2016/12/27

hajjaji

«بيْضةُ العَقْرِ» رواية جديدة للكاتب المغربي الريفي ” محمد الهجابي “

شمال بوست

بعد إصداره لأربع روايات: بوح القصبة (2004)، وزمان كأهله (2004)، وموت الفوات (2005)، وإناث الدار (2011)، وثلاث مجموعات قصصية، صدر للروائي والقاص المغربي عن «منشوارت ديهيا» المغربية، برسم سنة 2015، عمل روائي جديد،في قطع متوسط وفي حوالي 310 صفحة، يحمل عنوان:«بيْضةُ العَقْرِ/وضمنه بعض ممّا جاء في مذكرة النحيلي الخاصة بصدد هذا النص وعلى هامشه».

وفي ما يأتي مقتطف من الفصل 19 من رواية “بيْضَةُ العَقْرِ”:

«.. زايد سمع بواقعة «تفسكا 1981» وهو عند أهله بأملاكو. في طريقه إلى أملاكو لم يبلغ كلميمة التي كان عادة ما يمر منها لتفقد أحوال صديقه “الشيوعي التقليدي”، كما يروق له أن يعلق ضاحكاً، علي شرويطيالمرغادي. الطريق التي سلك أخذته، بالأحرى، من مدينة الريش إلى بلدته في عمق جبال الأطلس. ولما تناهى إلى سمعه ما جرى من تعليق لكلبين على باب «قصر كلميمة»، بعد يومين فقط من إقامته بأملاكو، قال إن أحدهم أوجد خطة للمخزن لكي يفتك بسكان المنطقة وينتقم. وكان الملك قد أعطى تعليماته بإلغاء ذبيحة عيد الأضحى لسنة 1981، وأخبر بأنه سينوب عن “الأمة” في نحر الذبيحة. قرار الملك ناجم أساساً عن موجة الجفاف التي ضربت البلاد إلى جانب مضاعفات برنامج التقويم الهيكلي لحكومة المعطي بوعبيد. أما قرار التعذيب الجماعي لسكان المنطقة بسبب الواقعة، فلم يبرر سوى بسخط الملك القديم على كلميمة وأرباضها. إنّوقائع مارس 1973 لا زالت طرية.

لم يتسن لزايد الاجتماع بصديقه، فقد نشَط من أملاكو على عجل حتى لا يورط المنظمة في اعتقال أحد كوادرها الرئيسيين. لكن زايد سيعرف لاحقاً أشكال التعذيب الجهنمية التي لحقت بعلي شريوطيالمرغادي ومن معه. سبق أن سمع الهلالي لمرات، وهو طفل بعد، خبر اعتقال علي المرغادي واستقدامه من كلميمة إلى مدينة قصر السوق. خبر اعتقال المرغادي لا يخفى على سكان المدينة. ولربما ألفوا حبسه. رآه الهلالي لمرتين ينزل من سيارات المخزن مكبل اليدين، ومخفوراً بحراس كأنما هو من المجرمين العتاة. كان الولد يرى فيه بطلاً. البطل الذي قهر المخزن من غير سلاح ما خلا سلاح الكلمة. وعندما جعل يقتني جريدة «البيان» من مكتبة بوحصيرة بالمدينة، ومن أكشاك البيع بمكناس، بدايات السبعينات، كانت مقالات الرجل المتنوعة، سواء في رصد الأوضاع القاسية للسكان، أو في التعريف بموروثها الثقافي والتراثي، قد نالت حظها الكبير من اهتمامه. في الحقيقة، كان المرغادي ظاهرة كلميمة بامتياز. ولكم سرّ الهلالي أن يلفى مشتركاً في هذا الرجل مع زايد. درس زايد بمدينة ميدلت، وتابع الدراسة بالرباط، لينهيها بباريس. وللأسف، فغير المرغادي، مشتركهما هذا، لم يعثر الهلالي على قاسم آخر في المنطقة جدير باسترجاع ذكريات له بقصر السوق.

الكلام الذي تبادله زايد مع الهلالي بصدد «تفسكا 1981» جرى بينهما أثناء تواجدهما بمقهى الباهية في انتظار أن ينتهي مطعم «التحرير» بزنقة الجزاء من تحضير طلبيّة برسم غذاء مندوبي المنظمة إلى الندوة الوطنية الأولى. عقدت الندوة بقاعة سمية بتاريخ 21 و22 ماي 1983، وحملت اسم بوعبيد حمامة. ربما تكون قعدتهما بالباهية، ظهيرة اليوم الأول للندوة، هي الأولى من نوعها بعدما لم يعد ثمة من حاجة ملحاحة للسرية للتعارف أكثر. ولأول مرة سيكتشف الهلالي أن الاسم الأصل لمن يجالس، الساعة، هو عبد الكريم. زايد اسمه الحركي. عبد الكريم اسمه الشخصي الأصل. أسماء أخرى اشتمل بها الرجل وهو يجول البلاد مؤتمناً من قبل الم.سفي الخارج على إعادة بناء المنظمة في ضوء خطها الفكري والسياسي الجديد في الداخل. لا يدري الهلالي من أين تسرب إليه حدس بأن أواصر صداقة ما ستجمعه بزايد. مذ لقائهما الأول، في ما يذكر، توقعها. يناير 1979، كان الشارع المغربي يغلي بفعل الغلاء والتضييق على الحريات. وكانت الجامعة، إلى ذلك، تشهد مظاهرات بسبب استضافة الملك لشاه إيران المخلوع في 22 من الشهر عينه، أي بعد يومين فقط من ذكرى منع ا.و.ط.م.

قال زايد إنه فوجئ إبان زيارته لأملاكو بأحداث كلميمة. وكان زار سوق أربعاء تاديغوست. قال إنه وجد السوق شبه فارغ، فاستفظع مرآه. وبه وقف على حجم الخسائر الناتجة عن الجفاف النازل بالمنطقة. الخسائر أشد. والأُلبة قائمة، تلمسها في عيون الناس. أغراس أعقمت، بهائم نَفَقت. لا محاصيل ولا غلّات تذكر. قال إنه نزل إلى وادي غريس، فشقّ عليه أن يلفاه مغموراً بالقُلاع. لا ثغْبٌ ولا أطيانٌ ولا نبتٌ. يباسٌ في يباسٍ. وقال إنه كان ينوي توسيع رحلته إلى كلميمة ليومين أو أكثر، ولربما كان سيزور منزل صديقه شرويطيالمرغادي. غير أنه رجع إلى أملاكو. وما إن بلغه نبأ واقعة الخميس 10 أكتوبر حتى بارح المنطقة بالمرة عائداً إلى الرباط. ومن حسن حظه أن لا أحد يعرف عنه أنه يتعاطى للسياسة وإلا كان عرض عائلته لأسوء مآل. سكان البلدة يعرفون أنه يشتغل في الدولة، والقليل بينهم من يعرف أنه مهندس معادن.

منذ عادت القيادة من المنفى تراجع زايد عن الإشراف على عدة حقول. تراجع إشرافه، وأخذ يخلف فراغاً. الطلبة حقل بدأ يفتقد حضور الرجل. الذين رافقوا الرجل يتحسسون هذا التلكؤ منه، ولا يكنهون معناه. الهلالي يعزو هذا التطور إلى رغبة القيادة في تولي شؤون المنظمة مباشرة دونما وسيط، حتى ولو كان هذا الوسيط هو زايد. الجريدة كذلك استخذت للمنطق نفسه. يستوحش الهلالي لاجتماعات خليته لأواخر السبعينات. ولا يدري كيف يمكن أن تستعيد الخلية لمّتها وتألقها. لعلها تجربة كانت وانقضت. هي فترة حصلت في حياتهم، وهي الساعة تبتعد، وقطعاً لن تعود. أيامٌ حسانٌ هي، ولن تتكرر، كأنما هي بيضة العَقْر. الهواري زايل الحبس والتحق بهيئة تحرير الجريدة. التحناوتي يتطلع إلى الالتحاق كمتمرن بمكتب محام مكرس في محور القنيطرة_الدار البيضاء. هشام لم يعد بالرباط. نظم حفل وداع بشارع الجزائر. رفاق حضروا وشربوا وتمززوا وتعشوا وتنادروا. ورحل هشام مع جنات ووليدتهما إلى الدار البيضاء. الهلالي لا زال يبحث عن نفسه. لا أحد من هؤلاء كان يتصور أن لحظة تدعى بلحظة الافتراق ستحين يوماً. وها قد حانت. دقت ساعة الوداع. لم يجتمع أفراد الخلية كي يتوادعوا. لم يتوادعوا قط. لم يتعانقوا أو يتباوسوا أو يتحاضنوا، ثمّ يعلنون الوداع. سارت بهم السبل متفرقةً من غير أن يقرروا فيها. لا قرار اتخذوا. بعد خروج هشام والهواري من المطابق لم تعد الخلية إلى سابق عهدها. لكأن المرحلة طويت. لكأن آخرين، غيرهم، قرروا بالنيابة عنهم. على حين غفلة منهم، وفي غيابهم كذلك، حددت مصائرهم الجديدة. لا زنقة سبو جمعتهم من جديد، ولا القبيبات فعلت، ولا شارع الجزائر بادر. افترقوا في برودة زمن، وقد كانوا التمّوا في حرارة زمن. لم ينسحبوا على رؤوس الأصابع. بيد أنهم أيضاً لم يفكروا في الأمر. لم يتفقوا على انسحاب. هكذا، ألفوا أنفسهم فجأة متباعدين. الصورة الفوتوغرافية الوحيدة التي احتضنتهم أخذت لهم بمراكش بمناسبة زفاف. أخذوها رفقة خالد. غير هذه الصورة، لا يملكون دليلاً مادياً على اجتماعهم. حتى هذا الدليل لا يتوفر عليه أغلبهم. الهلالي لا يمتلكه. يتذكر أمر الصورة. لكن لا يمتلك الدليل عليه. ذاكرته تحتفظ بصورة لأربعتهم صحبة خالد. الاثنان مقعيان، والآخرون وقوف. خالد بين الواقفين. ثابتون في مكان، وخلفهم جدار نصفه، إلا قليلاً، من فسيفساء أندلسي. وكذلك بلاط الفناء مزلج. القسم من الجدار الخالي من الفسيفساء مجير بالأبيض. ويتصورون كما لو كانوا فريق رياضة. كان ذلك في فناء منزل رحيب من منازل مراكش التقليدية، منزل من طراز موريسكي. يتصورون مبتسمين أمام عدسة أحدهم. لقطة مجموع أخذت لهم، وتشملهم إلى جانب الجدار وقسم من البلاط. من يكون المصور؟ كانت إذاً هذه صورتهم، الصورة الوحيدة، قبل أن يتفرقوا. هذه حجة دامغة على أنهم كانوا يتعارفون. وكانوا فريق عمل، وقفير نحل. وخلية إن شئتم. تلك الصورة اليتيمة، بأشخاصها المبتسمين وبمتمماتها الزخرفية الفارقة، سكنت ذاكرة الهلالي وخياله. ولربما سكنتهما إلى آخر العمر. لكن الأولاد أيضاً كبروا. وهذه حقيقة أخرى. وهل من الممكن تجاهل حقيقتهم الجديدة هذه؟

هاجس، في عمق أعماق الهلالي، يقول إن شتاتهم هذا لن يطول. لاشك أنهم سيجتمعون. لا يمكن أن تنتهي الحكاية على هذا المنوال. هذه ليست نهايتها، يرسّ الصوت الخافت للهلالي..»