جدلية الأنا والغير في أدب المنفى.. “حكايات المنفى، عبسليمو النصراني” لعبد الحميد البجوقي نموذجا

محمد الخشين

يسمح الإبداع الفني بالمعرفة أو بالأحرى بإعادة معرفة الواقعي والقيام بإعادة اكتشاف تكافح النسيان.وهذا ما يبينه عبد الحميد البجوقي في حكايات المنفى على لسان يوسف ابن عبسليمو النصراني في ص133″الخيال حبيبتي لا يصنع الروايات،خيال الكاتب يمتح من الواقع،وغالبا ما يمتح من حياته”. في الفن نحن نتعامل مع تحول أو تجل في عمل معين:فالواقع يتحول،ونحن أنفسنا نتحول مع عمل الفن،الحامل للحقيقة،ففي مواجهة عمل فني محدد،تتمظهر حقيقة ما تكشف الواقع والبشر،وتسمح لهم بأن يتعرفوا من جديد على أنفسهم،إن الفن يظهر كحدث للحقيقة كانفتاح للعالم،وانكشاف للموجود. كما يشير إلى ذلك غاداممير.وتتمثل الحقيقة التاريخية في حكايات المنفى في الكشف عن الأسباب التاريخية التي أدت إلى ظهور الكراهية كشكل من أشكال الوعي في إسبانيا.(ص78 من الرواية، وقد وردت على لسان المحامي لوكاس، وهذا المنظور يساعد على استجلاء دوافع الكراهية بين البايوس والخايطانوس من جهة، وبين البايوس والمورو من جهة ثانية)

انطلاقا من هنا يمكنني القول بأن عبد الحميد البجوقي لم يقرر ذات يوم جميل بينه وبين نفسه أن يكتب الرواية لكي يؤلف “عيون المنفى “أو “حكايات المنفى عبسليمو النصراني.(عبد الحميد البجوقي كما عرفته :بمعرفة مباشرة.وبمعرفة من خلال عزيز الركراكي).فتأليف رواية أو إبداع عمل فني ما لا يتحقق إلا بالنظر إلى ضرورة ما كما قال دولوز.

وفي سبر الأغوار النفسية لشخوصه (يوسف ،أريناس، نانوكا، رومانو، عبسليمو…) ركز عبد الحميد البجوقي على المقاربة التحليلنفسية :(حوار نانوكا مع ريموندو ابن خالتها المغرم بدوري|:ص 38″بريما كيف حالك وكيف حال صديقتك العزيزة دوري”.فهمت نانوكا قصده وابتسمت وهي تجيب:”بخير وجئت أبحث عنك لتشرح لي موضوعا يؤرقني”ص40 يقول رايموندو لنانوكا “يبدو أنك متعطشة صغيرتي، والأحسن أن نترك هذا الموضوع لجلسة هادئة تستدعين فيها صديقاتك فأشرح لكن بتفصيل تاريخ أجدادنا. فهمت نانوكا قصد ابن خالتها المتيم بحب صديقتها دوري، وفهمت أنه يريد أن يستغل المناسبة للقائها …ولا يفوتني أن أشير في هذا السياق إلى وجود مقاطع ذات بعد ايروتيكي في الرواية، لكي لا أقول بورنوغرافية.في ص 132 على سبيل المثال، نقرأ : “ارتعشت أريناس في أحضان يوسف واستسلمت لمداعبته تطلق بين الفينة والأخرى أنينا رقيقا وتأوهات من فرط المتعة، وواصل هو يتلمس بشفتيه كل قطعة من جسدها الناصع البياض”حبيبتي أريناس، لم تخطئ أمك إذ سمتك بما يعني الوردة في الأمازيغية”. لم تجبه أريناس واستمرت تتأوه وتلتصق بأنفها في صدره مستنشقة عبير الفحولة المنبعث منه، بلطافة متناهية نزعت عنه ملابسه، وتخلصت من قميص حريري أحمر، واختلطا في نزوة من المتعة لا يسمع منها إلا الأنين والتأوهات.

المنفى كمصدر للإلهام:

إن تجربة المنفى يمكن أن تؤدي إلى ظهورإنتاج فني بوجه عام ، وهذا يصدق على العمل الأدبي بامتياز، بالنظر إلى ما تحمله من مفاجآت، آلام وإقصاء. فالفرد الذي يعيش اضطرابات التاريخ ويجابه الاختلاف (في الثقافة،اللغة والمجتمع) يجد نفسه منقادا إلى تنظيم مساره في الرواية، في شكل شهادة مثلا، وأن يعيد ابتكار الصور الأدبية والشعرية مقصيا أحيانا الثقافة واللغة المضيفتين. وتمثل التجربة الجمعية للمنفى، والغرابة المعاشة، لحظة الاقتلاع من الجذور التي يشير إليها إدوارد غليسان Edouard Glissant بواسطة مصطلحي “العودة” والانعطاف”.فهل يؤدي هذا العد التنازلي للمنفى إلى زعزعة أسس الجماعة أم إلى صمودها؟

أمام هاجس العودة ستحاول الشعوب التي تعيش في الشتات والتي تواجه تجربة هيمنة الآخر،في هذا الانتقال من الذات إلى الذات،إعادة تشكيل هوية جمعية. بحيث تصبح اللغة الأداة الأساسية لهذه الهوية. يجد المنفي نفسه في وضعية عزل مزدوجة، ذلك أنه منبوذ في مجتمعه، ومقصي في ثقافته بالتبني. فماذا يمكن لهؤلاء الأفراد الموجودين في وضعية دونية سياسيا واقتصاديا، المنفيين عن بلدانهم الأصلية، أن يقولوا بصفة فعلية؟ حول ماذا يتساءل مفكرون مثل غاياتري سبيفاك Gayatri Spivak أو إدوارد سعيد،ومؤلفون مثل محمود درويش ، شاعر المنهزمين، أو عبد الحميد البجوقي المناضل المعارض في الخارج؟.

هناك أيضا الكاتب :جيمس جويس James Joyce، الذي ترك إيرلندا إلى الأبد بشكل طوعي، صنع من المنفى سلاح الكاتب وطريقة للاستفاقة مما سماه على لسان ستيفان ديدالوس Stephen Dedalus ب”كابوس التاريخ”. يتساءل المنفي الذي يجد مأواه في الكتابة حول ذاته ومن أين أتى، وماذا يكتب؟ ولمن هذه الكتابة؟ويعد كافكا من بين أفضل رموز أدب المنفى،ةوهو تشيكي، كتب باللغة الألمانية، عاش في باريس بجواز سفر فرنسي، وفقد في الليل وفي الضباب النازي وسطه الأصلي، قبل أن يفقد مكان ولادته.

ينتهي المنفي إلى تجسيد وضعية فنية، في مسافة مع ثقافة البلد الذي يعبره.، عن طريق علاقة الغرابة. سيكون من المهم طرح السؤال حول الدور الذي لعبه الفنانون الذين ينتمون لجماعات تعيش في الشتات في أنشطة طليعية . حيث تصبح اللغة الأدبية للمنفي قضية أساسية وديناميكية للإبداع، تخريبية كانت أم هجينة أم توفيقية أم هامشية بصورة إرادية. هنا لا يحتاج الملاحظ إلى ذكاء كبير مثلا لكي يسجل الطابع المتداخل للعلامات والرموز اللسانية في “حكايات المنفى”.

بعيدا عن الوطن الكبير إسبانيا، لم يكن الكتاب الأمريكيون باللغة الإسبانية يخشون أبدا المنفى. في الأرجنتين مثلا كان “نفي الأدباء، كما أشار إلى لك خوان خوسي سايير ، تقريبا عبارة عن تقليد”، وهو يعترف في الوقت نفسه بأنه لا يوجد منفى إرادي. ومع ذلك، وعلى عكس الحظر الموجود في إسبانيا، الناشئ عن انتصار الفرانكوية، والمؤدي إلى مطاردتهم من بلدانهم والذين شعروا بهروبهم كهزيمة (المهزومون 1968 عنوان الرواية- الشهادة للكطلاني كسافي بنغريل، كتمزق وكجرح مفتوح، وانزياح تراجيدي عن التاريخ، لم يذق الأمريكيون اللاتينيون على العموم كثيرا من الشر، أو أن هذا الشر ليس من نفس الطبيعة. فبمغادرتهم لبلدهم ، التحقوا بمجال الاسبانية الأوسع الذي وصفه المكسيكي كارلوس فوينتيس بصفة دقيقة وساخرة وبشكل ثقافي أكثر مما هو جغرافي بصفته يتميز بحقيقة نادرة في إزالة الغموض عن الجذور والأساطير.

فجوة المنفى هذه يمكن أن تؤدي إلى انكماش إرادي أمام جماعة وطنية ظالمة، وفي مواجهة رفض اللغة الأم الحارقة. هكذا يقرر لويس وولفسون Louis Wolfson مثلا تنحية اللغة الانجليزية من نثره، بغاية إعادة ابتكار لغة هجينة. وبطريقة سياسية، شرع كارلوس فوينتيس في إزالة الغموض حول الجذور والأساطير في عمله Terra Nostra (1975) ، ولم يتردد في القول:”كلنا منفيون في عالم بدون مركز”« Nous sommes tous aujourd’hui des exilés dans un monde sans centre. ». وبرفضه كل هوية شاذة، غريبة الأطوار،اعتبر كارلوس فوينتيس بأن هناك وحدة ثقافية لاتينية تتعالى عن الحدود الوطنية. فهل بإمكان المنفى أن يمحو إذن التمييز التقليدي بين المركز والمحيط؟ إن المنفى، على هذا النحو، يضعنا أمام جدلية الانتماء والإقصاء.

ويمكن القول بأن التأكيد على المبادلات الثقافية يشجع على إعادة تشكيل المجال الأدبي وانتماءاته، وعلى رأسها الانتماء اللغوي. كابتعاد وكاختلاف ،أليس مفهوم المنفى يتطابق مع الاكتئاب الناتج عن مواجهة المحلي لشمولية العلاقات والمبادلات؟ فما هو غير قابل للترجمة مثلا يجعل اللغة تقاوم بطريقة خلاقة كل شفافية ساذجة، وكل تمثل مباشر للمتعدد في المشترك.وعليه،ينبغي أن نتساءل حول ما إذا كان مفهوم المنفى بوصفه متحولا في السياق السياسي والثقافي للعالم في شموليته، لا يسمح بالحفر واستكشاف مفارقات الأدب العالمي”.

تنتهي “حكايات المنفى “أو “عبسليمو النصراني” إلى ما يمكن اعتباره بصفته درسا حكميا حول مفهوم الهوية، وقد ورد على لسان أريناس “…الأصل في الهوية هو الإنسان …الانتماء لا يرتبط بالأرض..الوطن لا تسيجه الحدود ولا اللغات ولا الديانات”مما يعني ، بالنسبة لي على الأقل أن ثمة تجاوز هنا للعالم الاسبانوفوني في صورته الواسعة إلى الفضاء الأرحب للإنسانية.