الفلسفة مطلب وجودي !

  إن التفلسف ليس مطلبا استثنائيا أو موقفا ظرفيا يمارسه البعض من النخبة في عزلة عن المجتمع وبعيدا عن الأضواء  والعالم المعيشي، بل يبقى التفلسف مطلب ملازم للوضع الإنساني الوجودي ،على صلة حميمية وجدلية بالوجود الاجتماعي وما تتخلله من تناقضات ونزاعات ومسرات ، وهو كذلك تجربة تفكير حادقة يتوجه إليها الجميع ويمارسه ويراهن عليه  بالبحث  عن خلق علاقة طبيعية بالأخر والمحيط الذي نحيا فيه ، وهي ممارسة انسانية بامتياز يعيشها كل كائن بغض النظر عن موقعه وعمره وانتمائه.

في “الحثّ على الفلسفة” وهو كتابٌ منسوبٌ إلى أرسطو عُرف قديما بعنوان “بروتريبتكوس”، وضع أرسطو أعداء الفلسفة أمام خيارين: إمّا أن يتفلسفوا أو لا يتفلسفوا، فإن قالوا يجب التفلسف، تفلسفوا، وإن قالوا لا يجب التفلسف، فعليهم أن يعطوا البراهين والحجج لعدم التفلسف، والبراهين والحجج هي من جوهر الفلسفة، ولذلك وجب عليهم التفلسف دائما. الفلسفة، حسب أرسطو، هي مسألة حياة أو موت. ولقد وصلت به حدّة الوعي بضرورة تعاطي الفلسفة إلى القول: “ينبغي على الإنسان إمّا أن يتفلسف أو يُودّع الحياة ويمضي من هنا، إذ يبدو أن كل ما عدا ذلك إنما هو ثرثرة حمقاء ولَغو فارغ

    هذا العمق في التفكير ارتبط عند الكثير بفئة عمرية دون أخرى ، وهي الفئة الراشدة القادرة على التأمل والجدل ، لكن هذا اليقين سرعان ما تهاوى ، وأصبح مطلب التفلسف لحظة وجودية بامتياز ، يمارسها حتى الصغار عن طريق التأمل والشك والإحتجاج والشغب ؟

     هذه الورقة تقف عند هذه الإشكالية ، بتعميق السؤال عن قيمة الفلسفة كمعرفة حذرة وتساؤل مستمر ، يرتبط بحيرة وجودية تنتاب الكائن الحي (الإنسان) ، إنها تنبع من الدهشة التي تصادف  المرء أمام وضعيات قصوى ، مثل الحب  ،والألم  ، والعنف  والاكتشاف …حيث تتطلب جرأة غير عادية أحيانا للجواب على وضعيات محتملة وواقعية ، كما تتطلب مخاطرة اتجاه القيم الراسخة التقليدية !

لذلك سنتحدث عن أهمية ودور الفلسفة في ترقية أنماط التفكير عند الراشدين عموما والأطفال خصوصا ؟ هل الوقوف على حرفة الفلسفة كممارسة  تربوية  وعقلية بامتياز، تحتاج إلى مهارات تتجاوز التأهيل الأكاديمي والمعرفي ، أم العشق الفلسفي كفيل بتشييد تجارب فلسفة تلقن إلى الأطفال ؟  إذن ماهي طبيعتها ودلالتها !

التفلسف سلوك إنساني :

arton chamalpost يؤكد عدد كبير من الفلاسفة عبر التاريخ على أهمية البعد التربوي للفلسفة وأهمية البعد الفلسفي في التربية ذاتها. وهذا ما نجده عند سقراط Socrate وأفلاطون Platon وسان توماس      Thomas  Saint وكانط Kant وهيغل Hegel وديوي Dewey وغرامشي  Gramsci.    وهوسرل وهيدجر … هؤلاء كانوا يؤكدون هذه العلاقة الجوهرية بين الفلسفة والتربية في أعمالهم ونظرياتهم المعرفية . ولكنهم كانوا في حقيقة الأمر، يتناولون هذه المسألة ويبحثون فيها من زوايا واتجاهات نظرية خالصة. وهنا يجب  الإشارة إلى الصيغة التي يتبناها كانط بالقول”لا يمكننا أن نتعلم الفلسفة بل يمكننا أن نتعلم التفلسف” ويريد كانط بهذا القول أن يعلمنا بأن الفلسفة علم لم ينجز بعد، وهو في حالة تطور لا تتوقف حركته أبداً، ولكنه يمكننا أن نتعلم في حقيقية الأمر ممارسة الفلسفة وتوظيف مقولاتها ومنطقها ورؤاها ومنهجها في حياتنا الفكرية وهذا يعطينا إمكانية الحكم والتأمل المنهجي والنظر وإعادة النظر إنه التفلسف في أبهى تجلياته .

  لذلك  نجد أن سقراط وماتيو ليبمان وكانط جميعهم يتفقون على أن الفلسفة قابلة للتعلم بوصفها ممارسة وليس مجرد مادة مجرة. وهم في هذا السياق يعتقدون بأن إحدى القيم الأساسية لهذه الممارسة الفلسفية تأتي من هذه الفكرة التي يتوقف فيها الإنسان  عن الاعتقاد بأنه يعرف ومعرفته نهائية ومطلقة. فالممارسة الفلسفية هي نوع من المشاركة والحوار والبحث المستمر ، وبالتالي فإن التجربة الفلسفية تنبع من هذا الحوار المفتوح غير المتوقع، حيث تكون الأسئلة الحيوية والجوهرية مطروحة دائما لمخاطبة العقل وملكاته الفكرية الحيوية والمحيط الذي يتحرك فيه ، وعكس الخلفيات التي ينطلق منها العقل الأداتي الفلسفي نجد مثلا أن عبد العروي يقر بفكرة مفادها ” أن نظرة الفلاسفة حركية تنطلق من عقل جامد (بالملكة والهيولاني )إلى عقل قابل للتطور والنمو (المستفاد وبالفعل)، بواسطة عقل محرك هو الفعال ” هذا العقل ليس بالمفهوم الخالص للملكات المدركة يل إنه إيمان العقل العملي المجرد على حد تعبير كانط

 في هذا الصدد نجد  ماتيو ليبمان يؤكد الأهمية الكبيرة للعلاقة بين الفلسفة والتربية على منوال سقراط، فإن الجدة والأصالة الفكرية التي يتميز بها ماتيو ليبمان تقع في مجال التأكيد على هذه العلاقة الجوهرية بين الفلسفة والطفولة. لذلك  يستحق أن يكون مجدداً ومبدعاً لأنه يطرح فكرة متأصلة في الفكر تسبق  المستوى النظري، عبر الممارسة التي يحييها نتيجة تراكم التفكير  في تربية الأطفال.

الفلسفة والأطفال :
ليست الفلسفة صحبة الأطفال مجرد “لعبة أطفال”. إنها في العمق تجربة  انسانية تستند على تفكير بيداغوجي متميز، فهي فرصة لممارسات متعددة و مختلفة، إذ لا يكفي أن ندفع بالأطفال للنقاش فيما بينهم، لكي ينخرطوا في  الجدال و التفلسف، بل لا بدّ من تصوّر بيداغوجي سليم وتمثلات  ديداكتيكية تسعف المتدخل في مسعاه، وتفضي به لأفضل النتائج المرتقبة. أفضت هذه القناعة بمختلف الفاعلين في هذا المجال إلى صياغة مناهج متعددة تستند في أغلبها على فتوحات علوم المعرفة بمختلف تجلياتها المتعلقة أساسا بسبر أغوار الإدراك والذكاء لدى الطفل. مستندين في ذلك على مناهج البحث في علم النفس التربوي والنظريات التواصلية الحديثة ، التي تعتمد على الفعل والتفاعل والتأثير الخلاق رافعين شعار : “لنعجّـل بجعل الفلسفة في متناول الشعب” قد تكون هذه الدعوة التي قال بها ديدرو شعار كل هذه الممارسات الجديدة. ممارسات هي في الغالب ذات طابع نضالي. لكن كيفما كانت طبيعة هذه الممارسات، تطوعية أو فردية أو جماعية يقوم بها فلاسفة وعصاميون ،إنها تصدر جميعها عن قناعة مفادها إمكانية ممارسة الفلسفة على نحو مغاير لما هو عليه الأمر بالثانوية أو الجامعة، حيث هيمنة الدرس الماجسترالي، و قراءة النصوص الفلسفية والكتابة الإنشائية.

 وبناء عليه يعود الفضل للأمريكي ماتيو ليبمان M.Lipmann في التعريف بتجربة تدريس الفلسفة للأطفال، وهي التجربة التي رأت النور على يده في السبعينات من القرن الماضي بالولايات المتحدة، وانتشرت فيما بعد ببقاع مختلفة من العالم : استراليا، كندا، ألمانيا، النمسا، بلجيكا، واسبانيا… ما زال هذا المد مستمرا في الانتشار.

كيف يمكن تعلم حرفة الفلسفة للأطفال ؟:

تقتضي الممارسة الفلسفية للأطفال وجود معلمين يمتلكون القدرة والمهارة والدربة  في مجال معالجة الأفكار وتداولها وممارستها على نحو فلسفي؛ معلمون قادرون على تقدير الحوار وممارسته وتوجيهه في نسق الخيارات التربوية  والفلسفية الممكنة ،  في إطار احترام الطفولة نفسها وتقدير الجوهر الإنساني للأطفال. هؤلاء المعلمون يمكنهم التعامل مع طائفة من الأطفال في داخل الصفوف. والعمل في الصف هنا يجب أن يجري بصورة ممارسة تربوية حيث تأخذ العلاقة بين الأطفال صورة اجتماع متعاون يتم فيها التداول والجدل والحوار التربوي بروح فلسفية، حيث يجتمع الأطفال في الصف كأشخاص يمارسون التفكير والحياة القائمة على التساؤل والحوار والتكامل والاحترام . في الوسط المدرسي لا تأخذ المعرفة صورة معرفة تقتضي من الطفل أن يتعلمها شخصياً، وعلى خلاف ذلك فإن هذه المعرفة تأتي نتاجاً لممارسة جمعية بين مختلف أفراد الصف أو الجماعة عبر التساؤل والحوار والتعلم  والتفهم. وهنا تأخذ الديمقراطية كنظام أو كطريقة في الحياة الاجتماعية أوكفن للتدبير المشترك  تكون جوهره  وغايته  الإندماج عن طريق ممارسة التأمل  ، هذه العملية الديمقراطية تمثل الطريقة الأمثل لممارسة الروح الفلسفية في عالم الطفولة والأطفال.

ولكن كيف تتم هذه الممارسة التربوية بروحها الفلسفية؟ ما هي أبعادها وطبيعتها؟

  في هذه الممارسة الفلسفية يمكن للمعلم أن يجلس مع والأطفال في صورة دائرة في قاعة الصف، ويقوم المعلم بقراءة نص أو فقرة تتضمن خبرا أو مادة فكرية،  أو طرح غشكال له عمق فكري ، ثم يلاحظ كيف  يمارس الأطفال التجريد الذاتي والتأمل الخالص  بطرح أسئلة حول الذات والآخر  مع  بناء تساؤلات حول النص المقروء، ولإجراء  الحوار بين الجماعة حول هذه الأسئلة، على أساس الحوار المنهجي المنطقي ومعاييره الأساسية .

دور التنشئة في التفلسف ؟

   السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الدور الذي يلعبه المعلم في هذه الوضعية المفترضة ؟ ومما لاشك فيه أن المعلم هنا يؤدي دوراً نموذجياً. يشاركه بحماسة في الحوار ويعمل على توجيهه وتحريضه وإثارته، كما يعمل أيضاً على تسهيل مجريات الحوار بين الأطفال. المعلم في وضعيته هذه يجب ألا يقدم إجابات بل يستثير التساؤل ويحرض عليه، كما يتوجب عليه أن يساعد الأطفال على احترام وجهات النظر أخرى، و القواعد الأساسية للحوار بين افراد الجماعة أو المجموعة؟.

وخلال وأثناء هذه العملية  فإن المعلم يستخدم الأدوات التي يقتضيها الكتاب المدرسي ، مخطط المناقشة والحوار وذلك من أجل تعميق فهم الأطفال بالمفاهيم الفلسفية وبالممارسات التي تؤدي إلى بناء المهارات المعرفية والمنطقية عند الطفل .كما يعمل على إعادة بناء مضمون الحوار ثم يعطيه مضموناً سائغاً يتميز بالبساطة والوضوح والتكامل. وتأخذ هذه العملية من قبل المعلم صورة تحكيم يتعلق بمضمون الحوار دون أن يتخذ موقفاً مسبقاً ومحدداً من مضمون الحوار ذاته، لأن اتخاذ هذا الموقف قد تترك انطباعات سلبية غير منطقية أو فلسفية في تفكير الأطفال . هذه العملية هل تؤدى بدون تأهيل فلسفي للمعلم والمتعلم على حد السواء ؟  هل  يستطيع معلم من غير تأهيل فلسفي أن يؤدي هذه المهمة الفلسفية ؟ ببساطة يمكن تأهيل هؤلاء المعلمين عبر دورات تربوية مكثفة في أحضان المدرسة ذاتها وعبر جلسات يشرف عليه ويوجهها متخصصون في الشأن الفلسفي والتربوي .

  ومع أهمية هذا التدريب والتعليم  بالأهداف  تكون هناك ممارسة تربوية  على أسس فلسفية فإن هذه الفكرة تستثير القلق. إنه لمن الصعوبة بمكان نظرياً القول بأنه يمكن بناء المعلم الفيلسوف بهذه السهولة التي يمكن له فيها أن يتجاوز العقلية التقليدية للتعليم وأن يمتلك هذه القدرة على تأصيل منج فلسفي جديد ، تستوعب مستلزمات التربية ورهانات الفلسفة .

رهانات الفلسفة عند الكبار والصغار ؟

falsafa chamalpostالمفكر الألماني  هايدغرعنون إحدى محاضراته  “نهاية الفلسفة ومهمة الفكر”، المحاضرة التي نحن بصددها يصفها هايدغر بأنها محاولة تأمّل في إشكالية معاصرة، تبقى في العمق مجرد تساؤل. الأسئلة هي أصناف من الطرق التي تؤدي إلى إجابة ممكنة، وفي حالة وجود إجابة فإن الهدف منها هو تغيير الفكر. خطاب نهاية الفلسفة يُموقعه هايدغر ضمن همومه منذ سنة 1930 وهو سؤال ما فتئ يتجدّد باستمرار، لكونه استعادة جذرية لمساءلة “الوجود والزمان”، ومحاولة القيام بنقد محايث

إن الصعوبة  الكامنة في جعل هذه المحاولة تطال الكبار فإنها إمكانية لتجديد التفكير وحشد مهارات التخيل للإنتقال من مستوى إلى آخر  هذه المقاربة التربوية للفلسفة تكمن في غياب القدرة على ترجمة النصوص الفلسفية إلى مواد وتبسيطها  وتفكيكها بحيث يمكن للطفل أن يفهمها ويناقشها في آن ذاته . ومن أجل هذه الغاية يمكن للمعلم أن يكتب قصصاً يكون أبطالها من الأطفال،  لكن بنفس الوهج ويراعى في ذلك أن شخصية الأطفال في النص مساوية للمستوى العمري نفسه للأطفال في الصف. وأن يراعى في هذه القصص أن تتبنى الحوار السقراطي أو أن تكون قابلة للتصريف في حوار فلسفي من طبيعة سقراطية. وهذا يعني أن تكون هناك أسئلة من غير إجابات محددة ونهائية عنها. وبالتالي فإن شخصيات النص يمكن أن تأخذ صورة عقلانية للسلوك الإنساني، حيث لا يكون هناك أي قطيعة عنيفة في دائرة الحوار في داخل النص. ومن الضرورة يمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن الكتب المدرسية تحمل كثيراً من النصوص المجانسة لهذه التي نتحدث عنها، حيث يمكن أن تؤخذ هذه النصوص كنماذج حية للحوار الفلسفي في داخل الصف مما يكون له انعكاس على المعلمين في تعزيز قدرة الأطفال على الحكم والتساؤل والحوار الفلسفي والمحاكمة المنطقية.

وهنا يمكن القول بأن العلاقة القائمة بين النص وبين الفلسفة يمكنها أن تأخذ صورة علاقة أداتية غائية في جوهرها. فالنصوص والقصص لا تأخذ هنا قيمة في ذاتها أبداً بل هي وسيلة  لقيمة فلسفية محددة بصورة مسبقة. وهذا يعني بأنه يمكن إسقاط مضامين هذه النصوص واستبعادها حالاً بعد أداء المهمة الفلسفية في بناء الحوار الفلسفي المطلوب.  المحمل بمعاني الجمال الروحي المتساوق مع المعيش الفلسفي المتميز  بجعل التفكير قادر على مناقشة الميتافيزيقا مثلا والإعتقاد بشكل عام وهنا نجد أن ريكور أ أكد أنَّه لا يمكننا أنْ نعتبر الاعتقاد والنقد كضدين، بحيث يحيل الأول إلى الدين وحده – وليس إلى الفلسفة – في حين أنَّ الثاني – أي النقد – مرتبط بالفلسفة وحدها، وليس بالدين وهكذا فعلى الرغم من تأكيد ريكور الاستقلال النسبي للفلسفة عن الدين أو اللاهوت وبالعكس، إلا أنّه لم ينفِ التأثير المتبادل والتداخل بين هذين المجالين. وقد ذهب إلى حد التأكيد على أنَّه ” يوجد ظواهر من التنافذ “osmose” بين المجال الفلسفي والمجال الديني”

.كما يجب أن تتوافق وتتوازن مع مستويات التطور السيكولوجي للطفل في كل مرحلة عمرية، داعمة لمسألة الحوار الفلسفي المطلوب بين الأطفال. دون إقحامه في اختيارات فكرية نهائية ، بل تنمية قدرات التفكير والتشكيك لديه حتى يتملك أسس الحجاج الفكري الخلاق ، بعيدا عن الجاهز المتكلس ؟

الفلسفة في عالم الطفولة  :
إن كان الفيلسوف مونتاني Montaigneقد أكد في محاولاته الفلسفية على ضرورة الشروع في دراسة الفلسفة منذ “الرضاعة”، فقد ارتأى معظم المفكرين عدم قدرة الأطفال على التفلسف بمعنى الكلمة، دليلهم في ذلك حجتان: الأولى إبستمولوجية. لا بد ـ في نظرهم ـ من تملك معرفة أولية تسعفنا في التفلسف. لهذا فإن تدريس الفلسفة وقف على الأقسام النهائية (وهو تميز فرنسي طبعا) كتتويج لمجمل المعارف المحصل عليها خلال المسار الدراسي. يرد ميشيل طوزي على هذه الحجة بأن الأطفال في هذه المرحلة ليسوا عديمي التجارب والآراء التي تشكل قاعدة التفكير بالنسبة إليهم. الحجة الثانية من طبيعة سيكولوجية: مفادها أن الأطفال لا يملكون قدرات معرفية كافية. ألم يذهب جان بياجي إلى أن التفكير المنطقي ـ الصوري لا يظهر إلا في سن الحادية عشر/ الثانية عشرة من عمر الطفل؟ يدحض ميشيل طوزي هذا الزعم، مستندا في ذلك على الدراسات الراهنة لعلم النفس المعرفي، وتحليل متن المناقشات الفعلية مع الأطفال.
هناك اعتراض فعلي يتمثل في الافتتان بسحر الطفولة، والبحث فيها عن عفوية فلسفية تلقائية. ترفض E.Chirouter هذا الزعم. درست شيروتي الفلسفة بالأقسام النهائية، تعمل حاليا بجامعة نانت Nantes تسهر منذ عشر سنوات على تنظم أوراش فلسفية صحبة أطفال بالمدارس: ” لا أعتقد بتاتا ـ كما تقول شيروتي ـ أن الطفل فيلسوف بالطبع. العفوي لدى الأطفال هو الدهشة أمام العالم، والقدرة على طرح الأسئلة بإلحاح. أما بالنسبة للقدرات التأملية فإنها تكتسب. ولأن الأطفال ليسوا طبعا فلاسفة، لذلك يلزم الشروع مبكرا في تعليمهم الفلسفة”.

في الأخير هذه الأفكار بتواضعها وبساطتها ، نبش وترميم لفعل فلسفي مضاد لما هو سائد ، وبحث عن ممارسة معرفية بديلة ، وخجل أمام بؤسنا الغير القادر على جعل من وظيفة التفكير وإعادة التفكير ممارسة انسانية بامتياز . عن طريق التفلسف تتبع سراديب التعلم ، فالعلم نصير لتخوم اللامتناهيات في الصغر والكبر ، العلم والفلسفة سيان، الفلسفة لاتستدعي العلمي كإسناد  واستناد إلى ما ليس محلا للفلسفي أصلا ، بل العلمي هو الذي يحدد حاجته المصيرية إلى الفلسفي .

كما أن الفيلسوف ليس ذلك الكائن الملائكي الذي ينعم بالسمو والصفاء ، بل بفعل وظيفة الفلسفة فإنه يمارس مهمة النقد والخلخلة بكل أشكال الاغتراب ، وبالتالي تبقى الشخصية المفهومية التي تعارض المألوف وتلتفت إلى مشاكل العصر والرغبة في معالجتها وتغير أوضاعها .


 

 

 

 

0