الفصل التاسع من رواية “عيون المنفى” لعبد الحميد البجوقي

الفصل   التاسع

عيـد ميـلاد

 

 

استيقظ سعيد في صباح يوم إثنين من شهر أكتوبر وانطلق مسرعا إلى محطة القطار بموصطوليس Mostoles  متوجها إلى مدريد، كان ينتظره موعد مهم مع مسؤولة في لجنة مساعدة اللاجئين ليتفقد مآل طلب دعم مشروع تقدم به، ويتعلق بفتح مقهى مغربي بموصطوليس، كما كان على موعد مع إيصابيل في جامعة كومبلوتينسي Complutense  للسؤال عن شروط التسجيل في كلية الحقوق واستكمال دراسته التي توقف عنها بعد مغادرته المغرب.

بعد شهور من انتقال سعيد إلى قرية موصطوليس أصبح معروفا في حيه وفي مقاهي المدينة والجميع يناديه بإسم “المورو خايمي” El Moro Jaime، ولم يعد سعيد ينزعج من التسمية، وغالبا ما أصبح يُقدم نفسه باسم “خايمي” ، كما استطاع إتمام إجراءات التسجيل في كلية العلوم السياسية، وحصل أخيرا على دعم لجنة اللاجئين لفتح مشروع مقهى عربي بالقرية اختار له اسم “إبريق من فضة” Tacita de Plata.

كان سعيد سعيدا بمتابعة دراسته وبمشروعه ولم يعد يُفكر في المغادرة نحو ألمانيا أو فرنسا للالتحاق بأخويه المهاجرين في فرانكفورت وفي ستراسبورغ، ورغم أن عبدالهادي، أخا سعيد، نصحه بالالتحاق  بأخيه في فرنسا أو بأخيه محمد في فرانكفورت بألمانيا، كان سعيد مترددا وما لبث أن استقر حاله بحانته الصغيرة وبمتابعة دراسته.

لم يكن سعيد يشعر بالراحة وهو بعيد عن الوطن، ولم تكن الدراسة ولا المشروع ولا حتى الحبيبة إيصابيل لتُنسيه أسباب مغادرته المغرب، كان يتحين الفرص للقاء بالمغاربة في مدريد، وعلى قلتهم كان ينتقل كل أحد إلى سوق الراستروRastro  بمدريد بحثا عن المغاربة وعن الحديث بالدارجة وعن القليل الممكن والمتاح من الوطن.

تزامنت نهاية فصل الخريف مع عيد ميلاد سعيد فاقترحت عليه إيصابيل أن يخرجوا مع فرناندو وخالد وبقية الشلة للاحتفال بالمناسبة. اختار سعيد حانة ألمانية بساحة الكارمن Plaza del Carmen المجاورة لقصر الأوبر اPlacio del Opera بمدريد، كانت إيصابيل تعرف صاحبة الحانة، وكانت الحانة تكاد تكون شبه فارغة. صرخ فرناندو عند وصول المجموعة:

” انظروا، سيكون المكان لنا وحدنا”.

أحضرت إيصابيل علبة بها كعكة صنعتها والدتها وهمست في أذن سعيد:

“صنعتها أمي خصيصا بمناسبة عيد ميلادك”، فشعر سعيد بنشوة واستنشق بقوة عطرحبيبته ولهيب أنفاسها متلمظا شفتيه وكأنه يتلذذ بقايا من رحيق عسل، ثم همس بدوره في أذن حبيبته قائلا: “أتدرين عزيزتي؟ إنها المرة الأولى التي أحتفل فيها بعيد ميلادي”، واسترسل: “ببساطة لأننا، معشر الفقراء في وطني، لم نتعود على مثل هذه الاحتفالات”. نظرت إليه إيصابيل بدلال وأجابته: “حبيبي،هو عيد ميلادك الأول في حياتك الجديدة، وسنحتفل بكل أعيادك القادمة حتى ما بعد المائة “

ابتسم سعيد منتشيا بكلمات إيصابيل، لكن كلماتها العذبة ذكرته بحياته الأخرى وبالوطن الذي تركه وراءه وبأمه وإخوته وبالفضاءات والأمكنة التي كان يُحبها وبروائح الأزقة، على عفونة بعضها، وبذكريات من طفولته. انتبهت إيصابيل لمسحة الحزن التي بدت على وجهه ووضعت قبلة على خده وهي تداعب وجنتيه وقالت له: “آسفة حبيبي إذا ذكرتك كلماتي بماض جميل وبمن تحبهم في وطنك الجميل”، ودون أن تنتظر جوابه نهضت بسرعة وطلبت من النادل أن يُطلق الموسيقى ومن المجموعة أن تستعد للاحتفال بنخب سعيد.

بعد لحظات، كانت الحانة تصدح بأغنية طلبتها إيصابيل خصيصا لسعيد وكانت تعرف أنه كان يهيم بها ويرددها كلما كان سعيدا ومنشرحا، وهي أغنية: “ميرالا، ميرالا، لابويرطا دي ألكالا”Mirala,mirala, la puerta de Alcalá للثنائي لولا إي مانويل Lola y Manuel. وبعد لحظات وقف فرناندو كعادته في مثل هذه المناسبات وخاطب المجموعة قائلا: “أتعرفون، صديقاتي وأصدقائي، أننا نحتفل اليوم بعيد ميلاد مورو مشاغب إسمه سعيد؟، والأجمل أننا نحتفل كذلك ببداية علاقة حب بين هذا المورو والمسيحية إيصابيل”. ابتسمت إيصابيل بخجل وزادها احمرار وجنتيها جمالا، فنظر سعيد إلى فرناندو بغضب مفتعل لكنه وضع يده على كتف الفتاة واكتفى بابتسامة المنتشي. لكن فرناندو لم يكتف بالتعليق وطلب من العاشاقين أن يتبادلا القبلات. تظاهرت إيصابيل بالرفض وأبدى سعيد بعض الممانعة، وبعد إلحاح المجموعة التي كانت تصرخ بصوت عال:

” قبلة، قبلة، قبلة….”، نهض العشيقان، وأمسك سعيد حبيبته من خصرها، وانغمسا في قبلة ساخنة، بينما أخذ جميع من كان في المقهى، بمن فيهم بعض الزبناء، يهتفون ويصفقون، وفي هذه الأثناء كان النادل قد وضع كعكة عيد الميلاد على الطاولة تتوسطها شمعة في شكل رقم 23، وهو عدد سنوات حياة سعيد التي أطفأها على إيقاع نشيد: “عيد ميلاد سعيد يا سعيد”، ورددها الجميع بالإسبانية والفرنسية والإنجليزية ، كما رددها سعيد مع صديقه خالد العراقي بالعربية وإيصابيل تنظر إليه منبهرة وبريق عينيها فيه لوعة ورغبة والكثير من الحب والإعجاب.

0