بينالي الفن الإسرائيلي المعاصر بالقدس: عن مشاركة فنانين تشكيليين مغاربة

محمد الخشين

يحيل لفظ “بينالي” في اللغات الأوربية الحديثة من حيث دلالته الاشتقاقية اللغوية التي تعود إلى الجذر اللاتيني “بيس” ومعناها”إثنان”، إلى كل حدث يستغرق عامين، أو ينظم بصفة دورية مرة في كل سنتين، أما أول بينالي في التاريخ فقد شهدته مدينة البندقية، عندما أخرجت الأعمال الفنية من المتاحف، وتم عرضها في الحدائق العمومية. فإذا استحضرنا هنا هذا المعنى الإيتمولوجي، وهذا السياق التاريخي بالذات، فإنه من باب تحصيل الحاصل أو المسلمات القول بأن احتضان إسرئيل لبينالي بالقدس بمشاركة عرب ومسلمين، خطوة نحو تثبيت القدس كعاصمة للكيان الإسرائيلي المحتل في الذهنية العربية الإسلامية وتدعيم للتطبيع مع احتلال فلسطين عبر الفن والثقافة كما ذهب إلى ذلك الفنان التشكيلي المغربي يوسف سعدون، إذ سيصبح من الاعتيادي تماما تنقل الفاعلين في هذا المجال من وإلى الأرض المحتلة والتعامل مع إدارة الاحتلال بوصفها شرعية. ويمتد هذا البينالي طيلة الشهر الجاري، ما أثار ردود أفعال قوية من لدن الأوساط المهتمة بالفن التشكيلي المغربي، معظمها تندد بهذه المشاركة في إضفاء الشرعية على كيان غاشم، مارس ولا يزال التقتيل بلا هوادة في حق الشعب الفلسطيني الأعزل.

وإذا كان هناك من يسوغ هذه المشاركة باسم الحرية الشخصية، فمن المتناقض أن يقف أناس “أحرار” ضد حرية الشعب يناضل من أجل حقوقه المغتصبة ويضطهد بسبب كفاحه هذا، أوليس الحر هو من يقف إلى صف المناشدين للحرية؟ كيف يكون شخص ما حرا وأن يكون مع سلب حرية الآخرين في وقت واحد؟ والمحير حقا هو أن يكون هذا الفعل من طرف فنان تشكيلي، إذ أنه معني أكثر بالالتزام بالقضايا العادلة للشعوب. وإبداء المقاومة حيال كل طغيان متغطرس، كما أن الحرية الشخصية تفرض مسؤولية الشخص، كما بين سارتر ،لا عن نفسه فحسب، بل عن الإنسانية جمعاء. أما أن يكون المبرر فتح الحوار مع العدو من أجل إيجاد الحلول الضامنة للتعايش والسلام، فالعذر أكبر من الزلة، بحكم أن النظام الصهيوني تنكر لكل الاتفاقيات والمفاوضات بمشاريعه الاستيطانية وقمعه المنهجي للمقاومة الفلسطينية، فكيف يعرض فنان مغربي عمله التشكيلي في مكان تراق فيه دماء الأطفال يوميا من طرف من وجه إليه دعوة المشاركة. وهي المفارقة التي يكشفها رسم الفنان التشكيلي المغربي المغترب بالديار الفرنسية جابر غريب ؟.

على أن الخيانة تصبح طبعا في الإنسان من فرط خياناته المتكررة أحيانا ومن شدة ما عرفه من خيانات تحدث أمامه من جهة أخرى، وقد سبق للفنان التشكيلي المغربي مصطفى نافي أن أشار إلى ما هو أفدح عندما أقدم فنانون من المغرب على المشاركة في تظاهرة تشكيلية بمصر ، اعتمدت فيها خريطة للمغرب بدون صحرائه، الشيء الذي يصدق أكثر فأكثر على المشاركة التي قيل عنها بأنها من أجل استنكار الاحتلال الإسرائيلي نفسه، بينما هي لشخص لا يعرف تماما معنى الاحتلال ومعنى الوطن، إذ سبق له القيام بتصريحات متنافية مع الوحدة الترابية للمغرب، متنكرا لبلده الذي مكنه من دراسة الفن بأعرق معهد بالمغرب لا يلج إليه أكثر من ثلاثين طالبا وطالبة أو يزيد أو ينقص في كل سنة، منتهزا أول فرصة سانحة للتعبير عن معاداته لمغربية الصحراء، بعد أن وطأت قدماه القارة العجوز لأول مرة في حياته.وهو صاحب آخر اسم ورد في قائمة المشاركين المغاربة.