2016/12/15

3 عيون المنفى

الفصل الثالث من رواية “عيون المنفى” لعبد الحميد البجوقي

شمال بوست

 ** الفصل  الثالث **

إيصـابيـل

 

اعتذر سعيد لخالد عن عدم تمكنه من مرافقته إلى زيارة بعض الأصدقاء الأكراد الذين هم أيضا لاجئون، وانطلق مسرعا إلى حانة ماريا وصورة إيصابيلIsabel لا تفارق مخيلته، وعرج سعيد على ساحة “كاياو”  Callao ومر بجانب سينما تحمل اسم الساحة، فتنبّهَ إلى عارضات الجنس من نساء ومثليين، وأثاره من جديد عددهم الهائل وتعدد جنسياتهم وألوانهم، ورغم أن سعيدا كان قد تعود على المشهد، إلا أنه يتعجب كلما مر من هذه الأماكن، ويثيره أن يرى الشرطة تتجول إلى جانب بائعات الهوى بشكل عادي وبعضهن يتغزلن في الشرطي الذي غالبا ما يرد مبتسما هادئا، وفي حركة لا إرادية، خفف سعيد السير وتوقف بعض الثواني بجانب كشك بمبرر تصفح الجرائد، لكن  نظرات سعيد واهتمامه استمرا منصبّين على الحسناوات من عارضات الجنس، وفي لحظة انتبه أو تخيل أن صاحبة الكشك، وهي امرأة سمينة متوسطة السن شقراء، بدأت تنظر إليه بريبة، ارتبك سعيد وانطلق مسرعا في اتجاه ساحة باب الشمس، ومنها نحو شارع أرينال  Arenal ثم الساحة الكبرى  Plaza Mayor حيث حانة غارسيا. كان الوقت ما يزال مبكرا على موعده مع فرناندو وإيصابيل، فوقف بعض الوقت عند مدخل الساحة الكبرى من جهة مبنى وزارة الخارجية يتأمل الجلبة والضوضاء اللّتين يتميز بهما هذا المدخل من الساحة الكبرى  Plaza Mayor (بلاثا مايور). كان صوت الباعة المتجولين من الغجر وبعض الأفارقة يملأ المكان، وفي لحظة تخيل وكأنه في باب العقلة بمدينة تطوان مساء يوم من أيام رمضان، أو في باب الرواح  جهة الفدان، أو في باب الأحد في الرباط بجوار محطة الحافلات، وتاه بين الصراخ والضجيج وشعر بارتياح غريب، إذ أحس كأنه يطير في الزمن وينتقل بين هذه الأماكن على اختلافها وبُعدها عن بعض، ويشم روائح الأمكنة التي يتخيلها، بل يشعر وكأنه يرى وجوها بعينها طالما رآها في شوارع تطوان والرباط، وبصوت خافت غمغم بكلمات عربية وتخيل نفسه يرد التحية على بائع الكاوكاو (الفول السوداني) في الملاح وبائع حلوة جبالة(حلويات مُلونة تباع في الأعياد)، وابتسم ثم عاد إلى مدريد حين انتبه إلى أن بعض المارة ينظرون إليه بارتياب ربما لحركاته وترديده، ولو بصوت خافت، لكلمات عربية غير مفهومة، وربما اعتقد بعضهم أنه مجنون.

استمر سعيد على هذه الحال وقتا طويلا قبل أن يستيقظ من تيهه على صوت فرناندو يناديه بلكنته اللاتينية :

” سعيد موروكو، عزيزي، أين أنت تائه؟”

 كان فرناندو ينادي سعيدا أحيانا بموروكو. استدار سعيد يبحث عن مكان فرناندو وسط الزحمة وكان يبدو عليه وكأنه استيقظ من حلم جميل، وانطلق نحو صديقه بسرعة يصافحه مازحا ومُستفزا بدوره:

” كيف حالك سوداكا Sudaca ” ( تسمية قدحية لسكان أمريكا اللاتينية).

فرد فرناندو ضاحكا:

” بالإضافة إلى مورو، فأنت كابرون  Cabron(مسخوط) “

بعد لحظات انتبه سعيد إلى أن إيصابيل لا ترافق فرناندو، فسأله بلهفة:

” أين إيصابيل؟”.

انتبه فرناندو للهفة سعيد في السؤال عن الفتاة، وقبل أن يُجيبه ابتسم ونظر إليه بارتياب، وعلق بصوت عال:

” عفريت،  كابرون، أعجبتك إيصابيل، أنت تنتظرها هي ولا يهمك صديقك، أنت خائن..”

 انتبه سعيد للهفته وأجاب مصطنعا الهدوء:

“لا، لا، عزيزي، كل ما في الأمر أنني أسأل عنها لأنها أكدت حضورها في لقائنا هذا الصباح ، ولا أنكر أنها جميلة، لكن ليس في الأمر أكثر من ذلك، ولا تكن كابرون يا فرناندو”

 ضحك فرناندو بدوره وأخبر سعيدا بأن إيصابيل ستلتحق بهم متأخرة بعض الشيء في حانة غارسيا، وجره للمشي نحو الحانة.

لم ينتبه فرناندو قبل الخروج من زحمة المكان للجرح البادي على أنف سعيد، وبمجرد وصولهما إلى وسط الساحة، قرب تمثال الملك فيليب الثالث راكبا على حصانه، انتبه فرناندو إلى الضمادة على أنف سعيد وبدأ يضحك ويردد:

” ماذا حصل ؟ هل تعاركت ؟ مع من؟ ولماذا؟ ألم أقل لك منذ أيام أنك فوضوي؟

” نظر سعيد إلى صديقه اللاتيني بهدوء وبجدية جعلته يتوقف عن ضحكه الذي أثار انتباه المارة ويُعيد السؤال:

” بجد سعيد، ماذا حصل؟ من ضربك؟”

نبه سعيد فرناندو إلى غرابة ماحدث له قبل أن يُخبره عن الكابوس اللعين وعن بعض المشاهد من الحلم المزعج، وكيف أن حائط غرفته في البنسيون كان سبب جرحه بعد اصطدامه به أثناء قفزه إلى البحر في حلمه المُرعب، وحدثه عن الشرطي البدين ذي الشارب الكثيف وشكله المقرف وعينيه الجاحظتين وصوته المرعب، وطلب سعيد  من فرناندو أن لا يضحك من حالته ومن قصته في حضور إيصابيل.

ابتسم فرناندو ورمق سعيدا بنظرة عميقة وبجدية لم يعهدها من صديقه اللاتيني، ثم قال:

” طبيعي، صديقي العزيز، أنت تعيش الآن عزيزي سعيد لحظات عصيبة، تعيش رعب الملاحقة وألم الفراق، تعيش فطاما قويا عن الوطن/الأم وعن كل جميل تركته وراءك، والرجل البدين ذو الشارب الكثيف هو الديكتاتور الذي يلاحقك، وأخوك عبد الهادي هو من يخفف عنك هول وصدمة وألم الفطام، ويدعوك إلى ولادة جديدة ووطن جديد، وأنت الآن تصارع بين الولادتين وبين الوطنين ولن ينتهي عذابك حتى تصنع من الوطنين وطنا واحدا”

صمت فرناندو قليلا وهو يتفحص صديقه سعيدا بدقة غير عادية، ثم أردف:

” سعيد أنت حديث العهد بهذا السجن الكبير الذي يعيشه اللاجئون، لكنك قوي ورقيق في نفس الوقت، وستتعوّد، أو كما يقولون هنا بلغة السوسيولوجيا ستندمج ، أنا كذلك مررت بكوابيس مماثلة، وما زالت تلاحقني في بعض الأحيان”.

نظر سعيد إلى صديقه فرناندو نظرة امتنان وانطلقا  يُسرعان الخطو نحو حانة غارسيا حتى لا يتأخرا عن موعدهما مع إيصابيل.

وصل الصديقان إلى الحانة قبل وصول إيصابيل، وكانت تعج كغيرها من حانات الساحة بالزبناء وبضجيجهم الذي يمتزج بنغمات بيانو قديم يعزف عليه العجوز أدولفو بقبعته الأنيقة وبشاربه الطويل المُصفف بعناية. طلب فرناندو بيرّتين وألح على النادل مانولو في طلب بعض المقبلات، تأخر مانولو فأعاد فرناندو النداء بصوت عال ولكنة لاتينية:

” مانولو، أين نصيبنا من الطابا  Tapas (المقبلات)، هل نسيتنا كوردو Gordo (سمين)”

 لمحه مانولو في خضم انشغاله بابتسامة ورد عليه بمرح:

” الليل طويل، لاتستعجل”

 سأل فرناندو سعيدا وهو يحتسي البيرة بهدوء:

” سعيد هل تباع البيرة في المغرب وفي البلدان الاسلامية؟”

ضحك سعيد بصوت عال أثار استغراب صديقه فرناندو وقال له:

” عزيزي، ألم أقل لك أنكم في الضفة الأخرى من المحيط مقطوعون عن العالم، وأن جهلكم بالعالم الاسلامي كبير، نعم هناك بيرة ونبيذ وويسكي وحتى الرون الكوبي والتيكيلة المكسيكية، بل هناك مصانع تصنع أجود أنواع النبيذ”

بدا فرناندو منزعجا من رد سعيد الساخر، ولم يُفوت الفرصة ليرد عليه بنغمة ساخرة

” وكذلك تزرعون الماريوانا وتصنعون الحشيش وتصدرونه للعالم أليس كذلك؟”

بينما كان سعيد يتهيأ للرد على فرناندو، لمح وجه إيصابيل وهي تحاول فتح ممر بين الزبناء للوصول إلى مكان وقوف الصديقين على الكونتوار، وبلهفة صرخ سعيد، غير آبه بصديقه، مناديا الفتاة :

” إيصابيل، إيصابيل، تقدمي، نحن هنا “

لم يُفوت فرناندو الفرصة، وضحك من لهفة سعيد البادية، وعلق:

“حبيبي، يبدو أنك مشتاق ومُغرم من أول نظرة”، وضحك فرناندو بقهقهات عالية وكأنه يريد إسماع تعليقه لإيصابيل.

صرخ سعيد في وجه صديقه بعصبية:

” اصمت، اصمت، هل تعتبرون في بلدكم الأدب واللطافة في التعامل مع الجنس الآخر غراما؟ أنت مُعقد ومجنون”.

وصلت إيصابيل وصمت الصديقان رغم أن علامات الغضب كانت ما تزال بادية على وجه سعيد، وكانت ابتسامة فرناندو الساخرة ما تزال مرسومة على ملامحه، رحّب كلاهما بإيصابيل وفتحا لها المجال للوقوف وسطهما، وبحركة لا شعورية تكلما في وقت واحد:

” هل تريدين بيرة ؟”

ابتسمت إيصابيل وظهر على وجهها الناصع البياض بعض الاحمرار، وانتبه سعيد إلى خال يعلو خدها الأيمن بموازاة فتحة فمها الجميل وشفتيها الممتلئتين يُضفي عليها مزيدا من الجمال، وإلى رائحة عطور مُنعشة تنبعث من طلعتها. كانت الفتاة تلبس قميصا أزرق، وسروال جين يرسم مفاتنها وتعاريج قوامها الجميل، وشعرها مشدود بعناية إلى الوراء وكأنها مغنية الفلامنكو Flamenco روسيو خورادو Rocio Jurado.

لم تستطع ابتسامات فرناندو اللاذعة ونظراته المرتابة أن تُشوش على سعيد متعته وارتخاءه وهو يتصفح كل قطعة من وجه إيصابيل التي كانت تتكلم بحيوية وبزهو وكأنها أيقنت من إعجابه وافتتانه بها، وفي لحظات توجهت إلي سعيد متلعثمة في نطق اسمه :

” سعيد، يبدو أنك قادم من معركة، مع من تعاركت كمبيون Campeon(بطل)”

تلعثم سعيد بعض الشيء وأجابها بسرعة :

” ليس الأمر كما تظنين، فقد سبق أن شرحت للكبرون  Cabron(مسخوط) فرناندو كل الحكاية، وهي حكاية قد تبدو لك غريبة لكنها الحقيقة”

استدارسعيد نحو فرناندو راجيا منه أن يسرد عليها الحكاية كما سردها عليه قبل لحظات، وقبل أن يُكمل  كلماته التي كان ينطقها بصعوبة وبحرج، انطلق فرناندو ساخرا:

” هذا الفوضوي تعارك مع عصابة من الخيطانوس Gitanos(الغجر) لكن المورو Moro كان أقوى وهزمهم جميعا “، ثم ضحك.

نظر سعيد إلي صديقه وملامح الغضب بادية على وجهه بينما كانت إيصابيل تبتسم والارتياب باد على ملامحها، وانتبه فرناندو لجدية غضب سعيد واسترسل:

” لا،لا، بعيدا عن المزاح سأسرد لك حكاية صديقي مع عفاريت تركها في إفريقيا وزارته في نومه هذا المساء”

فاجأ فرناندو سعيدا بسرده الدقيق والواضح لما جرى وللكابوس ولمشاعره ومعاناته التي نقلها بدقة وكأنه عاشها بنفسه، بل حكاها بدقة وبأسلوب شيق بدت معه إيصابيل وكأن دموعها ستنهمر، وبين اللحظة والأخرى تسترق النظر إلى سعيد بحنان وعطف أجّجا دواخله، فخفض سعيد رأسه محاولا أن يُخفي وجهه متحاشيا نظراتها القاتلة.

بينما كان فرناندو يسرد الحادث  لإيصابيل، انتابت سعيدا رغبة جامحة في احتضانها وتقبيلها، كان يهرب بنظراته مصطنعا أي سبب لتحاشي نظرات إيصابيل الوديعة، كان يخاف أن تقرأ رغباته في ملامحه. انتهى فرناندو من سرد حكاية سعيد مع الكابوس وبادرته إيصابيل بسرعة مفاجئة:

” سعيد، هل أنت مرتبط؟ هل تتذكر حبيبتك في المغرب؟”

فوجئ سعيد بسؤال إيصابيل وصراحتها بقدر ما راقَتْهُ عفويتها، وبقي مشدوها لبعض اللحظات إلى أن صرخ فرناندو:

” مورو، ما بك؟ ألم تسمع سؤال الآنسة ؟”

 أجاب سعيد متلعثما:

“بلى، بلى، لقد سمعت”. وفي لحظات انطلق سعيد يحكي حياته بتفصيل أذهل فرناندو، متحاشيا دائما الجواب على سؤال إيصابيل بشكل واضح ، لكن فرناندو قاطعه من جديد:

” سعيد إيصابيل سألتك هل لك خطيبة أو حبيبة في المغرب؟”

ابتسمت إيصابيل وأومأت برأسها مؤكدة السؤال، فشعر سعيد أنه محاصر بسؤال لم يتعوده بهذه السرعة وهذه العفوية، وأغرق بعض الوقت في التفكير فعاد محلقا إلى مدرج ابن خلدون في كلية الحقوق بالرباط، وإلى غرفته في أكدال، وإلى تطوان وحي زيانة، وتوالت الصور في مخيلة سعيد، فحضرته ملامح نعيمة بالرباط ومقهى الحطبة، وتوالت الصور تباعا، فتذكر سعيدة بلباسها المثير وهي تتجه إلى محطة الأطوبيس قرب باب الجياف بتطوان، ومن جديد سمع صوت إيصابيل تسأله بحنان ورقة:

” سعيد، إذا كان السؤال يذكرك بما يؤلمك فلا داعي للانزعاج، ولنتحدث عن موضوع آخر”. وأردفت بصوت حزين: “آسفة”.

نبرة إيصابيل الحزينة أيقظت سعيدا من تيهه، فأسرع في الاعتذار متلعثما من جديد، ثم نظر إليها وجزم قائلا:

” لا، كل ما في الأمر أن سؤالك عاد بي إلى لحظات وجروح لم تندمل، وطبعا كانت لي صديقة أحبها” متحاشيا الحديث عن الأخريات، وأردف:

“لكن علاقتي بها انقطعت قبل خروجي من المغرب”.

بعد جواب سعيد ساد بعض الصمت، وبدت إيصابيل وكأنها سعيدة وتنظر إليه بحنان، وقرأ سعيد في نظراتها نوعا من الاطمئنان لما صرح به، وزادت نظراتها من لوعته ورغبته في معانقتها وتقبيلها، وكسر سعيد الصمت مناديا النادل:

” مانولو، ثلاث بيرات كمبيون Campeon(بطل)”، وأردف فرناندو كعادته وبمرح “لا تنسَ الطاباس مَرِكُون Maricón(شاذ أو مِثليّ)”

ابتسمت إيصابيل وقالت “لتكن الأخيرة” في إشارة للبيرات التي طلبها سعيد ، وانتابه حزن ارتسم على ملامحه، ودون أن يشعر قال لها:

” ما الأمر كيريدا Querida(عزيزتي) لازال الوقت مبكرا”

ردت إيصابيل  بمسحة من الحزن والضجر:

” لا،لا، سعيد، أنت حر وستعود للبنسيون ولن يسألك أحد عن سبب التأخّر ولن تضطر للبحث عن التبريرات، أما أنا فتنتظرني أمي، وأنا مُلزمة باحترام شروط العيش مع العائلة” وأردفت متنهدة:

“كم أتمنى أن أكون حرة مثلكما”

ضحك فرناندو وقال: “إيصابيل، يبدو أن المورو مُنبهر بك” وضحك بقهقهات عالية.

تظاهر سعيد بالجدية، لكنه في قرارة نفسه أعجب بالتعليق الذي أعفاه من التصريح بشعوره، وخاطب سعيد فرناندو بحزم قائلا:

“أنت دائما هكذا، تُعكر الأجواء”. لكن  إيصابيل علقت مبتسمة:

“وما العيب أن تنبهر بامرأة”

أخذت إيصابيل حقيبتها اليدوية من فوق الكونتوار، وشربت ما تبقى من البيرة وهمت بالانصراف سائلة عن الكوينتة  Cuenta(الحساب) قصد المشاركة في الأداء.

ورغم حزن سعيد على انصرافها، حاول أن يحافظ على هدوئه وقبلها قبلتين كما هي العادة في إسبانيا، وقاوم رغبة شديدة في احتضانها مُفسحا لها ممرا للانصراف ومُصرا على دفع الفاتورة مُعللا قراره بأنه استلم اليوم المساعدة الشهرية ويريد الاحتفاء بأصدقائه.

فعل فرناندو نفس الشيء وقبل إيصابيل على وجنتيها وهو يرمق سعيد بنظرات ساخرة .

عبّرت إيصابيل عن شكرها للصديقين وانصرفت، وبعد خطوات استدارت وهي تقول “أسطا لويغو  Hasta luego(إلى اللقاء) “وواصلت طريقها وسعيد يُتابعها بنظراته وسط زحام الزبناء وصوت عزف البيانو وضحكات فرناندو ممازحا النادل مانولو Manolo، وبقي للحظات شاردا حتى استدار فرناندو نحوه مازحا:

“كي كوابا إيصابيل Que guapa Isabel  (كم هي جميلة إيصابيل)”

نظر سعيد إلى صديقه متفحصا وموافقا، ثم سأله عن نوع العلاقة التي تربطه بها فأجابه فرناندو مقهقها:

“ألم أقل لك إنك مُغرم ومصابك جلل عزيزي سعيد”

لكنّ سعيدا أعاد سؤاله بعصبية ولهفة وبصوت صارم، فأجابه فرناندو بعد أن انتبه إلى عصبيته وجديته:

“هي لك، وأعتقد أنها هي الأخرى مهتمة بك، وعلاقتي بها لا تعدو الدراسة، فهي صديقة خطيبتي، وهذا كما تعرف حاجز كبير”.

تنفس سعيد الصعداء وشعر بسعادة عارمة تغمره وصرخ على غير عادته:

” مانولو، كمبيون (بطل)، بيرتين، وبسرعة”.