تفاصيل تنشر لأول مرة : أثنار يأمر الفرقة الخاصة GOE بإخلاء صخرة ليلى (4)

perejil chamalpost

تزامن التصعيد الدبلوماسي بين الرباط ومدريد مع النقش السنوي بمبنى البرلمان الإسباني ( الكورتيس ) يوم 15 يوليوز 2002حول القضايا الأساسية الكبرى الذي يعرف بـ ” نقاش الأمة ” El Debate De La Nacion وهو تمرين في برلمانات بعض الدول منها الولايات المتحدة الأمريكية يسمح بمعرفة أهم مشاريع الحكومة وقيام المؤسسة التشريعية بتقييم لأداء الجهاز التنفيذي، وما طبع النقاش خلال صيف 2002، وهو الأزمة الوليدة مع المغرب، وفي الساعة الحادية عشر صباحا انطلقت النقاشات وكانت النقطة الأولى الساخنة مرتبطة بالمغرب، جاء أثنار إلى البرلمان، وفي نفسه شيء من الوعيد للجار الجنوبي الذي حمله مسؤولية تدهور العلاقات وإحداث قطيعة من جانب واحد وبالقوة لحسن العلاقات بين البلدين داعيا إلى العودة لوضعية الحياد تجاه الجزيرة الصغيرة.

وبينما كان أثنار يدعو إلى التهدئة، كان وزير في الدفاع، فيدريكو تريو، يشرف على عملية التدخل العسكرية ” روميو سييرا “، ويدرس مع قادة الجيش تفاصيل التدخل لإخلاء الجزيرة ووضع العلم الإسباني عليها عوض المغربي، فرمزية العلم كانت قوية في هذه المواجهة.

بدا يوم 16 يوليوز ثقيلا وحاسما للأزمة الدبلوماسية القائمة التي تشابكت خيوطها في توقيت غير مناسب، فالصحف ظلت تقرع الطبول وتواصل تبادل الاتهامات، فيما وزيرة الخارجية، آنا بلاثيو، تحاول حشد مزيد من التأييد الأوروبي ضد المغرب، واحتمت الرباط خلف الجامعة العربية ودول الخليج العربي التي تربطها علاقات قوية بالمملكة، أما الجزائر فقد وجدت في الحادثة فرصة لتقوية ارتباطها مع أثنار والانتقام من المغرب، إذ أن أول رد فعل رسمي جزائري عبر عنه الوزير المكلف بالشؤون الإفريقية والمغاربية عبد القادر مساهل الذي اعتبر أن إقدام المغرب على نشر أفراد من قواته في جزيرة ليلى بأنه ” فرض للأمر الواقع ” و” خرق للشرعية الدولية ” و” انتهاك للحدود الموروثة عن الاستعمار “.

وأعلن مساهل أن ” الجزائر ” ترفض كل سياسة لفرض الأمر الواقع أو أي خرق للشرعية الدولية، وأن الجزائر تدافع عن هذا المبدأ سواء تعلق الأمر بقضية الصحراء او بالنزاعات المتولدة عن عدم احترام الحدود الموروثة عن الإستعمار ” ورغم أن الجزائر أحست بالحرج العربي والإسلامي الناجم عن موقفها فإنها لم تتراجع عنه.

وخلال نفس اليوم جرت عدة مكالمات بين بن عيسى وبلاثيو، ويقول بن عيسى ” كنت أحاول إقناعها أن الموجودين فوق الصخرة ليسوا جنودا، بل مجرد دركيين لمحاربة الهجرة السرية، لكن الأمر كان صعبا “. في نفس اليوم أيضا الثلاثاء 16 يوليوز، قامت طائرات ” سيسنا ” الخاصة بالتصوير الفوتوغرافي للقوات الجوية الإسبانية والمروحية ” سياهواك ” التابعة للفرقاطة ” نومانسيا ” بالتحليق فوق الجزيرة وأكدت وجود ستة دركيين مغاربة فقط، لكن رغم ذلك لم تكن وزارة الدفاع الإسبانية تعلم بالضبط عدد الجنود الذين ستواجههم عندما ستحط القوات الإسبانية فوقها بحكم أن جزيرة ليلى تتوفر على كهف يمكنه استيعاب 200 شخص.

فيما استدعى فاضل بن يعيش، المستشار الملكي في الشؤون الإسبانية، إلى منزله السفير الإسباني أرياس سلغادو لجس النبض ومعرفة النوايا الإسبانية حول ما إذا كانت هناك تحضيرات عسكرية جارية. اتصل سلغادو في نفس اللحظة أمام فاضل بن يعيش برامون خيل كاساريس، أحد المقربين من أثنار، فقال له كاساريس : ” لقد أخبرني الرئيس بأن لا شيء من هذا سيحصل “.

كان كاساريس هو وزير الخارجية الفعلي لدى أثنار يرافقه مثل ظله ويدون كل شيء في مذكرة لا تفارقه، لذلك فضل سلغادو الاتصال به عوض رئيسته المباشرة آنا بلاثيو، كان ضربا من الحمق إذن أن يخبر كاساريس السفير الإسباني بما يحضر له أثنار، ففي نفس اليوم 16 يوليوز الذي قال فيه كاساريس هذا الكلام للسفير سلغادو بمنزل فاضل بن يعيش قضت القوات الخاصة ( GOE ) يومها كاملا متخفية في قاعدة ” إيل كوبيرو ” قرب إشبيلية بعدما انتقلت من مقرها بقاعدة ” رباسا ” بأليكانتي، ثم انتقل 44 فردا من القوات الخاصة لقاعدة ” مورون دي لا فرونتيرا ” قرب إشبيلية التي تتقاسمها إسبانيا مع الولايات المتحدة في انتظار الضوء الأخضر من المونكلوا لبدء عملية التدخل في الجزيرة، كان هذا هو العدد من القوات الخاصة موزعا بين فرق التدخل وفرق الدعم. وتقع قاعدة ” مورون ” العسكرية على بعد 130 كيلومترا من جزيرة ليلى في خط مستقيم، غذ تم تفادي قاعدة ” روتا ” قرب قادس، لأن أي إنطلاق للطائرات منها سيلفت الانتباه.

عناصر من الفرقة الخاصة الإسبانية GOE
عناصر من الفرقة الخاصة الإسبانية GOE

وداخل قصر المونكلوا جرى اجتماع بين أثنار ووزير دفاعه والقادة العسكريين لتحديد ساعة الصفر، وفق ما يرويه وزير الدفاع الإسباني في مذكراته. وفي هذا الإجتماع استبعد العسكريون أن يكون أي رد عسكري من طرف الرباط على التدخل لإخلاء الصخرة، كما تم التذكير بالأجل الذي أعطته الوزيرة بلاثيو لنظيره بن عيسى من أجل أن يقدم المغرب على إخلاء الصخرة الصغيرة قبل غروب شمس يوم 16 يوليوز، وهوما لم يحدث حسب الرواية الإسبانية.

وحوالي الساعة الثامنة من مساءا بتوقيت المغرب، العاشرة بتوقيت إسبانيا، إتصلت بلاثيو بالسفير سلغادو وقالت له : ” لقد تقرر الأمر، عليك العودة إلى الوزارة ” دون إعطاء مزيد من التوضيحات لعلمها بأن المكالمة قد تكون مرصودة، وسألها السفير ما إذا كان بإمكانه أن يستقل أول طائرة متجهة في اليوم الموالي إلى مدريد، فأجابته بلاثيو : ” لا، عليك أن تغادر المغرب هذه الليلة “.

تقرر أن يسافر سلغادو إلى مدينة سبتة، كان الأمر بالنسبة إليه سباقا ضد الساعة للوصول إلى الثغر في أقرب وقت، وفي الطريق استمع إلى بيان وزارة الخارجية الإسبانية على أمواج إحدى الإذاعات الإسبانية الذي جاء فيه : ” بعد مجموعة من الإجراءات الدبلوماسية التي كانت نتائجها سلبية، قررت الحكومة إستدعاء سفير إسبانيا بالمغرب للتشاور لأجل غير محدد ” وفي ظل تلك الظروف غير العادية كان من الطبيعي أن ترصد الإستخبارات المغربية تحركات السفير الإسباني، فتم الإشعار بمروره بمدينة تطوان، ثم بدخوله إلى سبتة في وقت متأخر من ليلة 16/17 يوليوز.

وفي نفس الليلة، جرى إجتماع بالرباط على أعلى مستوى لبحث آخر تطورات الملف، كانت هناك معلومات بتدبير أثنار لتدخل عسكري، لكن الأمر ظل ملفوفا بالغموض، وتم الإتفاق على الإنسحاب من الجزيرة قبل منتصف نهار يوم 17 يوليوز، والعودة إلى وضع ما قبل إنزال الدركيين، وهو الإتفاق الذي أبلغت به السفيرة الأمريكية بالرباط مارغريت توتيلر، في نفس الليلة، من طرف وزير الخارجية بن عيسى وكات الدولة في الخارجية الطيب الفاسي الفهري، وبعدها إتصلت بلاثيو بمحمد بن عيسى فأبلغها قرار المغرب الانسحاب.

لكن بلاثيو ستعيد الإتصال به بعد مدة لتجري بينهما آخر مكالمة قبيل التدخل العسكري، وكشف بن عيسى أمام البرلمان المغربي ( ساعات بعد حصول التدخل العسكري ) تفاصيل المكالمة الأخيرة التي دارت بينه وبين بلاثيو في ساعة متأخرة من الليل، وذلك قبيل لحظات من الإجتياح الإسباني لجزيرة ليلى، قائلا : ” إن الإتصالات التي جرت يوم 16 يوليوز أثمرت إتفاقا كان سينسحب المغرب بموجبه من الجزيرة قبل منتصف نهار يوم 17 يوليوز “.

وزاد بن عيسى : ” هاتفتني الوزيرة الإسبانية مباشرة وفوجئت بأن بلاثيو، كانت مضطربة ومتشنجة، وسألتني إن كان العرض الذي تقدم به المغرب يحظى بموافقة القيادة المغربية، فأكدت لها ذلك، كما طلبت مني أن لا يدخل المغرب ضمن حسابات الملفات العالقة موضوع سبتة ومليلية المحتلتين، فأكدت لها أن ذلك لا يدخل ضمن تصور المغرب الذي يعتبر أن هذا الموضوع لم يحن وقته بعد “.

وأضاف بن عيسى أن بلاثيو فاجأته بقولها : ” إذا كنتم جادين فيجب أن تأمروا بخروج أفراد القوات المغربية حالا من الجزيرة ” فرد عليها بن عيسى، وكانت الساعة تشير إلى الرابعة إلا خمس دقائق صباحا : ” سيدتي الساعة الآن في بطن الليل، وأنا وأنت كوزراء خارجية لا نصدر الأوامر للممارسات الأمنية، فانتظري حتى طلوع الشمس، وقبيل منتصف النهار سننسحب ” ووصف بن عيسى الحالة التي كانت عليها الوزيرة الإسبانية آنذاك، وقال إنها كانت متشنجة، وكلمته بلغة حادة : ” إما أن يتم الإنسحاب حالا أو لا شيء “.

وزاد بن عيسى أن إسبانيا فرضت شروطا تعجيزية، كمطالبة وزيرة الخارجية بحل الأزمة على الساعة الرابعة فجر يوم 17 يوليوز، وطلبت منه إيقاظ الملك محمد السادس وإعطاء تعليماته للدركيين للخروج من جزيرة ليلة في نفس اللحظة.

 يتبع

0