الفصل الحادي عشر من رواية “عيون المنفى” لعبد الحميد البجوقي

تخليد الذكرى

اليوم  يوم أحد من شهر يناير 1986 ، والساعة تُشير إلى الحادية عشرة ونصفٍ صباحا، وبيت سعيد في قرية موصطوليس ممتلئ عن آخره ويبدو كأنه خلية نحل، كل واحد من المجموعة يقوم بمهمته. كانت المجموعة بصدد التهييئ لتخليد الذكرى الثانية لانتفاضة الشعب المغربي سنة 1984 بالتنسيق مع الجمعية الإسبانية للدفاع عن حقوق الإنسانAsociación Pro Derechos Humanos de España. لم يتأخر خالد العراقي، هو الآخر، في الحضور إلى بيت سعيد وبيده حزمة من البيانات بعد أن نسخها بثمن مناسب في مكتبة الكلية، بينما إيصابيل تساعد في كتابة نصف اللافتة المكتوب بالإسبانية. بعد الغداء توجه الجميع إلى محطة القطار للذهاب إلى مدريد ثم ركوب الميترو في اتجاه شارع أورطيغا إي كاسيط في وسط مدريد حيث مقر جمعية حقوق الإنسان، وكان سعيد قد أعد قبل أيام كل الترتيبات مع ميغيل، كاتب عام الجمعية الحقوقية، واتصل بالنقابات والجمعيات لحضور اللقاء، وكانت أول مناسبة لسعيد لإلقاء كلمة بالإسبانية.

في القطار جلست إيصابيل بالقرب من سعيد تراجع معه نص كلمته الذي ساعدته في كتابته وترتيبه. في باب الجمعية التقت المجموعة بصلاح ومصطفى يرافقهما أنطونيوAntonio، وهوشاب إسباني قدمه صلاح بصفته عضوا في جمعية أصدقاء اليونسكوAsociación Amigos del Unesco. كان شابا نحيفا وطويل القامة، شعره طويل ولحيته مشعثة وفي أذنه حلقة صغيرة، ويحمل على ظهره حقيبة صغيرة. تقدم الشاب الإسباني وسلم على سعيد ثم على إيصابيل بقبلتين وقدم نفسه لها قائلا: “أنطونيو”. بدا سعيد منزعجا بعض الشيء من حركات أنطونيو واهتمامه بإيصابيل، لكنه سرعان ما انغمس في نقاش حاد مع صلاح الذي كان يُلح في المطالبة بإلقاء كلمة في الندوة، وكان سعيد يُمانع على اعتبار أن المائدة لا تسمح بالمزيد من المشاركين، وأن مداخلته، هو نفسه، كافية لتقديم التجربة باعتباره ضحية مباشرة للأحداث، ملمحا أن صلاحا لم يشارك في الانتفاضة ولم يكن أصلا موجودا في المغرب أثناءها.

دقائق قبل موعد الندوة كانت قاعة جمعية الدفاع عن حقوق الانسان ممتلئة عن آخرها، وكان من بين الحاضرين مسؤول العلاقات الخارجية للحزب الشيوعي الإسباني، وممثل عن النقابة اليسارية “اللجان النقابية”Comisines Obreras، وعدد كبير من الوجوه المعروفة في المعارضة الإسبانية. كانت علامات السعادة والفرح بادية على سعيد بقدر ما كان مرتبكا ومنزعجا من حركات صلاح ومحاولته المشاركة في المائدة واتهامه له باستحواذه على المبادرة ورغبته في الظهور والانفراد بالأضواء.

بعد التقديم الذي قام به ميغيلMiguel ممثل جمعية حقوق الانسان والكلمة التي القاها أندريسAndrés  عن لجنة دعم الديموقراطية في المغرب، أخد الكلمة سعيد، ورغم محاولته التركيز والتظاهر بالهدوء بدت عليه علامات الارتباك وهو يحاول قراءة كلمته، كان سعيد يتصبب عرقا وينظر إلى إيصابيل وكأنه يستفسر عن رأيها ويستجدي مساعدتها، وبادلته إيصابيل نظرات مليئة بالدعم والتشجيع، وبعد لحظات بدا كأنه ينتفض على الورقة المكتوبة التي كان يحاول قراءتها بصعوبة، وانطلق يشرح تفاصيل الأحداث في تطوان ويتحدث عن تجربته الشخصية وعن ظروف هروبه وبدأ يسترجع ثقته في نفسه ويشعر بتواصل الحاضرين، وكان ينتعش كلما التقت نظراته بنظرات إيصابيل التي كانت تبتسم بإعجاب، وواصل سعيد بحماس وبدأ صوته يرتفع، وتخيل للحظات خطابته في مدرجات كلية الحقوق بالرباط وفي مدرج ابن خلدون وفي المدرسة المحمدية للمهندسين فنسي الارتباك، وبعد أن أكمل قراءة النص المكتوب استرسل في الحديث بحماس وعفوية أُثارت الحاضرين وفاجأت إيصابيل التي كانت تنظر إليه بإعجاب.

لم ينتبه سعيد إلا وميغيل رئيس الندوة يطلب منه الاختصار لإعطاء الفرصة للحاضرين للتدخل والمناقشة. وبزهو واعتداد المتمكن، أنهى سعيد كلمته بعد أن شكر الحاضرين واعتذر عن الإطالة.

كانت علامات البهجة والزهو بادية على سعيد أثناء المناقشة وتنويه بعض الضيوف بالمبادرة، واستمر زهوه وهو يتلقى تهانئ بعض الحاضرين في بهو القاعة ويتبادل العناوين والهواتف مع بعض الضيوف وبجانبه كانت إيصابيل هي الأخرى مزهوة لا تفارقه وتُمسك بذراعه كلما اقتربت فتاة من الحاضرات لتحيته أو تهنئته.

 غادر سعيد مقر الجمعية برفقة إيصابيل وفرناندو وهو يعلق بصوت عال:

“نجاح باهر، أليس كذلك؟” أجابه فرناندو: “كنت متألقا يا عزيزي واكتشفت أنك خطيب ماهر” ثم واصل فرناندو:

“لكن أصدقاءك المغاربة غادروا مبكرا، ولا أعتقد أنهم يشاطروننا الرأي”.

اكتفت إيصابيل بالابتسامة دون أي تعليق، ولم يرد سعيد على تعليق فرناندو واكتفى بالقول:

“المهم أنهم حضروا الندوة وشهدوا على حسن تنظيمنا لهذا النشاط الأول من نوعه في إسبانيا”، ثم قفز فرناندو بمرحه المعهود ودعا سعيدا وإيصابيل إلى حانة قريبة من مقر الجمعية الحقوقية للاحتفال بنجاح الندوة، ولم يمانع سعيد رغم التعب الذي كان باديا عليه، بينما اشترطت إيصابيل أن تغادر بعد نصف ساعة.

0