القراءة التعسفية للقرآن :  ملاحظات في إيواليات التأويل من خلال الاعجاز العلمي في القرآن

يحمل التراث تعريفين متلازمين فتارة يحيل إلى واقع أنتروبولوجي، وتارة إلى واقع تاريخي. ونحن نستعمل التعريفين معا دون تمييز لضرورات خاصة بالجانب المتناول هنا في القضية التراثية وهي فاعلية القراءة والتأويل. إلا انه يجب مع ذلك التأكيد في الحالتين معا أن هذا التراث جسم مكتف بذاته وبنية متماسكة العناصر، لا يمكن فصل مكوناتها عن بعضها البعض وتشكلها في التاريخ تحقق داخل إشكاليتها الخاصة.

إن إعمال آلية القياس والتشبيه والبحث عن عناصر التماثل بين مشاغلنا وأجوبة أسلافنا يتم عبر فاعلية ذهنية يحال إليها تسمية بالتأويل تضمن هذه الفعالية قدرة النصوص القديمة على الحياة ضمن بيئة جديدة ويكون محصلة نجاح هذه العملية إثبات هوية قادرة على الحياة الأبدية تؤسس لما يسمى أصالة، التي تشهد في تمظهراتها على وجود هذه الهوية الجوهرية الترنسندنتالية المتعالية على الزمان، حيث يغيب التاريخ في حضور وباسم الجوهر الأصل. وإذا كان نقد هذه الفاعلية قد تم على يد مجموعة من نقاد الخطاب الديني فإنني سأتناول جانبا لم يتطرق له هؤلاء في عملية النقد والتي تتناول مجالا حرجا وهو الإعجاز العلمي في القران، لأبين تناقض هذه الفاعلية التأويلية في العلاقة بالنص المقدس برؤية انتهازية للعلم في غرض كبح جماح أي تطور للواقع والتي أصبح من الضروري واللازم تجاوزها لا على مستوى القراءة فحسب لكن على مستوى التاريخ ايضا.

تتميز الفاعلية التأويلية لدى جميع التيارات الفكرية في الوطن العربي باستدعاء عناصر فكرية حديثة معزولة عن سياقاتها التاريخية الغربية ويتم على أساس هذا العزل لي عنق هذه العناصر لتنسجم وتجد ما يماثلها في الموروث التراثي أو العكس من ذلك حسب الحاجة.

ان الركيزة الأساسية في هذا التصور تنبني على مسلمة غير معلنة أساسها وجود ماض مستمر في حاضر مغاير تتم على أساسه تسوية الذات العربية أو الإسلامية إن شئت الواقعة بين هذا الماضي الحاضر أبدا والحاضر غير المدرك الموجود هناك في الغرب في طموح استدراك هذا الماضي لحاضره الذي أصبح مطالبا باندراجه ضمنه، وعليه تقوم هذه الفاعلية وتتجه أوصالها الثقافية إلى ترتيب الأصل حسب الحاجة، سواء الأصل الغربي أو العربي لينسجم ومتطلبات القراءة. وعموما يتم دائما استدعاء اللغة كجسر وسيط في عملية معقدة من التأويل للموروث الثقافي لينسجم مع شبيهاته المستدعاة سلفا ويظهر ذلك جليا في موضوع الإعجاز العلمي في القران .

شغلت ظاهرة الإعجاز العلمي في القرآن الأوساط الثقافية خلال مرحلة المد الإسلامي خصوصا خلال الحرب الأفغانية الروسية حيث بات جليا أن حرب الوكالة التي يخوضها الأفغان نيابة عن الأمريكان لتفكيك الاتحاد السوفياتي تحتاج الى تعويم معرفي في اتجاه التعريف بالوجود الغربي في الحرب المقدسة حضور من الجانب العلمي. وهذا نقاش آخر للمستوى المعرفي في الصراع السياسي يحتاج الى نقاش خاص مستفيض. تحول النص المقدس الى مادة لاستخراج المعادن المكمونة فيه حيث تطلبت هذه العملية تحويل القرآن الى مادة للتأويل، أظهر النص فيها مقدرة كبيرة على التمطط وتسامح كبير على مستوى التلون لصالح مرجعية علمية لا يمكن أمام جلالها وصرامتها العلمية سوى أن تتفسخ لغته لتندثر إعجازيتها لصالح لغة العصر الحديث والعلم الحديث، ويتحول العلم والإنتاج الغربي الى نص-مرجع ذي صحة مطلقة يتم على أساسها تأويل القرآن بما يخالف نهائيا التفاسير الموضوعة في هذا المجال. فالسلطة المرجعية في الإنتاج العلمي تتم لصالح العلم على حساب قدسية النص ويصبح البرزخ مثلا له دلالة علمية درية ” من الدرة” عكس ما ورد من تفسيرات متعددة لهذا القول ضمن متون الفقهاء والمتصوفة وعموم السلف حيث يتم دوس كل هذا التراث لصالح مصالحة مطلقة للنص القرآني مع قهرية العلم – المرجع، ويتسامح أصحابنا هنا في إطلاق الصحة والقدسية على الإنتاج العلمي المقارن به مع نص القرآن لصالح تابع يحتاج إلى تأويل وتمديد في معانيه وتصبح جماعة الزنداني ومن صار في ركابهم كأنه في ورش للفخارة يتحول فيها النص المقدس مادة أولية لزجة قابلة لاتخاذ الأشكال المتعددة حسب ما ينطق به العلم في رؤوس أصحابنا.

من هنا التناقض الذي يحكم آليات الفكر الأصولي حيث يتم حل مشكلة التعارض بين العلم والنص إلى تأويل النص كاننا امام ثورة معتزلية جديدة. إلا أن هذه الفاعلية الذهنية لا تستخدم نفس المنطق ونفس المدارك اللغوية في تأويل النص القرآني فيما يخص النوازل المستحدثة في واقعنا السياسي الاقتصادي والاجتماعي الراهن، حيث يتم حجر الواقع لصالح سلطة النص ويتم إعمال آلية الارتداد إلى إطلاقية قدسية النص عبر حل مشكلة التناقض بين النص والواقع بتأويل للواقع لينسجم مع النص القرآني ويطفو على السطح تعصب للنص لا نجده في الحالة الأولى ويتحول كل هذا التجديد في آليات انفتاح النص في العملية الاولى الى انغلاقية مطلقة نقيضة في العملية الثانية.

إن مصالحة النص مع إنتاج الآخر – وأقول الآخر هنا لان العملية لم تتم فقط على مستوى محاولات تبيان الإعجاز القرآني على مستوى العلوم الحقة فقط، بل طال ذلك علم الأحياء والاقتصاد وميادين أخرى كثيرة – في العملية الأولى تتم لصالح حجر الذات وبالتالي الواقع الذي تندرج ضمنه عبر كبح جماحه في العملية الثانية، ونجد نموذجا لهذه العملية عند السيد عبد الصبور شاهين الذي أمام سلطة العلم الحديث تجرا على إعادة النظر في مفهوم الخلق وبداية الخليقة وقصة آدم وحواء في كتابه “أبي آدم – قصة الخليقة بين الحقيقة والأسطورة ” عاملا على مصالحة النص الديني مع المعطيات التي توصل إليها العلم الحديث في البيولوجيا وعلم الأحياء عموما، إلا أن صاحبنا يرفض رفضا باتا أن تتم العملية في غير موضع العلم هذا، لانه يرفض إعادة تأسيس سلطة النص في “الهنا” السياسي لجماعة المتأسلمة، ويجرؤ على تكفير كل من يحاول تأويل النص في غير هذا الموضع مثل نصر حامد ابو زيد الذي يتم الإفتاء في حقه بسبب النظر في حقيقة النص القرآني. ففي الوقت الذي تتم فيه مصالحة النص مع العلم كانبثاق سيروري لعمل مندرج في الواقع لا يتم استعمال نفس الفاعلية على مستوى الواقع فيما يخص إعادة تأويل النص بما ينسجم مع المتغيرات المجتمعية كسيرورة بدورها مندرجة في التاريخ . فالفتوحات والانتصارات التي يكتسبها النص في حواره مع العلم والغرب عموما لا يتم باعتباره نصا يحمل دلالات بل باعتباره ناطقا باسم الأمة المكتفية بذاتها، واكتفاؤها بذاتها هو في نصها هذا ويتم على أساس ذلك إفراغ الحاضر من أي مضمون دلالي فمضمونه في نصه الذي اثبت جذارة عسكرية وقوة حربية لا تقهر ولا تهزم وأي مطالبة بتجديد النص او الخروج عليه هو في الواقع تخلي عن الإجماع وعن قوة الأمة ومصدر انتصاراتها.

وهكذا ضدا على منطق الترقي والتقدم يتحالف الفكر الظلامي مع الآخر “الغرب” ويتم البحث هناك عن سلطة ترتقي بالنص الى مصاف العصر “عصر الاخر” لحجز الواقع في “الآن” و”الهنا” عبر بسطه زمنيا إلى حدود فجة للاستواء فوق واقع محجوز يتم حجزه تكراريا عبر سلطة النص السوبرا – واقعية، ان التحالف الذي يربطه الفكر الأصولي مع الغرب في شقه العلمي بتبنيه لأولوية العلم على النص تعود بنتيجة عكسية على الواقع السوسيو ثقافي والسياسي ببلداننا حيث تتجه هذه الفاعلية عكسيا في جعل النص يستوي حقيقة لا تقبل التأويل في الجواب على إشكاليات واقعنا العربي المعاصر ويتم على ذلك تمتين الاصل وضمان وحدة الأمة . ويضبط السعي الى الاتصال بالنص المرجع والتاريخ المرجع الوسائط المختلفة من فقه ولغة وتفسير في إطار يجعل منها آلات لا تفيد إلا في تحصيل الأصل ولا تستوي إلا داخل السعي الآنف الذكر.

0