العروي، الجابري، والدكتور مصطفى العطار.. ظاهرية ابن حزم في المتن الفلسفي المغربي المعاصر دراسة مقارنة

عزيز قنجاع

في الوقت الذي كان فيه معاصرو ابن حرزم القريبين من عهده كالغزالي والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وابن سينا والقشيري وعبد القاهر الجرجاني يستكملون الصروح المعرفية للثقافة العربية الإسلامية، جاء ابن حزم ليحكم ببطلان كل الأنساق المعرفية المحصلة إلى حينه ويدعو لوجهة نظر أخرى تم تسميتها بالظاهرية امتدت مظاهرها الى نقد مصادر المعرفة في الثقافة العربية من الأساس، متجها الى الأسس والمناهج بفحصها والكشف عن ثوابتها وتعريتها جاعلا مبدأه “إثبات حجج العقول منطلقا للإفهام” ضدا على منطق القياس والإجماع.

فكيف يتحقق مبدأ إثبات حجج العقول كمبدأ لكل معرفة عند ابن حزم بإصراف العقل عن استعمال آليات التأويل والقياس وحصره في ظاهر النص، هنا يبدو الأمر متناقضاكيف يمكن إثبات حجج العقول دون استعمال آليات العقل اعني آلة القياس في تحصيل المعرفة والمعنى.

للإجابة على هذا السؤال اتجه الفيلسوف محمد عابد الجابري في كتابه بنية العقل العربي إلى القول أن ابن حزم عاب على الفقهاء أنهم يقيسون أشياء تختلف بينها بالنوع ولا يمكن القياس حسب ابن حزم إلا بين أجزاء النوع الواحد . هذا على مستوى القياس ككل وفي مكونات القياس انتقد ابن حزم مفهوم العلة كجزء من عملية القياس لاعتبار أن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تكون صادرة عن الله لعلة، فالعلة لا تكون إلا لمضطر ويعوض مفهوم العلة بالسببية على اعتبار أن السبب يأتي في معنى الباعث وليس الضرورة معتبرا أن السبب خاص بالكائنات التي لها حرية و إرادة ” النار الإحراق” لكن السبب في الشرع وان كان موجودا فانه لا يكون إلا حيث جعلها الله تعالى أسبابا ولا يحل أن تتعدى ذلك.

ويقر عبد الله العروي بهذه النتيجة في كتابه مفهوم العقل اذ يقول ان ابن حزم ينفي العلة في الشرائع ” ليس في الشرائع علة أصلا ولا شيء يوجبها إلا الاوامر الواردة ” ويقرر ان ابن حزم يرى ” العلة في الطبيعيات فقط” لكن العروي يذهب بعيدا إذ يعتبر ان العلة عند ابن حزم لا علاقة لها بأي تجربة أو استقراء فهي يقينية لأنها خبرية فهي من الضرورات العقلية لذا هي يقينية خبرية و لذلك نسميها عقلية “…..ابن حزم علمنا ان الصلب يؤثر في الرخو ضرورة ليس من اجل أنّا شاهدنا ذلك في الأجسام …..لكن طبيعة العقل تقتضي ذلك وهذا راجع إلى حرص ابن حزم على نفي ما يسميه بالقدمة أي سبق إرادة الله على فعله…لازمن غير الحاضر وما سواه من تقدير الانسان”.

مصطفى العطار يمهد لكتابه كله انطلاقا من هذه النتيجة : يقرر مصطفى العطار منذ البداية وبدون سابق مقدمات أن ابن حزم أقام أساسه الإبستيمولوجي على مهاد نظري عقلاني يتقوم بمعرفة يقينية علمية، منطلقها بديهيات العقل أو ضروراته ومعتمدا على مقدمات قبلية سابقة على الاستدلال المنطقي لا يرقى إليها الشك وهي الطرق البرهانية الواضحة التي بها تعرف حقيقة الأشياء، وبالعودة إلى الجابري يبدو لنا من خلال هذا أن الأخير فهم ان نقد ابن حزم للقياس ومكوناته يصدر عن رؤية للعالم ترفض جميع العناصر الأساسية في الرؤية البيانية وبرفضه للقياس تبنى البرهان الأرسطي وصار في سياق تأسيس البيان على البرهان بعد أن صفاه من حمولاته الكلامية، إننا هنا أمام كلام غير واضح ساو حاول توضيحه هنا قليلا، ابن حزم في الأصل لا يستعمل البرهان الأرسطي إلا في إثبات وجود الله وحقيقة النبوة وبعد أن نصل إلى هذه الحقيقة من خلال البرهان وجب الأخذ بما جاء في القران من أخبار الغيب وبما أن القران جاء ليبين للناس دينهم فقد وجب الأخذ بسنته كما جاء بها هو لا كما نتناولها أي نأخذها على ظاهر قولها. نرى هنا ان ابن حزم استعمل البرهان الأرسطي في الطبيعيات لينقض القياس الفقهي في البيان.

أما الدكتور عبد الله العروي فيقول في هذا الشأن لقد اعتمد ابن حزم البرهان لنقد القياس بكل أشكاله وأنواعه على اعتبار أن القياس لا يفيد إلا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئا، لكنه يذهب بعيدا اذ يقول مجال البرهان هو القواعد العامة المستقلة بنفسها غير المرتبطة بالجزئيات، فاذا استغنينا عن الاستقراء فلا بد إذن من الانحدار من عالم القواعد العامة الى الخاصيات والعينات، ادن فالمدخل الى قراءة ظاهرية عند ابن حزم بالنسبة للعروي تتأتى من الانتقال من عالم القواعد العامة الى الخاصيات والعينات ونحن نعرف ان الخاصيات والعينات لا يمكن العلم بها و المعرفة بها دون إعمال منهج القياس، فكيف إذن يتحقق هذا المبتغى: يجيب عبد الله العروي أن الأمر عند ابن حزم لا يمكن ان يتحقق إلا بالخبر ، وهذا الخبر اللازم لنا في حياتنا العملية اليومية متاح لنا فهو مضمن في الرسالة في التنزيل ويجب أخده على ظاهره، فما ينفع الناس في كل الأحوال هو العلم بالخاصيات وبما أن الكليات لا تؤدي بنفسها إلى تلك الخاصيات باعتراف المناطقة فأي نفع في معرفتها؟ يكفي أن نصغي إلى الخبر اليقين، خبر من يضمن مطابقة الكليات والخاصيات لأعيان الموجودات. هذه النظرة كانت كافية للاستغناء عن المسلك الاستنباطي ولكن لا للتركيز على المسلك الاستقرائي بل لإغماس الكل في علم مباشر مبني على الخبر وحده.

في هذا المضمار يستنتج الدكتور العطار أن فساد القياس بنظر ابن حزم كونه قائم على مسالك عقلية ظنية لا تحيط بجميع الجزئيات التي تحت الكل ومن ثم تكون نتائجها موسومة بالنقص لقابلية حكمها للتعميم وهو ما يفسر رفض ابن حزم كما جاء عند الدكتور العطار للقياس الفقهي المستند على الأصل والفرع وهنا أيضا لا بد أن أشير إلى أن هذا الكلام يبدو متناقضا مع الفقرة الأخيرة للدكتور العطار لأنه هنا ينتقد القياس دون أدنى إشارة إلى الفارق القائم بين البرهان والقياس مما يجعل القارئ لهذا الكتاب من منطلق فلسفي دون مهاد نظري يدخل في تناقض مع مقدماته.

ولكن إذا تساءلنا مع الدكتور العطار وأين محل المعقول في القراءة الحزمية للنص يرد علينا ” المعقول سند للمنقول عند أهل الظاهر” مستندا إلى قول ابن حزم ” فهذه هي الأدلة التي نستعملها وهي معاني النصوص ومفهومها وهي كلها واقعة تحت النص وغير خارجة عنه أصلا وجميع هذه الأنواع كلها لا تخرج من أحد قسمين أما تفصيل لجملة وأما عبارة عن معنى واحد بألفاظ شتى لأنه لولا النص لم يصح ما يدرك بالعقل والحواس”. في نظر الجابري فإن ابن حزم تحرر بتشبثه بظاهر النص من اشكالية حكمت مشكلة الدلالة وحدود التأويل او بلغة الجابري علاقة اللفظ بالمعنى، فابن حزم لا يطلب المعنى من اللفظ بمفرده بالرجوع إلى اصله اللغوي وتقليب النظر فيه ف: “اللفظة الواحدة عند ابن حزم تستقي معناها من المواضعة أولا ” يتفق ذلك مع قول الدكتور العطار “إن إلباس الله تعالى المسميات بأسماء مخصوصة هو عمل إلاهي قصدي يبني عليه ابن حزم موقفه الظاهري فكل لفظ وضع لمعنى”. ويضيف الدكتور العطار أيضا “إن وقوع الأسماء على المسميات عند ابن حزم هو وقوع اعتباطي وليس تلازميا ” حيث حسب الدكتور العطار دائما “يمكن اعتبار لغة ابن حزم لغة عاقلة لتخلصها من شوائب الاشتقاق والترادف والاشتراك ولإجرائها على الأوامر والنواهي التي تفهم وفق مقتضيات لفظها” فاللفظ اذن عند ابن حزم لن يعطيك أكثر مما فيه. نرى هنا اتفاقا مطلقا بين الدكتور العطار والدكتور الجابري في العلاقة بين اللفظ و المعنى كما يفهمها ويقررها ابن حزم. لكن حينما نطرح نحن السؤال عليهما ونقول لهما واذا كانت اللفظة تثير اشتباها في المعنى مما يخالف بديهة العقل والحس؟ فما العمل. الجواب عن هذا السؤال عند الجابري في ان اللفظ يتحصل على معناه من خلال السياق و”يجب النظر الى المعنى الذي يعطيه له السياق” اما الدكتور العطار فيستبق الكل ليعلن ان ابن جزم صاحب نظرية سياقية رائدة.

يبدو هذا الاستنتاج مدعوم أيضا من ابن حزم نفسه فهو: “انه لا يحل صرف لفظة معروفة المعنى في اللغة عن معناها الحقيقي الذي وضعت له في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى في القران إلى معنى غير ما وضعت له إلا أن يأتي نص قران او كلام عن رسول الله او إجماع من علماء الأمة كلها على انها مصروفة عن ذلك المعنى الى غيره، او يوجب صرفها ضرورة حس او بديهية عقل.”

لكن الدكتور العطار بحكم اشتغاله أساسا ومرجعا على اللغة عند ابن حزم سيشارف على إشكال ضمني خطير تحدث عنه ابن حزم بشدة لكن بغموض أيضا و كأنه لم تسعفه حين تعين عليه كما يقول الدكتور العطار اي على ابن حزم “اعادة قراءة اللغة بمعراتها الدلالية قراءة بيانية منطقية لتحصيل اللغة العاقلة او لصوغ اللغة المثال التي تقصي الألفاظ المشتركة والغامضة”.

نرى أن الدكتور العطار لم يقف في حدود خلاصات الجابري بل وقف على مشارف إشكال جديد تختزنه اللغة لخصه الدكتور العطار في رهان ابن حزم على تأسيس لغة عاقلة بحيث يكون العالم بموجوداته وأشيائه عالما لغويا حقيقيا يمارس فعل التطهير على اللغة التي توقع الأسماء على غير مسمياتها بضرب من التشغيب مما يؤدي إلى أنفاق دلالية معتمة ناتجة عن سوء استعمال اللغة
ان مصطفى العطار حينما يقف على مشارف طرح إشكالية جديدة وفتح آفاق رؤية جديدة للاشكال اللغوي عند ابن حزم سيتجه الى موضوع دراسته وهو مشكل التخاطب الحجاجي بعد ان فتح قوسا إشكاليا جديدا سنحاول استبيان عناصره هنا.

إن الإشكالات التي تطرحها اللغة العربية في أثناء اشتغال آلة القياس تخلق لنا عدة مشاكل مع الحد والرابطة لزم عنها بالتالي نقد القياس من الأساس بحيث ان فساد القياس غير عائد للقياس نفسه كالة غير منتجة لليقين بل ان اللغة العربية تقف عائقا أمام إنتاج المعرفة بالقياس بحيث تقيم الأسماء على غير مسمياتها حسب الدكتور العطار. كما وأن ابن حزم نفسه وهو يقرب أو يحاول تقريب المنطق من إفهام العموم يقول في غير ما موضع “واعلم أن اللغة العربية لم تمكن العبارة فيها بأكثر مما ترى”.

مشكلة المنطق أو القياس في الثقافة العربية الإسلامية لم يتطور إلى رمز وبقي في حدود الرسم واللغة، لذا لم يتم فهم الحد أنه لغة اصطلاحية خاصة بالعلماء وأنه غير الرسم و الاسم اذ ينطبق على كائن من نوع خاص. لم تتم العملية فلم ينفصل المنطق عن اللغة الطبيعية وبقي المنطق مربوطا باللغة. ولذا انتصر السيرافي النحوي على ابن متى المنطقي في المناظرة الشهيرة.