المسرحي نجيب طلال يكتب : ملف الــمـــسـرح الاستهلاكي (2)

إن قـفـز المجتمعات العـربية إلى الاستهلاكية من دون أن يرافق هذا القفز تحولات داخلية فــيها ضاعــف النتائج السلبية لهذه الأنماط، مما حول النتاجات الفـنية والإبداعية، إلى مواد وسلع واستهلاك..‏ هـذا هو الانهيار الكبير الذي نشهده ونشاهده ونعيشـه، على مستوى الفـن، وهـذا التراجع الرهـيب لكل ما هـو خارج النمط الاستهلاكي، مما تحول المجال – المسرحي- بكل تنويعاته وتفريعاته، إلى سلعة استهلاكية إعلامية، وتخلّي عـن موقعه في مواجهة الواقع وتجاوزه، كيف يمكن له ذلك ولقد أضحـى: سلعة مرتبطة بمختلف التعابير المتخلفة والمتراجعة, فبدل أن يتجاوز المنحى الاستهلاكي الذي جرف ما يسمى وسائل الاتصال توقف عـندها فأصبح المسرح الاستهلاكي الذي يستغل مآسي الناس وقـضاياهـم وهـمومهم وتناقضاتهم والواقع لأهـداف تجارية بحتة، فهاته الـوضعيـــــة فـرضت إقـحام الشركات، لعـرض منتوجاتها التجارية، بشكل مباشر، وذلك بحـكم أن العـديد مـن الـفـرق التي كانت شعلة في العـطاء الإبداعي/ الفكـري/ تحولت إلى شبه مقاولات، أو مقاولات تتحـكم فيها المقايضات سواء بين المـنتجـين والمستشهرين والممثلين والأطراف المساهـمة في العرض المسرحي، وبالتالي تمـيع المجال المسرحي، وأمسى سوقا للمضاربات والصراعات.

من هـنا افـتقـد الوجه الأسمى للمسرح، جماليا وفكريا وسياسيا: كأنما لم يبق من المسرح السياسي العربي أثر يذكر, هـذا الانطباع تكرس سواء عبر المهرجانات أو العروض المنفردة في (مهرجان القاهرة التجريبي وقرطاج والمهرجات الخليجية وعمان) كأنما تراجع المسرح السياسي أدي إلى حد كبير إلى تراجع المسرح ككل كما لو أنهما توأمان وكأنما الجمهور بابتعاده عـن الحالة المسرحـية كان يسجل ارتباطاً بالسياسي فـطبيعة الجـدل تـفـرض هـاته الصـورة القـاتمة عـن نـوع من الفعـل المسرحي الراقي والفعال في البنية المجتمعية؛ وبالتالي فالعولمـة فـيبعـدهـا العام هـجمـة وحـرب ثـقافـية، مفـادها تهـجين العـالم الـعربي، وتجـريده من خصـوصيته، عـلى أسـاس فـرض وترسيخ مـفاهـيم ثقـافـية و سلوكات وتقـاليد “الآخـر” عـبر آلـيات ثـقافـية، تمارس الغـزو والفـتك، لتشويه الهـوية ثـم القـضـاء عـليها، وذلك مـن خلال تـمرير مصطلحات وتقـديم النماذج، فـمدخل القـطب الـثقافي لـن يتم إلا عـن طريق القطب السياسي، ولاسيما أن الـوضع السياسي العـربي، أمسى متهلهلا وسلبيا سواء في قـضاياه المحـلية أو القـومية أو الدولية، ولم يـعـد يسيطر إلا عـلى ما أراده “الآخـر” أن تتم السيطرة عـليه ونلاحظ عـبر الخـريطة العـربية، ليست هنـالك “معارضة/ احتجـاج” حول أخطار أو سـلبـيـات الـعولمة، عـلى البنـي المجتمعـية عـربيا، كما هـو الـشأن في الـحراك المـدني والسياسي في أوربا و أمريكا و شرق و آسيـا، ومـن البديهي أن يسهـل التأثيـر، وإن كان المنطق يقـتضي، بأنـه لايمكـن لأي مـجتمع أن يعـيش بدون سلطة، التي هـي شرط تماسك الجماعة، سلطة ليست بالمفـهوم القـمعي والاستبدادي، والتي تبدأ منذ التنشئة الاجـتماعـية (الوالدين) مرورا بالتعلـيم الأولي والرسمي، إلى غــير ذلك، لكـن في سياق التحـولات، أمست السلطة متراخـية أو بالأحـرى مـغـلوبة عـلى أمـرها، مـما يـقـع/ وقـع انفلات، أحـدث فـجوات أعـمـق تهـدد القـيم والتـصورات.

وعـليه؛فـنحـن أمـام مـخطط أعـد لـه سلـفا ومنـذ عـقـود، مـن لـدن جهابذة الاخـتراق والاستراتيجيات منـطلـقـيـن مـن أرضيـة فـكرية بـعـيدة المـدى، ومـا أطـروحة المعـرفة والتواصل التي تـلوح فــي فضائنا وخطاباتنا، ماهي إلا غـطاء لـمفـهوم العولمة ذات البـعد الهـيمني، التي يعـبر عـنها “صموئيل هـنـتجـتون” صراع الحضارات، والتي هـي فـيا لـواقع صـراع قـيم، نظـرا أن الحـضارة مـلك إنساني، ولكن أطـروحة الصراع وجـهل خلق نـوع مـن الانفـتـاح الفـكري والسلوكي نحـو الآخر ؛مـما يـفرض عـدم الانغلاق على الـذات، مـن أجل نبـذ التـعـصب الفـكري والثـقافي، الذي يهدف ضمنيا إلى إلغـاء الآخـر، وفـعلا، مـا وقـع ويـقع من حـروب واستعمار للعَـديد من الدول العـربية / الإسلامية، فأوضح نموذج “العراق” ومخـطط التـهويـد لبيـت الـمقـدس الذي يعتـبر الروح الـحية و النابضـة للحضارة الإسلامية / العربـية، وفي السـياق ذاته فالـقـوى العربية المناهـضة، لكل مـا يحاك حولنا، بكل أسف شديد تتخبط في صراعاتها الداخلية، والبعض يبحـث عـن تخريجات عــبـر مسالك محتشمة، و البعض انهـارت معـنوياته، إثـر الحصار والقـمع الممنهـج، مـما تهـللـ الإبداع الـمتميـز وَالفاعـل في النسيج الاجــتماعي، بحـكم أنه كان يلازم ويتغذى ويتقـاطع وخطاب اليسار أو المعارضة لكل خطاب أو ممارسة مهادنة واستسلامية، وبالتالي انـجـرف وراء “ثقافة الاستهلاك”.