انتحاريو كورونا

شهدت ليلةَ أمس عدةُ مدنٍ مغربية (طنجة، فاس، تطوان، المضيق، سلا…الخ) بعد منتصف الليل خروجَ عشرات الأشخاص مُردِّدين هتاف “لا إلاه إلا الله محمد رسول الله”، الأمرُ الذي أثار ردود فعلٍ تتوزَّع ما بين الاستغراب والاستنكار.

فتوقيت الخروج الجماعي والتجمهر بالشوارع في وقت متأخر من الليل بدعوى الاستغفار والتوجه إلى الله ليرفع عن المسلمين وباء الكورونا ،لا يستسيغه عاقلٌ لأنه بإمكان الجميع أن يتوجَّه إلى الله في بيته بخشوع وإيمان صادق دون الخروج الجماعي إلى التظاهر بالشوارع مُعرِّضين سلامتَهم وسلامة أسرهم وجيرانهم لخطر انتقال عدوى الوباء، اللهم إذا كانوا يعتقدون أنّ قوةَ الإيمان لديهم أقوى من باقي المغاربة مما سيجعلهم لا محالةَ ضِمْنَ الفرقة الناجية !

العصيان المدني

سبق التمهيد لتظاهرات ليلة السبت 21 مارس ، دعوة بعض المُعَبِّرين عن التيار السلفي المتطرف مُمَثَّلاً في أبو النعيم الذي اعتبر أنّ المغرب بعد فتوى المجلس العلمي الأعلى ب”ضرورة إغلاق أبواب المساجد، سواء بالنسبة للصلوات الخمس أو صلاة الجمعة” باعتبار أن “نصوص الشرع تؤكد على ضرورة حفظ الأبدان وعلى تقديم دفع المضرة على جلب المنفعة”، أصبح دولة كافرة يجوز الجهاد ضدها لأنه” بلد ارتدَّ عن دينه ، وكفر بعد إيمانه ، وأصبح دارَ حرب وليس دار إسلام”. كما اعتبر السلفي المعروف عمر الحدوشي أنّ ” دواء الطاعون يكمن في فتح المساجد لا في إغلاقها “، وأضاف في تدوينة له على صفحة الفايسبوك ” السلف عندما كان الطاعون لم يكونوا يغلقون المساجد، بل كانوا يلزمون المساجد رجالا وأطفالا ونساء”.

كما رد السلفي المعروف حسن الكتاني على فتوى المجلس العلمي الأعلى، من خلال نشر فتوى حاكم المطيري الذي اعتبر أن “حفظ الدين” مقدم على” حفظ الناس” باعتباره أول الضروريات الخمس، لذا يجب أن تبقى المساجد مفتوحة رغم المخاوف من الوباء”.

هذا التكتيك السياسي للجماعات المتشددة ببلادنا، لا يختلف في جوهره عن التوجيه السياسي الذي أصدره مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين في مصر بتاريخ 19 مارس الجاري حيث

دعا المنتسبين للجماعة والمتعاطفين معها إلى” تنشيط الدعوات بين المواطنين بعدم الاستجابة لدعوات المكوث بالمنازل التي يتبناها النظام حتى يتم إرباكه وإفقاده سيطرته على مفاصل الدولة “كما دعا مكتب الإرشاد إلى” تبني خطة فعالة لنشر الخوف والقلق من تفشي الوباء لتعزيز حالة الهلع التي تنعكس على الأسواق والسلع والمنتجات الغذائية الرئيسية وذلك لإفقاد نظام الانقلاب قدرته على توفير الحاجيات الرئيسية”.

انطلاقاً من كل ذلك فإنَّ ما جرى ليلة أمس كان امتحاناً لقدرة الدولة على فرض هيبة القانون من جهة، وجرِّ الأجهزة الأمنية للاصطدام بمتظاهرين ينشدون – ظاهرياً- لطفَ الله ورحمته، مما يكسب الجهة أو الجهات المنظمة استغلالَ العاطفة الدينية للجماهير وتحريضَهم لمواجهة السلطة. وفي سبيل تحقيق ذلك لا مانع لديهم من نشر الوباء، والتضحية بأرواح عديد من المواطنين إنْ كان من شأن ذلك هز صورة السلطة وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية صحة وأرواح مواطنيها، وخلق هوةٍ ما بينها وبين المجتمع. من هنا لا يمكن اعتبار خروج عشرات الاشخاص في نفس التوقيت وفي تحدٍّ صريح لقرار السلطات العمومية بالمكوث في البيوت والخروج إلا للضرورة القصوى صدفةًً أو مجردَ اندفاعٍ نابعٍ مِن عواطفَ دينيةٍ جياشة.

إنّ دروس التاريخ تعلمنا أنّ الدينَ شكَّل عبْرَ العصور- بما له من مكانة سامية في وجدان المسلمين – واجهةً أساسيةً للصراع من أجل اكتساب الشرعية للظفر بالحكم، الأمر الذي أدّى إلى توظيفه واستغلاله من طرف الطامعين في السلطة. لذا لا يمكن فهم خلفيات سيل الفتاوي والتدوينات المرتبطة بمنع الصلاة في المساجد إلا ضمن سياقِ السعيِ لهدم المشروعية الدينية للسلطة القائمة الممثلة في إمارة المؤمنين، واكتساب شرعية للجماعات الدينية المتشددة التي رغم تنافرها ، فإنها تتوحد حول مشروع الدولة الدينية الشمولية الذي يحمل عنوان “دولة الخلافة” و”الحاكمية” و”تطبيق الشريعة”.

التضامن الاجتماعي

أكدت تظاهرات ليلة السبت أنّ المعركة ضد الفكر الظلامي ونشرَ فهمٍ مستنير وعقلاني للدين الاسلامي، وترسيخَ قيم العقل والتسامح ستكون أطول وأصعب بكثير من المواجهة مع فيروس كورونا. إذْ بموازاةٍ مع فرض حالة الطوارئ الصحية وحث المواطنين على ملازمة بيوتهم ، فإن من واجب الدولة القانوني والأخلاقي إيجاد صيغ مناسبة لدعم جيش من الفئات الهشة والهامشية التي تجد صعوبة بالغة في كسب قوتها اليومي خلال الأيام العادية فما بالك خلال هاته الظروف العصيبة ، وبالتالي لا يعقل تركها عرضة للجوعا بمساكنها، كما أن من شأن ذلك حرمان الجماعات المتطرفة من استغلال الظروف الاجتماعية لتلك الفئات الاجتماعية لتحويلها إلى وقود وحطب معركتها الخاصة التي تروم في نهاية المطاف الانقضاض على السلطة. فإنجاح الحرب ضد الكورونا من أجل الحياة لا يمكن عزله عن شروط توفير حق إنساني ودستوري ألا وهو الحق في الحياة الكريمة للمواطن.