2017/05/28

باسم القانون والإنسانية والواجب وقف الحملة ضد “الهيني” ضرورة ملحة

شمال بوست

محمد حداش - محامي وناشط حقوقي

تفصلنا أيام قليلة على معرفة موقف النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بتطوان من القرار الذي اتخذته هيئة المحامين بها يومه 12-10-2016 والقاضي بقبول تسجيل السيد محمد الهيني ضمن لائحة المحامين الرسميين الممارسين بالهيئة المذكورة.

وكان القرار المذكور قد أثار ردود أفعال متباينة بلغت حد تلويح بعض المحامين بإعداد عريضة طعن جماعية، والتنسيق مع النيابة العامة في هذا الشأن، ومع وزير العدل إن اقتضى الأمر ذلك، معللين موقفهم هذا :

بكون أن قرار المجلس خرق منطوق الفصل 18 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، التي حسب رأيهم جاءت بحالات معدودة على سبيل الحصر وليس من ضمنها حالة العزل.

لكن وبصرف النظر عن الآثار المترتبة عن الأخذ بهذا الرأي، فإن القول بأن النص ( أي نص كان )  قد جاء على سبيل الحصر لمجرد سرده لحالات بعينها، مع استعمال صيغة قد تفيد لغويا الحصر، أمر محل نظر.

ذلك فإن المادة 39 من مدونة الشغل مثلا جاءت بصيغة تبدو ظاهريا أنها تفيد الحصر لما نصت على :

تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة، يمكن أن تؤدي إلى الفصل، الأخطاء التالية المرتكبة من طرف الأجير.

ومع ذلك ذهب الفقه ومعه القضاء إلى اعتبار تلك الحالات واردة على سبيل المثال لا الحصر، هذا رغم أن المدونة المذكورة يفترض فيها حكما حماية الطرف الضعيف الذي هو العامل، مع ما يعني ذلك من تشدد في التوسع في التفسير.

 وعلى العكس من ذلك فإن المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية عددت حالات التلبس في ثلاث حالات قبل أن تضيف إليها الحالة الرابعة دون أن إعطائها رقما تسلسليا، ومع ذلك ذهب الفقه والقضاء إلى اعتبار حالات حصرية لتعلقها بمركز قانوني تضيق حريته أو تتسع اعتبارا للموقف القانوني من الحالات المذكورة.

والأمثلة على هذا الاتجاه عديدة، تذهب كلها في اتجاه التأكيد على أن الجزم في هذا الإشكال إن لم يتكلف به النص صراحة بشكل لا يسمح بالنقاش قطعا، فإنه من الواجب إعمال الاجتهاد لاستنباط إرادة المشرع.

 لذلك كانت العديد من القرارات التي لا تقرأ المادتين 18 و5 من نفس القانون إلا بعين التكامل.

 فالعبرة إذن بالنسبة للمشرع من وراء المادة 18 هي :

 أولا حماية المتقاضين ومؤسسة القضاء من قلة تجربة القاضي ومهاراته المهنية بالنسبة لمن لم يقضوا مدة معينة في سلك القضاء.

وثانيا توفير الأمن القضائي للمواطنين وحماية سمعة المؤسسة بالنسبة للقضاة الذين تم إبعادهم عن السلك القضائي لأسباب تمس بالمرء والشرف….إلخ.

وقد انتصرت محكمة الاستئناف بمكناس لهذا الاتجاه في قضية قاض عزل مع حفظ حقه في التقاعد ( قرار بتاريخ 16/4/2016 ملف 261/21/1124 ). صحيح أن هذا القرار غير ملزم في شيء لمحكمة الاستئناف بتطوان، ولها أن تخالفه، لكن ما يهمنا منه أن الجدل في طبيعة المادة ليس جديدا ولا بدعة بل ينبع من عدم ورود صيغ تفيد القطع بالمادة 18 وأن الغاية كل الغاية هي حماية المتقاضين وسمعة المؤسسة من القضاة الذين تم فصلهم من سلك القضاء ( بصرف النظر عن صيغة الفصل ) بسبب مشين.

وإلى غاية تحديد النيابة العامة لموقفها من قرار مجلس الهيئة ،فوصل القضاء في النازلة على ضوء القانون.

 أليس من واجبنا الابتعاد عن كل سلوك من شأنه شحن الأجواء وحشد الأنصار للضغط على القضاء لتبني هذا الاتجاه أو ذاك ؟.

أليس من واجبنا التوقف عن حملة تخويف المحامي من تسجيل الهيني بهيأة تطوان بعلة ذيوع صيته وخبرته في القضايا الإدراية وتعاطف القضاة معه، وما لهذا الأمر من تأثير على دخل المحامين.

أليس من واجبنا الكف عن تحويل مأساة قاض عرف بنزاهته وجرأته واجتهاداته إلا حصان طروادة قد تستغل من طرف البعض لتدبير حروبه الانتخابية داخل هيئة المحامين.

لقد أخطأ الهيني في بعض من ردوده التي أعتبرها خروجا عن اللياقة المطلوبة، لكن محاسبتنا له يجب أن تستحضر حالته الفريدة في تاريخ المغرب القضائي.

الهيني لا يهدد قوت أحد ولا يهدف إلى منافسة أحد، إنه بكل بساطة يرفض الموت دون صراخ.

تحياتي للجميع.