المغرب : الاستقرار المستهدف

لا مجال للشك لدي أن مجمل الأحداث التي يعرفها المجتمع المغربي خلال الشهور الاخيرة و التي يكون من وراءها المواطن المغربي بوعي أو بدون وعي، تستهدف في العمق و بشكل منهجي دقيق، تغديه قوى داخلية و خارجية متربصة، تستهدف بالأساس استقرار المغرب و تعدد المغرب و هوية المغرب الغنية.

لقد تزامن وبشكل مخطط له، بشكل عالم بكيفية العلاقة المتينة التي تربط الأحداث المتفرقة في محيطنا العربي و المتوسطي مع المستوى السريع و المتطور لتكنولوجية المعلوميات وفضاءات التواصل الاجتماعية، بحيث يكون للأحداث الواقعة والمزلزلة خيط ناظم واحد، و هو ما يمكن فهمه من تزامن الأحداث الدموية الإرهابية في كل من تونس والكويت وفرنسا ومن بعدها مصر.

لقد تزامن ما وقع للفتاتين بإنزكان، و تعليق لافتة على شاطئ أنزا تمنع المصطفات من ارتداء البيكيني، مع الحدث الإرهابي البارز في تونس و الذي كان ضحيته العديد من السياح الأجانب و هو تزامن ليس بريء بل تزامن مدروس و مخدوم بشكل احترافي على مستوى المواقع الإلكترونية وفضاءات التواصل الاجتماعية بحيث يكون أكثر انتشارا و بكل لغات الدنيا، موجه بالأساس لضرب السياحة الوطنية (الكل يعلم مكانة أكادير ومحيطها في السياحة الوطنية)، من خلال تبليغ الرسالة مباشرة للسائح في عقر داره، تضعه في لبس واضح وربط مباشر بين ما وقع في تونس وما هو جاري في المغرب.

إن العقلية الإرهابية و الظلامية رغبة منها في تحقيق مآربها التخريبية، تنتهج أسلوب التراكم و التدرج التصاعدي، بحيث يمكن ملاحظة ذلك من خلال استغلال فيلم “الزين اللي فيك” بتحوير النقاش فيه من نقاش يتناول انتقاد تركيبات العمل السينمائي المطبقة فيه في تناولها لموضوعه، و تقييم مدى نجاح المخرج أو فشله، إلى استهداف بشكل خاص عينة من السياح لن ينكر أحد أنها تشكل مجال تنافس دولي على استقطابها سياحيا، بالإظافة إلى استهداف مدينة تاريخية عريقة وجميلة مدينة مراكش ومن خلالها المغرب وصورته الدولية.

إن إدراج و إقحام السوقة والرعاع في كل هذا الاستهداف، ليس من وليد الصدفة، وللمتبع الوقوف على معطى أساسي أن الغالبية ممن التحقوا بداعش هم من الفقراء و ممن لهم مستوى دراسي محدود جدا و ممن لهم سوابق جنائية، و بالتالي يتحولون بين عشية وضحاها إلى مجرمين قتلة دمويين بشكل دراكولي.

قلت أن إقحام المواطن العادي ومن خلفه السلفي الوهابي في الضرب والاعتداء على مواطن مغربي بمدينة فاس تحت دريعة أنه مثلي، وفي هذا التوقيت بالضبط وباختيار مدينة فاس بالتمام و الكمال، و كأن المثلية ليس ظاهرة في كل بقاع الدنيا، يضعني أمام التساؤل الواضح لماذا أكادير وفاس ومراكش، و في خضم هذه الموجة استهداف الرباط من خلال مهرجان موازين عبر خلق ضوضاء و بلبلة كلامية ممولة ظلاميا ترمي إلى إلغاء هذا المهرجان و لما لا تحويله إلى مهرجان للبخور و عرق السوس وترويج العلاج ببول البعير.

الجواب واضح “وضوح الشمس في نهار جميل”، قتل السياحة الوطنية وتشويه صورة المغرب وإظهاره بمظهر الدولة العاجزة على حماية المواطنين المغاربة والسياح الأجانب، تمهيدا لما هو قادم و كأننا على أبواب دولة البغدادي، و هي صورة يمكن فبركتها واللعب على أوتارها ما دمنا نرى مؤسسات الدولة متقاعسة في أداء دورها الوظيفي، تاركة المجال للمواطنين القاصرين والمهيجين سواء بعملية غسل الدماغ بالفكر الإرهابي أو من خلال الأقراص الملهوسة الوافدة علينا من كل ثغرات الحدود المغربية، يتقمصون أدوارا لم نعهدها، ولكنها موجودة في دول التخلف، دور الآمرين بالمعروف والناهين على المنكر.

إن الفشل في خلق الفتنة وتحويل المغرب إلى دولة للتظاهر الفوضوي عبر تسريب امتحانات الباكالوريا و هو تسريب يجب النظر إليه جيدا سواء على مستوى توقيت التسريب المتزامن مع الموسم الصيفي وسواء على العينة والشريحة الاجتماعية المستهدفة التي لا يمكن بأي حال إيقاف غليانها في حالة خروجها إلا عبر اصطدامها مع الدولة وهو اصطدام لن يكون إلا تكرارا لأحداث 65.

الطائر لا يجد ملاذه في الطيران، لأن الطيران بالنسبة له هو عملية البحث عن لقمة الخبز له ولأبنائه، و هي عملية ليست سالمة غانمة دائما بل هي محفوفة بمخاطر القنص البشري والاحتكام إلى منطق السلسلة الغدائية. الطائر يجد مكانه عندما يكون يغني على غصن شجرة قريب من عشه ومن فراخه، إنها لحظة الاستقرار لديه.

0