وصلن المرحلة الأخيرة من التعاطي لذلك يصعب على الجمعية بوسائلها البسيطة انقاذ هذه الفئة والوصول بها إلى بر الأمان، بل يمكن أن نقول أن برنامج التقليص من المخاطر عاجز عن تغطية الحاجيات الأساسية والضرورية للنساء خاصة اذا تعلق الأمر بالنساء الحوامل أو الأمهات اللواتي يتحملن أيضا مسؤولية طفل أو أكثر، إذ يتم حرمانهن من الخدمات نظرا لغياب مرافق وشروط استقبال الأطفال. وبالتالي تكون النتائج المحصل عليها غير مرضية وكارثية في أحيان كثيرة.

إن المرحلة التي نحن بصدد التحدث عنها وتحليلها هي مرحلة المرض أو الإدمان النفسي والجسدي على المخدر، حيث تجد المرأة نفسها مجبرة على امتهان الجنس لجلب ثمن جرعة الهيرويين أو الكوكايين وعندما نتحدث هنا عن المرض لا نركز فقط على التأثير الجسدي للمخدر بل نتحدث أيضا عن الأمراض النفسية والعقلية المصاحبة له والسلوكيات الخطيرة الناجمة عنه بما فيها الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيا والتي تكون المرأة أكثر عرضة للإصابة بها، ولأن الجمعية تعمل على الوقاية من الأخطار التي يسببها الإدمان كالإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسب أو الإلتهاب الكبدي نوع س أو السل، يسهر فريق العمل على مد النساء بوسائل الوقاية من الحمل، إلا أن الشروط التي تعمل فيها هذه الفئة من النساء يجعل أغلبيتها عرضة للحمل غير مرغوب فيه وللإصابة بهذه الأمراض التي ذكرناها آنفا خاصة حين يرفض الزبون استعمال وسائل الوقاية مما يجعل المتعاطية والزبون في حالة خطر ويمكن للإثنين أن يصابا بهذه الأمراض مما يسهل من انتشارها من شخص إلى آخر.

إن المرأة المتعاطية تظل حبيسة حلقة لا تنتهي من البحث عن ثمن جرعة المخدر ليلا إلى البحث عن مكان لإيوائها صباحا، ويظل الشارع هو الوحيد من يرحب بها وفي أحسن الأحوال تلجأ إلى زميل لها قد يكون بائعا للمخدرات فيستغلها مقابل المال الذي تجلبه ليلا وذلك لتقاسم الجرعة. إن ماتعيشه المرأة المستعملة للمخدرات من ظروف لا إنسانية والذي يحرمها من حقها في العلاج يجعلنا أمام إشكالية مجتمعية كبيرة، يجب علينا جميعا التفكير فيها بجدية وإيجاد حل فوري لها وعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة وان تتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إن الحاجة الملحة إلى ملجأ يأوي النساء ضحايا المخدرات يضمن لها الكرامة والأمن والحماية من عنف الشارع ومن براثين الاستغلال الجنسي والمخدرات ويضمن لها الحق في العلاج والتتبع الطبي هو الكفيل بنجاح برامج التقليص من مخاطر تعاطي المخدرات وسط النساء وهو الحافز الذي سيسهل لها عملية الاندماج اجتماعيا ومهنيا وذلك للارتقاء بوضعية المرأة المغربية ومساهمتها في إنماء الوطن وتقدمه، غير ذلك فإننا سنحصد كوارث اجتماعية وانسانية لا حصر لها.