تكريما لمحمد السرغيني

أثارت مجموعة من الصور تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي تغطي نشاطا لإحدى الجمعيات بمقر ناد يوجد بمدينة تطوان استياء عارما في الوسط الفني التشكيلي بخاصة، بحيث أن ما أثار حفيظة الفنانين المغاربة هو وضع الجمعية المنظمة للافتتها التي تؤرخ لنشاطها هذا فوق عمل فني كبير للفنان التشكيلي وأول مدير المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان الفقيد محمد السرغيني، بحيث أن الهيئة المنظمة لم تفكر لا في قيمة العمل الذي حجبته عن البصر، ولا في دلالة هذا الفعل من الناحية الرمزية بوصفه يشكل استخفافا بالفن والفنان في الآن ذاته. والمشكلة ليست تتعلق بما إذا كان الفعل في حد ذاته يقصد الإساءة ،بل الأكثر مرارة هو أنه ليس بالسابقة الأولى من نوعها، إذ تكرر انتهاك حرمة هذه اللوحة بالذات عدة مرات مما يسمح بالقول بأنه أصبح تقليدا بالنسبة لمستعملي هذا الفضاء للعرض الثقافي.

لذا فإن القسط الأوفر من المسؤولية في تقديري الشخصي يتحمله المكتب المسير للنادي نفسه، ورئيسه بالدرجة الأولى، كما يتحمل المنظمون وزر هذه الآفة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد صورة لتزيين القاعة وإنما بأثر فني كبير لفنان عالم وإطار وطني كون أجيالا من التشكيليين الذين يعترفون بفضله عليهم فيما اكتسبوه من تعلمات خلال فترة دراستهم بالمدرسة المذكورة.

وجدير بالذكر أن محمد السرغيني ولد بالعرائش سنة 1923، وحل بتطوان من أجل متابعة دراسته، وعمق تكوينه في تخصص الرسم والحفر والنحت بمدرسة الفنون الجميلة بمدريد التي كان يدرس بها أيضا الفنان الإسباني الكبير بابلو بيكاسو. وقد كان، إلى جانب آخرين، يمثل وساطة. إنه رجل الانتقال، جسر مقذوف بين ضفة معروفة ومحروثة جيدا وضفة بورية يتعين بناؤها. ويشهد عمله بصورة مشرقة في الوقت نفسه على العزم للمضي قدما في طريق شاق، لكن أيضا على الشكوك والاعتماد على المحاولة والخطأ في هذا المسار القائم على المبادرة، فهو لم يكن يبحث عن القطيعة وإنما عن التجاوز، وليس عن البتر وإنما عن التعالي. فأن نتحدث عن مكانة محمد السرغيني في أعين الفنانين الذين يتابعون اليوم هذا البحث، هو أن نقول كم يعد الفن التشكيلي المغربي مدينا له.

“محمد السرغيني” كان يوجد في واسطة العقد، يسحب الصناع التقليديين باتجاه الحداثة، ويحض الفنانين التشكيليين على استثمار ثراء التراث والفنون التقليدية”، هكذا يلخص المهدي السرغيني، نجل الراحل، سيرة والده في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء.

وقد كتب الشاعر محمد جارودي في نص بعنوان “معلم زمنه” : “إذا كانت هناك صعوبة في الحديث عن محمد السرغيني ،فذلك لأنه كان فنانا متكتما، إذ قلما تكلم عن أعماله “. فهو أول مدير لمدرسة الفنون الجميلة بتطوان في بدايات استقلال المغرب، وعرف بصرامته مع زملائه من الأساتذة ومع طلبته، مما جعل مساره كإداري محفزا لأجيال من الفنانين على بذل أقسى جهدهم من أجل تعلم الفن كما ينبغي وعلى أن يكونوا مفخرة لمدرستهم. ويعد محمد السرغيني رائدا للفن التشكيلي على حد قول عمر عزيمان الذي أقر بأن إسم الرجل يوقظ في نفسه مجموعة من الصور والذكريات الهاربة من ذاكرة طفولته، فقد كانت بينهما صداقة وطيدة خولت لعمر عزيمان كتابة شهادة سجل فيها ما يلي :”عرفت محمد السرغيني من خلال أبيه …عندما أمسك إدارة مدرسة الفنون الجميلة…محمد السرغيني الذي لم تكن لديه بعد لحيته الأسطورية جاء إلى المنزل ليتحدث عن الثقافة والتكوين مع أبيه، ولما كان لدينا أحد الجيران، هو الآخر فنان، إسمه كارلوس غاييغو الذي كان بدوره أستاذا بمدرسة الفنون الجميلة، فإن الطفل الذي كنته لم يكن أبدا بعيدا عن هذه الاجتماعات الحميمية.”

يضيف عمر عزيمان في شهادته : “كنت بعيدا عن معرفة كيف أن محمد السرغيني كان أول مغربي قام ،قبل ولادتي، بدراسات عليا بمدرسة الفنون الجميلة بمدريد، وذلك عام 1942. ولم أكن أعرف أيضا أنه كان أول مدير مغربي للمدرسة الفنون الجميلة بتطوان، حيث كان أمامه تحد كبير كخلف لامع لسلفه ماريانو بيرتوتشي، مؤسس المدرسة ووجه رمزي للمشهد الفني للحماية الاسبانية.

ولم أعرف إلا متأخرا بأن محمد السرغيني هو الذي نظم وبنين مدرسة تطوان وارتقى بها إلى مصاف كبريات المدارس الاسبانية، وهو الذي سمح لفنانين مغاربة آخرين مثل عبد الله الفخار، المكي مغارة أو سعد بن سفاج بأن يلتحقوا بطاقم الأساتذة فيها، وهذا الحدث قي حد ذاته كان مهما بالنظر إلى سياق المرحلة، ويتجلى ذلك بالخصوص حينما نعرف بأن هذه النواة الأولية التي سوف تنخرط في الأبحاث هي التي ستطبع بخاتمها، على امتداد وقت طويل، أجيالا أخرى، باستعارة مسارات متعددة “.

إنها لحظة تأسيسية لإبداع هائل، حيث كانت مقاربات غير منشورة، في عمليات دمج مشرقة، تميل إلى مزاوجة المعرفة وحسن التصرف المكتسبين من المدارس الاسبانية مع ثقافة موغلة في القدم ، تخلو من التعبير التصويري وشخصية مغربية تبحث عن ذاتها.

وفي الحقيقة فإن وضعية الإرث التشكيلي الفني البصري الذي تزخر به مدينة تطوان والذي ساهم فيه عدد من الفنانين الاسبان والمغاربة على السواء في حالة كارثية يندى لها الجبين، فما حدث بقاعة النادي المشار إليه أعلاه وقع أيضا بقاعة الندوات التابعة للبلدية، بحيث أن “نبوغ” المنتخبين تفتقت عنه أفكار شوهت جدارية صالاص من خلال إنشاء صندوق مصنوع من الخشب والزجاج لحفظ التجهيز الصوتي للقاعة طوله يتجاوز الجزء الأسفل من الجدارية نفسها التي وضعت عليها صورة صغيرة لجلالة الملك محمد السادس ما أدى في الواقع إلى تبخيس قيمة الصورتين الفنية والفوتوغرافية معا، كما أن التصميم المتبع في الإنارة جعل المصابيح النازلة من السقف بواسطة السلاسل تحجب هي الأخرى أجزاء من هذه الجدارية، فضلا عن وضع قطعة من الورق كتبت عليها عبارة “قاعة الندوات” فوق هذا العمل الفني الذي سبق لصاحبه أن رسم بورتريها للمغفور له محمد الخامس في لوحة زيتية ذات حجم كبير توجد بثانوية القاضي عياض التأهيلية وهي في حالة متردية ما يستدعي ترميمها في أقرب وقت، مادام هذا الأمر ما زال ممكنا إلى حدود هذه اللحظة من أجل إنقاذها من التلف، ومكانها الحقيقي يجب أن يكون هو مركز الفن الحديث، فضلا عن جداريات المحطة الطرقية القديمة التي أغلقت دون تحويلها إلى مركز تجاري يسمح لهذه الجداريات المحيطة بوسطها أن تكون موضوع تثمين من قبل كل من يرتاد المكان المذكور.