الفساد يُسقط حكومة راخوي في إسبانيا ؟

ماريانو راخوي

أصدرت محكمة الجنايات الخاصة في مدريد يوم 24 ماي من السنة الجارية أحكاما قاسية في أكبر ملف فساد عرفته اسبانيا، والمعروف بملف غورتل Gurtel،وتراوحت الأحكام في حق 29 متهم أغلبهم قياديين في الحزب الشعبي الحاكم بين 51 سنة في حق رجل الأعمال فرانسيسكو كوريا Francisco Correa و خمسة أشهرفي حق خاكوبو غوردون Jacobo Gordon صديق وشريك زوج ابنة رئيس الحكومة السابق اليميني خوصي ماريا أثنار، ووصلت الأحكام في مجموعها إلى 351 سنة، كما أدانت المحكمة الحزب الشعبي اليميني الحاكم ـ سابقة في تاريخ اسبانيا ـ بصفته شريك مستفيد بغرامة 240.000 أورو (2.500.000 درهم) وكان نصيب أمين مال الحزب الشعبي السابق Luis Bárcenas لويس بارثناس 33 سنة وأربعة اشهر نافذة، وسبق للمحكمة أن استجوبت في سابقة لم تشهدها اسبانيا من قبل رئيس الحزب ورئيس الحكومة حاليا ماريانو راخوي Mariano Rajoy في جلسة عمومية عن علاقة الحزب بتهم تلقي الرشاوي من  مجموعة من رجال الأعمال مقابل تفويت الصفقات من الوزارات والمديريات التابعة لها. كما ترافق صدور الأحكام باعتقال إدواردو صابلانا Eduardo Zaplana رئيس جهة فالينسيا السابق ووزير العمل السابق في حكومة خوصي ماريا أثنار بتهمة الفساد المالي وتبييض الأموال، وأمر قاضي التحقيق بايداعه السجن تحت طائلة التحقيق.

عبد الحميد البجوقي

تُعتبر هذه الأحكام، الأولى من نوعها في تاريخ اسبانيا الحديث، كما يعتبر هذا الملف من الملفات الضخمة التي هزت الحزب الشعبي، عقبتها ملفات أخرى توالت منذ بداية هذا القرن سقط فيها وزراء سابقين من حكومة أثنار وراخوي وقياديين من الحزب وطنيا وجهويا، و6 رؤساء حكومات جهوية من الحزب الشعبي (بالياريس، فالينسيا ومدريد) والعديد من رؤساء البلديات والمستشارين والمسؤولين. ويتبوّأ الحزب الشعبي ب 900 متهم ـ عدد مهم منهم صدرت في حقهم احكام ابتدائية وبعضهم نهائية ـ  المرتبة الأولى من حيث عدد المتورطين في قضايا الفساد وتبييض الأموال والتمويل غير الشرعي للحزب، مقابل 320 متهم من الحزب الاشتراكي العمالي.

تأتي اسبانيا في المرتبة الثانية بعد اليونان من حيث عدد ملفات الفساد التي تطال مؤسساتها ويعتبرها تقرير ترانسبارينسي برسم سنة 2017 من الدول التي استفحل فيها الفساد السياسي في السنوات الأخيرة.

منذ 1978 إلى الآن تم الكشف عن 175 شبكة فساد، وتشير بعض المصادر.. أن تقديرات الأموال المنهوبة  في ملفات الفساد تُقدر ب 45.000  مليون أورو سنويا، وتؤكد استطلاعات الرأي أن الفساد يحتل المرتبة الأولى في اهتمام الشعب الاسباني متقدما على الارهاب الذي كان يتصدر اهتمام المواطنين الاسبان خلال عقود من الزمن.

تعتبر الأحكام الصادرة في هذا الملف تاريخية وغير مسبوقة، ويعتبرها عضو البرلمان الأوروبي السابق عن الحزب الشعبي خورخي ترياس Jorge Trias في مقال رأي صدر بجريدة الباييس يوم 25 ماي من السنة الجارية إعلانا على نهاية صلاحية الحزب الشعبي، وأن الحزب لم يعد قادرا على استرجاع موقعه بعد حكم قضائي يؤكد تورط قيادته في ملفات الفساد المالي وتبييض الأموال، ويضيف    ” كيف يمكن تفسير تورط أغلب أعضاء حكومة أثنار السابقة في ملفات الفساد، وبعضهم في سراح مؤقت أو يقبعون في السجن؟ وكيف يمكن تفسير أن كل أمناء المال منذ تأسيس الحزب متورطين في ملفات الفساد المالي وتبييض الأموال، وبعضهم صدرت في حقهم أحكاما نافذة بالسجن؟ وكيف يمكن تفسير تورط ثلاثة رؤساء سابقين لجهة فالينسيا وثلاثة رؤساء سابقين لجهة مدريد ورئيس سابق لجهة جزر البليار في ملفات فساد مالي واستغلال النفوذ وبعضهم صدرت في حقهم احكاما نافذة بالسجن؟”

الأحكام نزلت كالصاعقة وتبعتها ردود فعل سريعة من طرف كل الفاعلين السياسيين بداية بالحزب الاشتراكي العمالي PSOE الذي أعلن مباشرة عن تقديمه لملتمس سحب الثقة لاسقاط حكومة راخوي، وأسرعت بوديموس بإعلانها دعم الملتمس. والمفاجأة أن حزب سيودادانوس الوسط يميني والوريث الطبيعي للحزب الشعبي أعلن دعمه لملتمس سحب الثقة في حالة لم يعلن راخوي عن انتخابات تشريعية سابقة لأوانها. موقف هذا الأخير يعني بلغة الأرقام أن حكومة راخوي ستسقط  لا محالة سواء بدعم كافة الأحزاب الجهوية بما فيها الانفصالية في كاطالونيا، أو بامتناع سيودادانوس عن التصويت على ملتمس سحب الثقة وفوز مرشح الحزب الاشتراكي في الدور الثاني من التصويت بدعم  الحزب الوطني الباسكي، أو اضطرار الحزب الشعبي لتفادي ذلك بالاعلان عن انتخابات تشعريعية سابقة لأوانها، والمُنذرة بنتائج ستُعمِّق بلقنة المشهد السياسي الاسباني، ما يفتح الباب أمام كل الاحتمالات بما فيها حكومة تجْمع ـ فيما يشبه النمودج الايطالي ـ بين سيودادانوس من وسط اليمين والحزب الاشتراكي العمالي وحركة بوديموس، وتبرير التجربة بكونها جبهة ضد الفساد ومن أجل إعادة الثقة في السياسة.

مهما كانت النتائج، المؤكد أن المشهد السياسي الاسباني مُقبل على تحولات كبرى قد تهدد الاستقرار السياسي الذي حضيت به اسبانيا منذ انتقالها إلى الديموقراطية، وتداعيات هذه التحولات على النزاع في كاطالونيا وكل الجهات التي تعرف نشاطا انفصاليا وبالخصوص جهة الباسك، وعودة النقاش حول انتقال ديموقراطي ثاني يؤسس لاسبانيا فدرالية.

سبق لي أن أشرت لهذا السيناريو في مقالات وتصريحات سابقة.