الفصل الثامن عشر من رواية ” عيون المنفى ” لعبد الحميد البجوقي

حـانة إبريـق الفضـة

 كان الحي يعج بالمارة لما وصل سعيد إلى باب المقهى مزهوا بنفسه يبادل سكان الحي التحية ويتجاذب أطراف الحديث مع بعض زبنائه. كان المقهى صغيرا زينه سعيد برسومات وأقواس عربية، وكتب اسم المقهى بالدارجة المغربية “براد الفضة” إلى جانب الإسبانية.

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ونصفٍ وبعض الزبناء واقفون على الكونتوار وسعيد مُنغمس في تهييء المقبلات غير آبه بتعليقات بعض الزبناء من المتقاعدين. استدار سعيد على صرخة العجوز منولو يطلب “المخوخي Majoji”، ويعني به مقبلات مغربية اشتهر سعيد بتقديمها، وهي من قطع كبد الدجاج المقلي مع بعض الكيمون. رد سعيد على منولو: “تمهل أبويلوAbuelo (جدي)، المخوخي الذي تُحب يتطلب وقتا لتهييئه ولن تجده في أي مكان غير حانتي”.

بينما يواصل سعيد تهييئ المخوخي الشهير، دخل زبون جديد متوسط السن بدا من تحية الزبناء له أنه شرطي، وبادر الزبون سعيدا: “أنت المورو خايمي إذا؟” حياه سعيد باحترام وببعض الريبة ولبى طلبه بكأس من النبيذ الأحمر وأسرع في تقديم مقبلات المخوخي التي عرف سعيد أن زبونه الجديد أتى من أجلها.

استمر سعيد في ترتيب الحانة وهو يتابع الزبون الجديد الذي أخذ جرعة من كأس النبيذ والتهم المخوخي بشراهة وانطلق في دردشة مع مانولو العجوز.

كان الزبون مرحا ويحمل في يده حقيبة متوسطة الحجم زرقاء اللون وتحمل شعار الريال مدريد. من جديد ينادي الزبون سعيدا بصوت عال وبحميمية:

“خايمي، بسرعة ناولني كأسا آخر من النبيذ والمخوخي اللذيذ”، ثم استطرد بعد أن صب له سعيد النبيذ وهم بالتوجه إلى المطبخ: “ينتظرني يوم شاق من العمل في المخفر، وجئت فقط للتعرف عليك وعلى المخوخي وسأعود مساء”، رد عليه سعيد بالترحيب وعزمه على كأس آخر من النبيذ وناوله صحنا كبيرا من المخوخي.

لم يمض شهر على افتتاح سعيد حانته حتى ذاع صيتها في كل القرية بصاحبها المغربي وبالمخوخي (مقبلات كبد الدجاج بالكيمون) التي كان سعيد يُقدمها، وكان سعيد يستعين في الحانة بصديقه سمير من تطوان الذي تعرف عليه صدفة في مدينة خايينJaen بالأندلس، وكان سمير يُجيد الإسبانية ويتكلمها بلكنة أندلسية.

كانت بداية شهر ديسمبر ومدريد تحتفل كعادتها بقدوم السنة الجديدة، ولم تكن قرية موصطوليص لتختلف عن مدريد في الاستعدادات للسنة الجديدة، وكانت الشوارع تملأها المصابيح، والغجر يتجولون في الشوارع يعزفون الأغاني الدينية، وإعلانات التخفيضات بالمناسبة معلقة على أبواب الدكاكين، والحانات تعج بالزبناء، وبضجيج الموسيقى الصاخبة والفلامنكوFlamenco. لم تكن حانة سعيد لتختلف عن نظيراتها المجاورة إلا بالمخوخي وبالموسيقى المغربية التي كان سعيد يتعمد إطلاقها أحيانا لجلب الزبناء من الحانات المجاورة.

العجوز مانولو لا يبرح الحانة، وأحيانا يساعد سعيدا في تنظيف الموائد القليلة التي تُؤثث الحانة مقابل بعض كؤوس من النبيذ التي كان سعيد يكافئه بها.

دخلت مارياMaria، وهي امرأة مطلقة في الأربعينيات من العمر، بيضاء البشرة بعيون سوداء عربية وشعر أسود لامع وقوام رفيع رغم بعض السمنة، وبمرحها المعهود نادت سعيدا الذي كان منشغلا في المطبخ

” خايمي، خايمي، أينك موريتو وابوMorito guapo (المغربي الوسيم) ؟”

خرج سعيد مسرعا مُرحبا بزبونته، وقبل أن تطلب مشروبها المفضل والمخوخي سألته عن  الشرطي خافييرJavier إن كان قد مر من الحانة هذا المساء. أجابها سعيد بالنفي دون أن يدخل في التفاصيل. كان سعيد قد عرف من العجوز مانولو أن ماريا خليلة للشرطي خافيير، وأن كل الحي يعرف قصة غرام ماريا وخافيير باستثناء زوجته.

لم تمر أكثر من دقائق حتى دخل خافيير يحمل حقيبته اليدوية وتوجه مسرعا نحو ماريا غير آبه ببقية الزبناء، وبعد لحظات دفع خافيير الحساب وانصرف مع ماريا معتذرا لسعيد الذي اقترب منه سائلا عن طلباته.

عرف سعيد فيما بعد أن خافيير يرافق ماريا إلى بيتها قبل أن يتوجه إلى بيته، وأحيانا يبيت معها مدعيا لزوجته أنه في المداومة الليلية، وغالبا ما يضطر خافيير إلى المرور من حانة سعيد صباحا قبل العودة إلى بيته للتظاهر أنه عاد من العمل. كان الشرطي خافيير يسب، أحيانا وفي لحظات سُكر، الزبناء والجيران وينعتهم بالبصاصين ولا يستثني إلّا سعيدا، وكان يُردد باستمرار:

“كلكم بصاصون ومرضى بالحسد باستثناء المورو خايمي”، وغالبا ما كان يقترب من سعيد مُرددا: “هؤلاء لايعرفون الحب، إنهم منافقون مرضى بالحسد ولايعرفون أن المورو أحسن منهم بوفائه ورجولته”، لم تكن محاولات سعيد التخفيف من حدة أقوال الشرطي خافيير حفاظا على زبنائه لتُثني الأخير عن المواصلة:

“ياخايمي، يا عزيزي، أنا أعرفهم وأعرف الموروس، لقد اشتغلت مع الموروس، وأبي شارك في حرب طرفاية، إنهم أشداء غلاظ، لكنهم أوفياء، أما هؤلاء الجبناء فلا يُتقنون سوى الوشاية والطعن في الظهر”.

لم تعد الحانة تسع زبناءها الذين تكاثروا بشكل مهول، ووصل صيتها إلى القرى المجاورة، ولم تعد مشتريات سعيد من كبد الدجاج تكفي طلبات الزبناء، فبدأ يتعاقد مع بائعي الدجاج لتزويده بكل مواردهم من الكبد، وكانت الحانة تمتلئ مساء عن آخرها ويتجمهر الزبناء في الحديقة المقابلة للحانة.

0