“جوكر” ونظرة المجتمع المغربي للمرض النفسي

لعل ما يميز هذا الفيلم عن غيره، أن جميع من سيشاهده سيتذكر لقطة في حياته يمكن ان يكون قد تصادف مع مريض نفسي، ويمكن انيكون من الذين لم يفهموه، بل واعتبروا ما يقوم به هو نوع من “الفشاحة او الفشوش” وعدم الاحترام للمحيطين به.

في لقطة من لقطات الفيلم يقوم أرتور فليك (الاسم الحقيقي لجوكر) بمحاولة إضحاك طفل يركب قبله في الحافلة المهترئة التي تقلهم؛ معالعلم بأن هذا البهلوان القليل الحظ، سبق وتعرض في نفس اليوم للإهانة ولضرب مهين في الشارع، وسبق أن سمع كلامًا قاسيًا من عندرئيسه في العمل والذي وبخه عوض ان يسأله عن حالته الصحية بعدما تعرض للضرب، وسبق كذلك ان مر من عند المساعدة الاجتماعية التي يلتقيها كل أسبوع والتي أكدت على ضرورة متابعته لأخذ السبع أنواع من الأدوية وأن يكمل كتابة يومياته حتى لا يعود لمستشفى الأمراضالعقلية.

د. أيمن الغازي الهراس
د. أيمن الغازي الهراس

  يحاول جوكر رسم الابتسامة على وجه طفل صغير جالس مع والدته، يفلح في ذلك، يضحك الولد مرة أولى وثانية وثالثة، فتغضب الأم وتستديرلتقوله له وهي تصرخ فيه وفي ابنها ” أوقف هذه الحركات، لا تتكلم مع ولدي ولا تزعجني وأنت إستدر ولا تتكلم مع هذا الأحمق” يتفاجئالجوكر أمام هذه الوضعية التي لم يكن يتصورها؛ فهو وبالرغم من مشاكله يحاول أن يرسم إبتسامة على وجوه الأطفال ليس إلا. وعندها تبدأحالة “الضحك الغير متوقف والمتزايد” التي تنتاب أرتور عندما يحس بالخوف أو بضيق الحال وبالتوتر. بطبيعة الحال، الوالدة لن تتفهموستعتبر هذه الوضعية نوعًا من أنواع الإستهزاء “لما تضحك؟ هل يوجد ما يستدعي الضحك؟” ويستمر أرتور بالضحك وكلما زاد صراخالمرأة يزداد خوفه وضحكاته… يتذكر ويخرج ورقة ليعطيها للمرأة الغاضبة، مكتوب عليها “آسف، انا أعاني من مرض نفسي، وفي حالاتالخوف والتوتر، أبدأ بهذه الأزمة ولا أتوقف حتى ارتاح قليلا، أنا آسف”، هذه الحالات العصبية تدعى “أزمة الصرع الضاحك” crisis epilepsia gelastica وتحدث ل 0,2% من حالات مرضى الصرع، وغالبا ماتكون مقرونة بأمراض نفسية وعصبية أخرى وكذا عند إقترانها بسرطانات متواجدة على مستوى الدماغ (ورم خللي النسيج في الوِطاءHarmatoma Hipotalamico)
هذه الأزمات تشكل ضغطًا مضاعف على المريض؛ لأنه إذا كان مغميا عليه كما هو الحال في العديد من أزمات الصرع،فهو لن يحس بما يدور حوله، ولكن إذا وقعت له هذه الأزمة وهو واعي، فالمشكل أمام الحاضرين الذين لا يتفهمون، يكوناكبر وبالتالي يزيد الضغط وتزيد الأزمة في الوقت وفِي إجهاد دماغ المريض.

هذا النوع من المرض يمكن محاصرته وتحسين ظروف عيش المريض بالمتابعة اللازمة، وبالأدوية الضرورية وكذا بأن يتفهم المحيط بأن هذهالحالات هي غير إرادية ولا تعني بتاتًا أنه يقلل من إحترام الآخرين، حتى ينقص الأرق وتقف الأزمة.

والحقيقة انه يلزم التوعية بالمرض النفسي والعقلي في مجتمعنا، خصوصًا مع احصائيات منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، التي تشيرإلى أن الدول العربية تتصدر العالم في نسبة الاكتئاب (واحد من الأعراض الأولية للأمراض النفسية)، خصوصًا مع تفاقم القلق واليأسبسرعة وغياب الاستقرار فيها والزيادة السريعة للطابع الحضري للحياة. وربما أن ما يزيد المشكلة في بلدنا هي النظرة التاريخية التي كانتتلاحق الأمراض النفسية والعقلية باعتبارها شرا وسيطرة من أرواح خبيثة وعملا من أعمال الشيطان، وكان ينظر إلى المرضى بوصفهم أناسامنبوذين يحاولون معهم بالطرق التقليدية فإن لم يستجيبوا يتم ربطهم في الزوايا حتى تتخلص العائلة منهم ومن الشياطين التي تتلبسهم. والحقيقة انه بمرض كباقي الأمراض يعالج ويؤطر ويستطيع المريض المضي قدمًا في حياته.