المحلول الحقوقي في كيمياء المخزن!

في هذا المقال أفكار للمناقشة، منها: لماذا حط المنتدى العالمي لحقوق الإنسان رحاله بالمغرب بعد البرازيل مباشرة؟ وما هو الموقف المسؤول من النخب الطليعية الشابة في التيارات الإيديولوجية الثلاثة (اليسارية والليبرالية والدينية) من هذا الحدث؟ كيف يكون الحقوقيون المغاربة في اللحظة العالمية بدل تكريس وجهي العملة في الصراع المحلي؟ ثم التساؤل حول ما إذا كان توصيف المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بالمغرب سيتحول إلى مجرد محلول ضمن كيمياء المخزن؟ أليست هذه الوصفة أصلا من قاموس وتصور قديمين؟

***

طيلة الأيام الثلاثة الأخيرة من نونبر2014، يعيش العالم لحظات منظمة حقوقية وليدة تخطو خطوات سنتها الثانية: المنتدى العالمي لحقوق الإنسان. هذه المنظمة الحقوقية العالمية الجديدة رأت النور في البرازيل. أرض بورتو أليغري، التي جسدت شعار الشعوب المكافحة من أجل عولمة بديلة بوجه إنساني، عولمة الحقوق والحرية والتنمية العادلة.

ضمن السياقات التقدمية التقليدية الموروثة عن الحرب الباردة والقرن العشرين، كان من المفترض أن تنتقل بمؤتمرها من البرازيل بأمريكا اللاتينية إلى بلد افريقي ذي ماركة تقدمية بالمعنى اليساري المتداول طيلة القرن العشرين، أي كان منتظرا أن يجري المؤتمر الثاني في الجزائر أو جنوب افريقيا أو زمبابوي.

من الطبيعي أن تكون منظمة حقوقية عالمية جديدة قد ولدت في البرازيل التي مالت يسارا في الحكم منذ عشر سنوات وحققت الصعود نحو الاقتصادات المتقدمة، وأنجزت تمكين النساء إلى أرقى المستويات السياسية (إعادة انتخاب الرئيسة)، ضمن بناء مؤسساتي ديمقراطي، سليل الديمقراطية الاشتراكية الاسكندينافية مزيدة ومنقحة، بتوابل هندوامريكية فواحة.

لكن العجيب هو أن تنتقل هذه المنظمة الحقوقية العالمية، مباشرة بعد الولادة إلى افريقيا فوق أرض المغرب؟ !. فإذا كانت ثقافة حقوق الإنسان قد نشأت أصلا في مجتمعات الشمال، حيث انتقلت بها إلى مفاهيم ومضامين مازالت غريبة على بلدان الجنوب، فواقع الأمر في منطقة فيرغسون الأمريكية يكشف أن العنصرية ضد الأمريكيين الأفارقة لم تنته، وموقف اليمين الفرنسي المتطرف بصدد المهاجرين فاقع وصاعد. مما يعني أن التربة الحقوقية هي ما يشبه هشاشة العظام في الديمقراطية الليبرالية الشائخة، في الغرب نفسه.

لكن هذا ينسينا بطولات نبعت من صلب الغرب ومن بؤرة المعاناة: فقد ذكر الراحل ادوارد سعيد حالة الشابة الأمريكية راشيل التي سحقتها البيلدوزر الإسرائيلية بعدما بلغ تأثير الشابة المناضلة إلى صفوف الشباب اليهودي لرفض الخدمة في الجيش. كما ذكر الشهير تودوروف حالة عالمة الانتروبولوجيا الفرنسية جيرمين تييون التي عملت على إنقاذ المحكومين بالإعدام من مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائري إبان الحرب.

هذا الجدل التفاعلي بين الدولة والمجتمع الغربي بتناقضاته الفاقعة يضفي على القضية الحقوقية صفة الديمومة والنسبية، مما يخلصها من التوظيف السياسي سواء كان حكوميا أو من المنظمات غير الحكومية. إن قدسية الغرب وعذريته بالضبط في حقوق الإنسان لم تتوفر يوما. لكن شبكة القراءة بالمعايير والقياس الكمي والنوعي هي البوصلة التي تحيل الحقوقيين المغاربة إلى مساهمين في إنتاج القيم الحقوقية بدل التوقف عند استهلاك الجاهز منها لدى الغرب.

عود على بدء

يمكن القول، بعدما طورت الشعوب أشكال الثورة من العنف مولد التاريخ بقيادة الحزب الوحيد، إلى النضال الجماهيري السلمي الساعي إلى احتلال السلطة بالإقناع والنفوذ من داخل صناديق الاقتراع، ساعتها أعطى التفاعل المنتج بين الحركات الاجتماعية واليسار الأمريكولاتيني قوة سياسية رائدة، نموذجها التجربة البرازيلية، وأصبح شعار اشتراكية القرن الواحد والعشرين يشق طريق المستقبل بواسطة الانتخابات المؤسساتية المسنودة بالاحتجاجات الجماهيرية، بحيث تتفاعل القوة الاعتراضية على الأرض مع القوة الاقتراحية في المؤسسات. هذا الدفع والدفق الجديد للديمقراطية الليبرالية التمثيلية بنفس جماهيري ويساري وثقافي إثني، وسع دائرة المشاركة وقوى الوعي بالانتماء للأوطان. وهما (الانتماء والمشاركة) ركيزتا المنظومة الديمقراطية برمتها على أرضية المواطنة المنتجة.

وعلى نقيض العولمة التي شطبت السياسة من المؤسسات لفائدة اقتصاد السوق وهيمنته، تعززت السياسة الجماهيرية وملأت الدولة بزخم السياسة الشعبية الفعال. كل ذلك من خلال الموجة الديمقراطية الثالثة بعد انهيار النموذج السوفياتي. الطبيعة النضالية للشعوب لم تترك الساحة فارغة أمام نفوذ العولمة المتوحشة.

ولأن الخبرة للشعوب المقهورة دفعتها لتجاوز فراغ ما بعد الحرب الباردة، فقد تحولت منجزات العدالة الانتقالية ودمقرطة الأنظمة والنتائج الاقتصادية الهائلة إلى تحالف دولي صاعد محوره بلدان الجنوب: الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا رفقة روسيا المتيقظة، فصنعت تحالف بريكس.

وبالتالي انتقلت حركات الشعوب من الطابق السفلي غير الحكومي: أرضية بورطو أليغري، إلى الطابق المؤسساتي الأعلى. من هنا استبدلت دول أمريكا اللاتينية أرضية بورطو أليغري للحركات الاجتماعية بالمنتدى العالمي لحقوق الإنسان. وهو الربط الذي لم نسمع به في الإعلام الرسمي بهذا الصدد (قضايا وآراء يوم الثلاثاء 2014/11/25).

يمكن القول إذن، إذا انتقل المنتدى العالمي لحقوق الإنسان من مكان ما إلى المغرب، فقد انتقل إليه من أمريكا اللاتينية. وقد انتقل إلى افريقيا برمتها مجسدة في المغرب. كان من الممكن أن تتبوأ تونس استحقاقا أفضل. وكان من تقليد السمعة الأكثر انتشارا بين بلدان الجنوب الاستحقاق الجزائري. إن أخذ تونس الجديدة عن المغرب درس العدالة الانتقالية ساهم في دعم استحقاق المغرب لاحتضان المنتدى. كما أن انشغال النظام الجزائري بمرض رئيسه فوت عليه هذه الفرصة الذهبية. دون أن ننسى البلدان الإفريقية الكبيرة المريضة بأوضاعها الأمنية: نيجيريا بوكو حرام ومصر بانتشار العنف السياسي المعارض.

ثم يأتي التكامل بين الاستحقاق المغربي من فوق (انتخاب الوفد الحكومي في منظمات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان) ومن تحت (استحقاق الأمم المتحدة لفائدة خديجة الرياضي)، مما يعني أن السلطات السيادية في المغرب تدبر المنظومة الحقوقية (الحكومية وغير الحكومية) بما كفل لها اعتبارا موضوعاتيا وتنظيميا أمميا، ومن موقع بلدان الجنوب (خطاب المغرب الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة).

0