السيد العامل .. النساء القرويات جزء من تاريخ وحضارة وهوية تطاون

القرار الأخير الذي اتخذ من مستويات عليا بتنظيم ما يعرف بالتجارة العشوائية أو الباعة الجائلين، والذي يدخل ضمن البرنامج المندمج للتنمية الاقتصادية والحضرية للمدينة (2014- 2018)، كان له الأثر الكبير على مستوى جمالية مدينة تطوان، وبالأخص مدينتها العتيقة التي تصنف كتراث عالمي لدى منظمة اليونيسكو.. تطوان العتيقة نفضت عنها غبار الفوضى والعشوائية وبدأت معالمها الأثرية وأزقتها الضيقة تتنفس روحا جديدة، ومعه بدأنا نحس فعلا بعبق تاريخنا الذي اكتسى السواد منذ مدة طويلة.

ولكل قرار سلبياته مثلما له إيجابيته، فلا يخفى على أحد أن عملية تنظيم الباعة الجائلين وتوزيعهم على أسواق جديدة شابتها العديد من الخروقات والعشوائية والمحسوبية وتفضيل أشخاص على آخرين.. ومع ذلك صفق الجميع لهذه الخطوة لكونها ستساهم في فك الحصار الذي ضرب على شوارع تطوان الرئيسية حتى تحول الباعة كما كنا نعرف من جائلين  إلى مستقرين دائمين، وظهرت مستوطنات عشوائية للتجارة، رغما عن أنف ساكنة المدينة.

القانون الذي شرعت السلطة المحلية في تنفيذه لمنع عودة مظاهر الباعة الجائلين، كان له تبعات وخيمة على فئة من ساكنة المداشر المحيطة بمدينة تطوان، فقد صُدمت يومه الأحد 18 فبراير 2018، لمّا وجدت تجمهر أناس بالمدينة العتيقة وهم يستنكرون إقدام أعوان السلطة بأوامر من قيادهم على انتزاع سطل من “البقول” من امرأة قروية كانت تبيعه بأحد الأزقة، وشاهدت بأم عيني علامات الذعر على وجوه أخريات مخافة أن يلقين نفس المصير، في حين انزوت أخريات داخل الأزقة الفرعية لحي العيون.

النساء القرويات، أيها السادة.. عامل تطوان، وباشا تطوان، وقياد تطوان، لسن مجرد بائعات متجولات..هن ثقافة وحضارة وهوية تطاون..هن سلة الغذاء في يوم كانت واد لو ومرتيل وقرية سمسة ومداشر كيتان وبني معدن وغيرها المزود الرئيسي لأسواق تطوان بالمنتوجات الطبيعية التي لم تكن مغلفة بالمبيدات ولا بأي مواد مسرطنة.

السيد العامل المحترم، تطبيق القانون يجب أن يراعي أن هؤلاء النسوة يضفين زينة على المشهد السياحي بالمدينة، وهن يرتدين الشاشيات والمنديل واللحاف الأبيض (الفوطة). يجلسن ليبعن منتوجاتهن المجالية من لبن وبيض وجبن بلدي، ثم يعدن أدراجهن للبحث عن الحافلة التي ستوصلهن إلى بيوتهن بالمداشر على أمل يوم غد جديد وهن يحملن دراهم معدودة للمساعدة في تحمل متاعب الحياة وأهوالها.

السيد العامل المحترم، النساء القرويات لا خوف منهن، بل يجب الخوف عليهن.. النساء القرويات لن يصبحن بائعات مستقرات فهن يقضين بضع ساعات في بيع منتوجاتهن ويرحلن..النساء القرويات لن يصبحن في يوم من الأيام بلطجيات يعول عليهن لفض الوقفات التضامنية لمواطني تطوان مع حراك الريف وغيره وبالتالي لن يطالبن بمقابل -واللبيب بالإشارة يفهم -.

السيد العامل المحترم،  الدول التي تنافسنا سياحيا والتي تحترم ثقافاتها وهويتها وحضارتها، تبادر حكوماتها إلى المحافظة على موروثها الإنساني المادي واللامادي، على اعتبار أن ذلك التراث جزء أساسي من مكونات تاريخ وحضارة وهوية وطن وشعب، وتمثل الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتربطها بالماضي والحاضر والمستقبل، ونحن عوض أن نحافظ على موروثنا نساهم بشكل مباشر عبر جهلنا للتاريخ في محو بعض من أجزاء ذاكرته، كما يفعل قيادكم وأعوانهم.

السيد العامل المحترم، المرأة القروية تعيش يوميا فصولا من النضال البطولي من أجل كرامتها، من أجل لقمة عيش، تكتسب بعرق الجبين..لا يتسولن بأطفال..ولا يطفن بالمقاهي..ولا يزعجن السياح والزوار… وإيجاد حل واقعي وملموس لهذه الفئة ملقى على عاتقكم..أملنا كساكنة تطوان، في إجراءات تنصف المرأة الجبلية وتعزز من دورها كامرأة مكافحة أولا، وكموروث يعبر عن هوية تطاون ثانيا.