بهاء الحياة في ذكرى الوفاة

مدينة تعرف كيف تلوح بالتحية لأرواح أبنائها بعيد الغياب، فتلملم زفرات الأسى وتحيلها على الدوائر صانعة فرح الاحتفاء.

سبق أن شهدت قاعات عمومية مماثلة لحظات تأبينية جميلة، لكن اختمار التجارب بمثل المناسبة، تزيد كل مرة صفا إضافيا من الضرس والطرز المزركش الأنيق على حاشية موت المتألقين…

كما سبق أن رفعت لحظات تأبين الأرواح ملتمسات للجماعات الترابية، كي تخلد أسماء المحتفى بأرواحهم على شوارع وأحياء المدن بالشمال. وكذلك كان لفائدة أحد منظمي لمة وادي لاو….

داخل القاعة، كانت الإنارة تستبدل ألوان الضوء، كانت ومضات الفرح كالضفيرة ملتوية كالتوأم مع وخزات الموت. مما أضفى ملامح الفن، حيث تجاذبت متناقضات الحزن وبرق الانعتاق في سماء مدلهمة لا تدري متى تشع شجرة الخريف برقا كالسيف… كانت الموسيقى خلفية لصور متوالية عبر جهاز العرض العاكس…صور عزيز طفلا فشابا….. انتهى توالي الصور على الأخيرة حيث تمكن الذي التقط ملامح وجه عزيز بنظرة تكاد تختلط بإحدى صور المتاحف السينمائية المختصة، بالأبيض والأسود عبر الرمادي، حيث نظرة موحية تورط المشاهد فيما قد يومض به وجه عزيز من عتاب… ساعتها انتهى العرض، لملمت سناء خفية دمعهتا بما لا يصيب رسم الكحل بلحن فاضح. وتواطأت القاعة على تجاهل كثافة الحزن ساعتها.

لم يترك عبد النور فراغا في نفسية القاعة، بتلقائية ولا ارتباك، ولبرهة، بُهرت القاعة من انقلاب دور عبد الرحيم من حاكي ذكريات الطفولة رفقة عزيز، إلى ساحر مشعوذ يحرك يديه ويرسم خرائط في الهواء كأنه يسعى لينوم الحضور عبر طلاسيم مغناطيسية حركية. عبد الرحيم مسرحي في الأصل. انصهرت نفسيته توا في دوره بمجرد ما تأكد أنه جالسا فوق الخشبة.  رسمت كلماته وحركات يديه رقعة منسوجة على قماش حدد مساحتها بدقة، ليضع “بيسو سنطانا” في الوسط، وكأنه من خبراء هوليود لصناعة سلسلة طوم وجيري، وذات لحظة أوهم عبد الرحيم الحضور كون عزيز الطفل وكأنه جيري الصغير يسابق الريح ليفلت من طوم المعلم بعد شقاوة نكتة كيدية حكاها عزيز الطفل. استعاد عبد الرحيم غزولة طاقته الإبداعية المسرحية دون أن تدري القاعة بذلك. أما محمد نوري فاستكمل لوحات عبد الرحيم بمقامات الحريري المستخلصة من مناظرة زجلية بين عبد العزيز المحتفى بروحه وبين سلف جزال مغربي سابق: عبد العزيز المغراوي. ومثل عبد الرحيم غزولة دخل محمد نوري منزل الفقيد قائلا: “في حي الباريو العريق كان مثل بيروت محمود درويش، خيمتنا الأخيرة…واحة نلملم فيها جراحنا، نورد إبلنا ونستجمع قوتنا بأطباق وشهيوات أم عزيز الفاضلة للاخدوجة، هناك كرعنا من ماء الحياة وإكسير الصداقة مع رفيقنا مصطفى بن زروالة حفظه الله الذي ظل مؤنس الفقيد وكاتم أسراره إلى الهزيع الأخير من ليل حياته”

عبد النور القشتول رفقة سناء الركراكي وبمعية الشقيراء سيدرة البقالي، صالوا وجالوا فوق الخشبة لرتق فقرات الأمسية بخفيف العبارة ونبيه الإشارة. في إخراج نادر.

سألت حميد منسق التنظيم،: من ساهم في هذا الإخراج الزاهر؟ أجاب بعد تثاؤب مطول من فرط التعب: يوسف الحداد، محمد غزولة، عزيز الزكار، محمد سعيد السوسي، نجلاء الوزاني، عبد النور القشتول، سناء الركراكي، وآخرون بلمسات متفاوتة، إنه عمل جماعي، استهوى حضور مساهمين متألقين من خارج المدينة بل ومن خارج المغرب، مثل من كان يوما رئيس مجلس شباب الأندلس في اسبانيا باعتباره صديقا للفقيد. ثم اعتذر حميد عمن نسي ذكرهم منهكا عبر الهاتف. ثم أردف: لا تنس أن القاعة بكت وضحكت في آن.

عود على بدء

منذ مدة لم أشهد بهاء الحياة في قاعة دار الثقافة بتطوان مثل ما شهدته بمناسبة الذكرى الأربعينية لغياب العزيز عزيز، السبت 8 نونبر 2014.

بهاء الحياة، روح عزيز، وضوء وحركة وتألق وتلقائية.  تهيّب واحد يذكرك بمناسبة الوفاة: حضور والدة عزيز وأفراد عائلته.

لكن، شخصية عزيز القوية، العفيفة، المبدعة، السموحة، أثرت مخيلة ثلة من أصدقائه، تحت إدارة حميد وجعفر وسناء. فأبدعوا عملا جماعيا.

شاب، وسيم الطلعة والمحيا، طالب كلية العلوم، مزدوج الجنسية (اسباني بحكم الازدياد في سبتة المحتلة)، مغربي حتى النخاع، ناشط في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أيام عنفوانه، ناشط “مهاجر” بين حركة الأنصار المدافعين عن حقوق المغاربة في الأندلس الإسبانية، متفوق في كل شيء، عزيز النفس، صغير الراس، كيف لا يجمع كل الطاقات والخبرات، وقد جمع في نفسه أجمل الخصال. تلك كانت خصال عزيز المحتفى بروحه، بعد مرور أربعين يوما على غيابه الجسدي الأبدي.

تمكن بعد غيابه الجسدي أجمل ما تتوفر عليه تطوان البهية…خبرة التنظيم، فن القول الزجلي، مرح العلاقات العامة، الذوق الأصيل.

قليلا ما تدخل دار الثقافة، فتجد تأنق نساء تطوان الجميلة، والحرص المتأصل لدى الذكور، بمعية رصيد المناضلين، وأيام تحف كلمات الشيخ إمام، قاعة جمعت رصيد المنفى والاعتقال السياسي وتنوع المهن العتيقة، والحضور في أزقة المدينة القديمة. فلم يكن عبد الحق الزروالي جالسا بطلا مسرحيا، لكنه وجد نفسه متمتعا بكل ما قد يوقد في نفسه جمرات الدفء ليصدح بآهات “راحلة” على عادة تألقه الحميم. كما كان السي عبد السلام الغازي بين أحضان تطاون الحاضنة للمقاومة الجزائرية أيام بوضياف اللاجئ هنا…وقد تفانى أبناء تاونات طيلة سنوات الرصاص لبناء حلم المغرب الكبير، عندما حكى بن بللا ذكريات شبابه عن رؤية غرب الجزائر محمد بن يوسف في القمر، شعلة أخرى أوقدت جمرات الثورة هناك ضد الاستعمار، ما بين مدغشقر وتطوان وجبال الأوراس، لا فرق…

قاعة أصبحت فيها أرصدة الحركية المعارضة أيام يناير 1984، رحيقا آخر، يغذي أنفة أهل هذه السواحل الشمالية، المعتزة بالهوية الداخلية للمغرب المتأنق المكابر ضد قرون الغزو الأجنبي، بالقدر الذي يأبى أن يتجبر تقنوقراط وزارة الداخلية على مواطنتهم اليومية….

وللذكرى التي تنفع المؤمنين بقضاياهم العادلة، في السابق، حكى الشفشاوني عبد الاله، تاجر بأوطى حمام، كيف ضاق صدر حسني بن سليمان أمام التاجر الذي لم يسرع مهرولا بين يديه، ولم يسأله كعادة رعايا الخنوع (( اشبغيتو نعماس؟))، تركه باعتباره زبونا يجيل نظره بين مختلف السلع (منتوجات موسيقية وديكورات شاونية أنيقة)، حتى يتضح اختياره للبضاعة المعنية. لكن المخزن يريد أن يُذكر المغاربة أنهم في حضرته وجبروته. من سوء حظ المخزن مع أهل الشمال أنهم يفتقدون نفسية الرعايا، وتتناسل في نخاعهم الشوكي مميزات كبرياء القرون الغابرة، عندما كانوا يقظين، تجدهم فرق جيش المخزن على أهبة المشاركة في الدفاع عن السيادة الترابية والحضارية للأجداد العظام…قبل أن يحفر سوسيولوجيو الاستعمار حفرة مقعرة في نفسية الخانعين بين “بلاد المخزن” و”بلاد السيبة”، والتي ما زال تقنوقراط الداخلية يتعاملون بها. تلك روح أخرى جماعية، جهوية وطنية حتى النخاع، تساعد الناس على تحويل الموت المفرد إلى شرنقة حياة تتكفل الجماعة ببثها في ثنايا المناسبة، فتتحول ذكرى الوفاة إلى بهاء حياة.

0