حسن أوريد : مرآة الذات المتشظية” قراءة نقدية في كتاب “مرآة الغرب المنكسرة”

لا يفتر الأستاذ أوريد، ومن إصدار إلى آخر في أن يجعل كتاباته جسرا ممدودا لإعادة توضيب العلاقة المشوبة بين الشرق و الغرب، سواء من خلال عمله الميداني المطلع بمركز طارق بن زياد او من خلال كتاباته في هذا المجال، اذ يحاول هذا الكاتب دائما جهده الدؤوب تقديم الشرق الى الغرب وفي القلب منه الإسلام بصورة مغايرة اقرب إلى حقيقته منه إلى استيهامات المستشرقين في أفق تجاوز منظوري السيطرة والعداوة الذين حكما هذه العلاقة منذ تاريخ طويل، مع إرساء دعائم المشاركة والنقاش والإنصات المتبادل، ويأتي كتاب “مرآة الغرب المنكسرة” الصادر سنة 2010، نموذجا لهذا العمل الطموح، ونظرا لأهمية هذا الموضوع في المرحلة التاريخية من تاريخينا المعاصر الذي نحاول من خلاله الولوج الى روح العصر صار لزاما علينا مناقشة الأسس التي يقوم عليها خطاب التوافق هذا، محدداته، مضمراته ومعلناته.

يستهل الكاتب مقدمة إصداره بالإحالة إلى واقعة معاشة معاينة لا تقبل الجدال، وهي أن الغرب يعيش أزمة اقتصادية منذ سنة 2008 . هذه الأزمة سيحاول الكاتب أن يناقش جذورها “باعتبارها تجليا لازمة أعمق تعتر العالم الغربي، ومن ثمة يطرح السؤال عن بنياته المفاهيمية ” (كل الاستشهادات التي نضعها بين مزدوجتين ماخوذة من الكتاب) الأزمة الاقتصادية هي إذن منذ المقدمة أزمة مفاهيم مؤسسة (بكسر السين الاولى و فتح الثانية)، ونقول المفاهيم المؤسسة لان الجملة الاستفهامية التي تلي هذا الاستشهاد تقول: “هل لازال الغرب يأتمر بفلسفة الأنوار التي جعلت غايتها تحرير الإنسان من كل أشكال القهر والاستغلال؟” مما يبين بجلاء أن الكاتب سيركز نقده على الفلسفة الحاضنة لبنية المفاهيم المؤسسة التي هي فلسفة الأنوار, وبالتالي سيكون الكتاب انسجاما مع هذا الإعلان، ذو منحى تفكيكي يتوسل الكشف عن أسس الأزمة الراهنة من خلال تداعيات المفاهيم الراشحة عن بنية فلسفة الأنوار. واستتباعا تصبح الأزمة الاقتصادية في الوقت الحالي عنوانا لأزمة فكرية شاملة وصلها الغرب. لذا  “الم يخن الغرب نفسه ؟” وهي الصيغة التي تعيدنا إلى جوهر رؤية الكاتب التي مفادها أن الأزمة الاقتصادية الراهنة هي بسبب زيغان الغرب عن مبادئ فلسفته التي هي فلسفة الأنوار وخيانته لها ، إذن فالدعوة المعلنة في ثنايا هذا الخطاب السلفي ستكون في العودة إلى أصول الأنوار، التي يعتبر الاقتصاد احد تمظهراتها، وسيتكفل الكاتب بإبراز باقي جوانب الأزمة وباقي مجالات انعكاسها. وسينصب النقد بناء عليه على فلسفة الأنوار التي إما بطريقة جينيالوجية حملت في أحشاءها أسباب التردي القيمي والمفاهيمي، او انه في سياق التاريخ تمت خيانة الأنوار و تم التخلي بالتالي عن مبادئها لصالح فلسفة أخرى وقيم أخرى مناقضة.

مشروع الكتاب إذن مبني على ما أصبح وعيا من واقع أزمة الغرب. وبما أن “الغرب ليس مفهوما جغرافيا بل حضاريا. شرائح واسعة من دول العالم الثالث تعيش حياتها وفق إيقاع الغرب ونظام عيشه…..شرائح درست في مدارس الغرب ، وتتأثر طرقه، وتجري حياتها على نظمه…” تصبح إذن معالجة هذا الغرب في شتى مجالاته “ليست مسالة صورية ،ولا حذلقة ذهنية لحشر الأنف في قضايا الآخرين .. فالآخر اقرب إلينا من حبل الوريد . هو جزء من “نحن” ” فشرعية المعالجة للغرب تستمد موضوعيتها لدى الكاتب إلى وجود هذه الفئة التي “تجري حياتها على نظمه – أي الغرب – وتفرض تصوراتها على مجتمعاتها وهي صاحبة القرار” إذن وحسب ما يفهم من السياق فالكاتب يجيب على مشاغل وأسئلة هذه الفئة الحاكمة المرتبطة بالغرب ليبدد بعضا من مخاوفها وقلقها، بسبب ما ينيخه هذا الظل الكثيف للازمة على توجهاتها الفكرية ومصالحها المادية وذلك “ببذله لمادة قلما تتاح لقارئ العربية” كما يقول. ونحن نوصي القارئ أن يدخل هذا القول في باب الدعاية لان جميع المادة بالكتاب مبتذلة و مكرورة.

كل قراءة نقدية لدى الكاتب للغرب هي في الأصل قراءة في فلسفة الأنوار، وكل عودة إلى الأنوار هو في العمق عودة إلى أصولها  الحضارية، مادام الغرب واقعا حضاريا حسب الكاتب، فهو إذن وحدة مبنينة، لها أصل واحد، أس مانع، وقعر جامع، قد تختلف الفروع والتفاصيل لكن الجوهر واحد، وجوهر الحضارة الغربية هو المسيحية. سيدلل الكاتب على قوله هذا بما أوتي من كلام ليخلص إلى أن حضارة الغرب نجحت لحدود الآن، وقبل أن تستفحل الأزمة الراهنة، لأنها بقيت مسيحية. فرغم ما يتبادر إلى الذهن من كون فلسفة الأنوار تبدت وكأنها ثورة على الدين، فإنها في رأي الكاتب تبنت كثيرا من قيمه ومنهجيته “فللإنسان كرامة مطلقة كما تقول الأديان التوحيدية وللمواطن حقوق والناس يولدون أحرارا كما كتب روسو في عقده الاجتماعي وكما سطره إعلان حقوق الإنسان والمواطن” ولكي يدلل على ما يقول اكثر، ينهي الجملة التي تلي هذا القول بنفس اللازمة التي هي “الإنسان و المواطن” كأننا أمام خلاصة متشابهة وواقع الأمر نحن أمام حشو لغوي متشابه فيقول: “وكما ان التراث اليهودي – المسيحي على الأقل في بعده المسيحي ذو نزوع كوني فكذلك الشأن بالنسبة لحقوق الإنسان و المواطن”. ويؤكد في موضع آخر انه ” لا يمكن أن ألا نرى وشائج بين الوصايا العشر وبين إعلان حقوق الإنسان والمواطن” كل ما أنتج الغرب من قيم، كل القيم لم تكن الا صدى للأصل باعتباره جوهرا مفارقا للزمان بحيث يحضر في الزمان و لا يحضر الزمان فيه” لقد قام الغرب على عمق ديني رغم مرجعيته العلمانية”  وبذلك يصير كل إنتاج الأنوار ليس إلا نتاج لفلسفة دينية تحتاج الى حفار جينيالوجي ليصل الى عمقها الديني، الذي لا بد وان يتمظهر في الدولة باعتبارها جماع الفعل الانساني حيث يقول الكاتب وفي مكان آخر من الكتاب: “ونصب عرابو الأنوار بناء كنسيا علمانيا على غرار الكنيسة هو الدولة . تتأثر الدولة في التجربة الفرنسية بكيان الكنيسة. تأخذ عنها بنيتها و مفاهيمها وتراتبيتها بل ومصطلحاتها” إذن الدولة في الغرب هي دولة دينية برداء علماني. ومن هنا يصبح الغرب ، في صوره المتعددة وحضوره المختلف دائما مسيحيا. هذه الرؤية البسيطة المبنية على فهم عضواني للتاريخ، قائمة على البحث عن أصولأولى مستمرة أسطورية في فعلها واستمرارها، ورؤية الأصولكأحداثأبويةالأثر ذات مرجعية ثابتة، لاتصمد أمام الوقائع التاريخية، فأمام بداهة كون النهضة أحيت الفلسفة الإغريقية الأصيلة التي لا صلة لها بالمسيحية، ونقول الأصيلة لكون الفلسفة اليونانية تأثرت فيما بعد وبسبب فتوحات الاسكندر المقدوني بالأفلاطونية المحدثة بمدرسة الإسكندرية التي تأثرت بدورها بالتوفيقات الغنوصية للديانة اليهودية والمسيحية والمنطق اليوناني للمدرسة الحورانية المشرقية بسوريا، كما ان النهضة على مستوى التشريع احيت القانون الروماني، فان الكاتب  يرد بان ” الفلسفة اليونانية لم تمح عالم الأسطورة التي ظلت تتعايش مع العقل وأصبحت خادمة له عوض ان تكون سيدة …” ويضيف قائلا: “من الضروري ان نذكر بذلك ، لان التعايش هو ما يميز الحضارة الغربية حتى عهود قريبة” اذن فالجانب الخرافي في كل الإنتاج الأدبي الإغريقي بقي حاضنا لمناطق اللاعقل، وبالضرورة فان عملية الإحياء في عصر النهضة كانت إحياء للتراث اليوناني شمولا بما فيه الأسطورة و الخرافة التي بقيت قلاعا ومناطق دفاع حصينة للإيمان والاعتقاد و التدين و استمرار قيمه، مما أعطى مجالا حيويا لتسرب المسيحية من جديد و بطرق مختلفة، إلا أن ما يثير الانتباه, وإعمالا لمنطق لكل مقام مقال عند الكاتب، نجده عندما ينتقل للحديث في نفس الكتاب عن الديمقراطية  حينها يمكنكم أن تقرؤوا هذا القول ولا بد من القول أن غرابة هذا الكاتب تبدو في كثرة مصادرته على أقواله فهو قد يقول الشيء و نقيضه دون أدنى حرج علمي : “حينما أخذت أوروبا تنعتق من إسار العصور الوسطى ووصاية الكنيسة وهيمنة الإقطاعيين والأسياد وترتبط بالتراث الإغريقي والروماني. كان مما أخذت تحييه ديمقراطية اليونان في مواجهة ملوك مستبدين يحكمون باسم الحق الإلاهي” المهم لدى الكاتب هو القول و لاشيء غير القول مادام الجمهور الذي كتب الكتاب لأجله يحب الغرب بديمقراطيته و الدين بطمئنينته فلا عجب والحال هذه أن يأتي الكتاب متشابكا دون عقل ناظم يبرز بالفعل حيرة هذه الشريحة الاجتماعية ونزوعاتها المتناقضة.

تقضي عملية لم التشتت الذي يبديه الواقع بفعل انعكاساته المضللة للجوهر إلى إعادة ربط الظاهر بجوهره، ضرورة إعادة الظاهر إلى مضانه ضمن حقيقة حضوره في التاريخ على اعتباره جوهرا موجودا ضمن أعراضه في انسيابات الزمن وما الزمن في حقيقته إلا مضارعة دائمة واستحضار متجدد، وإن تحت أشكال مختلفة لهذا الثابت الجوهري المسيحي. فلا فرق بذلك بين النظم الغربية لان أصلها واحد ثابت، هكذا تحضر الشيوعية في الكتاب بما أنها فكرة غربية فلا بد ان تكون بدورها مسيحية لنقرا هذا القول: ” الشيوعية في كثير من الأنحاء مسيحية جديدة بكهنوتها ومندوبو الشعب، بدغمائيتها : الجدلية التاريخية بخلاصها : انتفاء الدولة، بشراحها ، وشراح الشراح، كما في أدبيات الكنيسة”، هذا التنميط البسيط الذي لا نجده حتى في مدارس المُلا، لا يمكن أن يصدر عن عاقل، وأتساءل صادقا , هل أنت جاد ياحسن فيما تقول؟ الا زلت تحتفظ برؤية الى التاريخ نبتت جذورها في إشكالية النهضة، وتم تكرار صداها لذى الحركات الاظلامية المعاصرة، اشكالية وليدة صراعات نهاية القرن الماضي تقوم في أساسها على رؤية علاقة قائمة بين ماض مستمر بحاضر مغاير له في ظروفه الخارجية، علاقة جواني ببراني مطلق، علاقة بين ذات ومحيط هذا الذات المنفصل عنها بمفارقة مطلقة، لهذا التحديد الغاء للفاعليات المعينة للمجتمع و للتناقضات التي تحكمه لصالح نظام عمودي صارم المرجعية.

لكن ما يحسب لصالح الكاتب هو هذه الجراة في قراءة تاريخ الآخر انطلاقا من مسلماتنا الفكرية البائدة. فإذا كانت البداهة البسيطة التي تتسم بها المقالة النهضوية – وجود امور ماضية في الحاضر بداهة تعمل على الايهام بالحقيقة المتاتية عن صحة المشاهدة المباشرة في واقعنا، فان استحالتها في الغرب دفع الكاتب الى القول بوجودها مضمرة في خطاب آخر وبصيغ مختلفة فأسعفته المقارنات الساذجة للدولة والكنيسة الى الصراخ بظهور الحق وزهقان الباطل، نتائج هذه المتشابهات التي خلص إليها الكاتب بين الأنوار و الشيوعية والمسيحية ستتحول الى نمط تفسيري عنده ستساعده في إعادة توضيب تاريخ أوروبا الحديث، حيث يتحول العداء بين النازية و باقي الأنظمة السياسية بأوروبا إلى صراع بين سدنة المسيحية ومعادييها لهذا يرى الكاتب ان النازية قد “أدركت هذا الترابط بين الشيوعية والمسيحية ولذلك كانت تريد بديلا عن كل هذا التراث اليهودي المسيحي” وعلى المؤرخين إعادة النظر في كل تحليلاتهم لصعود النازية ولأسباب الحرب العالمية الثانية لأنه تم دائما تغييب عامل الصراع بين المسيحية و بين المعادين لها في دراسة أسباب هذه الحرب حيث يقول الكاتب في هذا الصدد: ” فاذا كانت النازية تمج المسيحية فمن البديهي ان تمج هذه الصورة المنقحة لها و الفتية الا وهي الشيوعية”. يبقى لنا الان ان نعرف لم عادت النازية اليهودية كذلك . إجابة على هذا السؤال يطرح الكاتب منطقا غريبا فبحسب الكاتب يأتي عداء النازية لليهود لان “النازية كانت تكره تقديس الرأسمالية للمال . لقد كانت تريد ان تبني مجتمعا من الأبطال …..على خلاف مجتمع التجار ”  الذي في نظرها – وحسب الكاتب دائما – يدعو الى الخمول و “يأنف من البطولة والتضحية نموذج يحركه المال. أليست عقيدة اليهودي هي المال؟ ” لنعد توضيح هذا المنطق نتيجة هذا الكلام هو: النازية تكره المال . اليهود يحبون المال. النازية تكره اليهود ..ياسلام ياحسن على المنطق. وحب اليهود للمال قاله “يهودي نأى عن مرجعيته اليهودية كارل ماركس” وهنا لابد من فتح قوس طبعا للإحالة الى طريقة في الحديث عن كارل ماركس تتقنها فئة من المتأسلمة من مروجي كتب الرصيف. فحسب معرفتنا لماركس فانه لم يكن يوما يهوديا حتى ينأى عن مرجعيته اليهودية، وهذا يعرفه جيدا صاحب الكتاب، الا اذا كان ابيقور يهوديا وهيغل يهوديا اليسار الهيغيلي وفيورباخ يهوديا كذلك. لكن ترديد هذه النغمة البعيدة عن المعرفة والملهبة لاستمناءات المتدينين الفكرية لها لذتها فطوبى. لكن جهل الكاتب للماركسية يبدو كبيرا فعندما يقوم الكاتب بشرح  وجهة نظر بيغي شارل، يقول “يحلل ماركس الراسمال ، وينتقد استغلال الطبقة العاملة و القصة معروفة . اما بيغي فينتقد المال ، ويعتبره المسؤول عن استيلاب العلاقات الإنسانية كلها” أين الجديد الذي يقوله بيغي حين يعتبر ان المال هو المسؤول عن الاستلاب، أية إضافة يأتينا بها بيغي و يتباهى بها اوريد؟ كأنه بصدد طرح تصور جديد لإشكالية المعادل العام للقيم الذي هو المال، وكان بيغي عندما قال انه عوض “أن يبقى المال وسيلة أصبح غاية” فقد احدث ثورة في الاقتصاد السياسي، ونحن نعرف ان المبتدئ في علم الاقتصاد السياسي يعرف ان دورة الرأسمال هي ،نقد -بضاعة -نقد ، أي ان دورة الإنتاج الرأسمالي تبتدئ بالمال لتخلص الى المال و الشيء الوحيد الذي يتغير بالعملية هو ان المال الذي انطلقنا منه في البداية يكون مغايرا للمال الذي نصل اليه في النهاية لذا رمز ماركس الى نون الثانية في الدورة الانتاجية ب (ن‘) ليشير الى انها ليست نفس النون التي انطلقنا منها َبسبب عامل فائض القيمة المضافة، وهذا ما يميزها عن الدورات القديمة التي كانت، بضاعة- نقد – بضاعة على اعتبار ان قيمة البضاعة الاستهلاكية كانت في مركز العملية الإنتاجية وليس قيمتها التبادلية. وحتى البضاعة التي هي مركز الاستلاب في التحليل الماركسي هي في حقيقة الأمر قيمة تبادلية، وفعلها الاستلابي لا ينتج عن اعتبارها تكدسا للقيم التي تتحكم فيها كمية الوقت اللازم لإنتاجها. بل استلابية البضاعة تعود لشروط إنتاجها، والمال في آخر المطاف ما هو الا قيمة مجردة تقاس بها باقي القيم التي هي البضائع في عالم الرأسمال. وحتى اذا اعتبرنا ان الكاتب لم يطلع على كتاب ماركس الرأسمال وكتب نقد الاقتصاد السياسي الأخرى، فبالأحرى أن يطلع على الأقل على الجانب الفلسفي للماركسية وعن تاريخ طويل من السجال الفكري حول الماركسية، فنجده مثلا يقول ان بعد سقوط جدار برلين ” أغلق قوس الشيوعية الطويل ، وهبت نسائم ربيع الحرية و المساواة و الإخاء . العالم سيصبح بلا حروب مثلما تنبأ بذلك شارح هيغل الكبير الكسندر كوجيف “. نفهم من هذا الكلام أن كوجيف تنبأ بما سيقع، ولم اعرف على طول قراءة هذا الفيلسوف من أين اتى بهذه النبوءة،  وأين قالها و هو الرجل الذي افنى حياته في شرح هيغل فمنذ 1933 و الرجل يلقي دروسه بالمدرسة التطبيقية  للدراسات العليا وفكرته المحورية في جميع دروسه هو تلك الإمكانية في التقارب الممكن إقامتها بين هيغل وماركس، ومن يطلع على كتابات الرجل خصوصا كتابه المدخل لقراءة هيغل سيجد ان كوجيف كان شارحا لا اكثر، وجميع محاضراته انصبت لتحليل الفكرة المحورية لهيغل وهي “الاعتراف” التي راى من خلالها امكانية احداث تقارب بين ماركس وهيغل عبر ادات مشتركة اشكاليا لدى الرجلين و هي الدولة الشاملة التي تشبع هذه الرغبة اشباعا كاملا . اما منطق التنبؤ هذا فلم نجده عنده ، بل العكس، فعندما دشن ليو ستراوس النقاش حول الطغيان بنقله مناقشة هيرون، طاغية سيراقوس و سيموند الشاعر كان موقف كوجيف يقول برغم ان الطغيان نظاما لا شعبيا لا يعني ابدا التخلي عنه مطلقا، ويستدل بنابليون و سلزار وستالين و الرجل أدرى بنظام ستالين لاعتبار أصوله الروسية. وسيلاحظ الكثير من قراوا هذا الكتاب قدرة هذا الكاتب على الانتقال دون قيد في القول، وبطغيان للمتن اللغوي وغياب تام للمعنى.

ما هي النتيجة التي نصل اليها مع الكاتب، ان ازمة الغرب الراهنة سببها واحد وحيد هو تخليه عن أصوله المسيحية، والغرب تخلى عن مسيحيته في مسار الرأسمالية الحالية فوصل الى ما وصل اليه من أزمات، ذلك بسبب ” تتبع لسراديب العقل الغربي فيما يشكل جموحا بائنا وزيغا سافرا : في لهاثه وراء المادة ، في تقديسه للنزوع العلمي او العلموية ، في جريه وراء اللذة في عبادته للصورة ، في داء النسيان او الامينيزيا التي أصابته وأنسته قيمه”  هذه ” المادة و الجنس و العنف … وهي ميادين كان الدين فيما سلف يتحكم فيها و يضبطها” فما العمل اذن؟ تماشيا مع منطق الطرح الذي دافع عنه الكاتب منذ البداية فان المخرج من المأزق الراهن يكمن في العودة الى ينابيع المسيحية الحقة، وهذا ما يستنتجه القارئ في سياق تقدمه في قراءة الكتاب بمنطق الإتساق، إلا أن الاتساق هو آخر ما يطلبه الكاتب، فالكتابة الفكرية عند حسن اوريد في كتابه هذا ” مرآة الغرب المنكسرة”  شبيهة الى حد بعيد بشطحات بطل رواية “قلب الليل” لنجيب محفوظ، ففي الوقت الذي كنا ننتظر أن تكون نهاية الكتاب تلمسا لعناصر الجواب للإشكال المطروح منذ المقدمة ، انقلب الكتاب الى تصور آخر بعيد كل البعد عن كل ما عالجه في كتابه، حيث ينتقل الكاتب الى معالجة تمظهرات الازمة الاقتصادية الراهنة على صورة الاسلام والمسلمين وهو الموضوع الذي نعتقد في البداية انه عولج  سهوا في الكتاب دون مصوغات وتدبيج  يقدم له،  ودون ان يكون ضمن المواضيع المعالجة على طول الكتاب، فمن اصل180 صفحة يعالج فيها الكتاب مظاهر ازمة الغرب الراهنة من خلال ابتعاده عن القيم المسيحية الغائبة سطحا والحاضرة عمقا في جميع انتاج الغرب الفكري و السياسي و الفلسفي، يأتي الفصل الأخير في 10 صفحات غريبا، يعالج في البداية صورة الإسلام الراهن لذى الغرب لينقلب عن طريق كلام موارب الى تقديم الاسلام كبديل روحي قادم الى الغرب من خلال موجات ” شرائح واسعة انتهت الى الاسلام من الارض الصلبة للحداثة ” وهؤلاء هم من سيحمل مشعل الإسلام غدا وهم مراة الغرب الصافية ” التي ستمكن الغرب من رؤية صورته صافية نظرا لكون الاسلام “يريد ان يكسب مع الغرب معركة الحفاظ على انسية الانسان ” والغرب لم يعد قادرا على ان يتقدم باي حل في الافق فقد كان له ما يقدمه للإنسانية وذلك ” عندما ارتبط بأنواره ” وفي هذه الحالة يصبح الإسلام هو الحل بالنسبة للغرب. لست ادري لم يحط اوريد من قيمة المسيحية في قدرتها على اعادة تثوير مضامينها للإجابة عن أزمات العصر الروحية المعاصرة ويعطي هذه الإمكانية للإسلام. فالكاتب يرى جازما أن للإسلام “ما يقدمه للجم جموح المادة والشهوة و إغراء الصورة و استغلال الرأسمال ” إن تحالف الإسلام و الغرب لحل أزمة الرأسمالية الحديثة لا يمكن ان يتم الا من خلال تبني الغرب للإسلام . ان الرأسمالية الراهنة بابتعادها عن المسيحية القابعة في ثنايا الأنوار قد وصلت إلى مرحلة الأزمة، فلم يبق إلا الإسلام الذي وحده بإمكانه ان يشكل الجانب الإيديولوجي الروحي المناسب للغرب. هذه النهاية التبشيرية للكتاب نعرف أنها سفافة فكرية إذا ما اعتقدنا أن الكلام موجه الى الغرب. لكن هذا المنطق يصبح ذا معنى اذا عدنا الى الجمهور الذي يستهدفه الكتاب ، الجمهور المعني بالأزمة الراهنة للرأسمالية والذين ذكرهم الكاتب في البداية، هؤلاء الذين ” تجري حياتها على نظمه – أي الغرب – وتفرض تصوراتها على مجتمعاتها وهي صاحبة القرار” فهؤلاء وحدهم عليهم ان يطمئنوا أن أزمة الرأسمالية لا تكمن في هذا الشكل من الإنتاج، فأزمة الإنتاج الرأسمالي الراهن مصدرها من خارجه، أزمته في وضع قائم مغاير عن ميدان الانتاج و المال و المعاملات. إن هذا الانحياز الإيديولوجي الفج للكاتب للقائمين على الامور يجعله يحيل اسباب الازمة الى حيث تتمظهر نتائجها، في ميدان مجال إنتاج القيم المصاحبة، وما يتوجب تغييره للخروج من الأزمة الراهنة ليس هذا النمط من الانتاج، الذي أصبح معيقا لتقدم البشرية، حسب ما نفهمه من سياق الكتاب قبل ان تنقلب لدى المؤلف الأسباب نتائج و النتائج أسباب، بتمرينات لغوية شكلية،  بل ما يجب تغييره هو منظومة الأخلاق المصاحبة له، عن طريق ترك كل الإنتاج الفوقي الذي أنتجته المسيحية، واستبدالها بمنظومة قيمنا الدينية الخاصة بنا والتي لازالت لها طراوتها و جبلتها مستمدة من الإسلام الذي بإمكانه القيام بهذا الدور. وانهي مرة أخرى بسؤال هل أنت جاد يا حسن فيما تقول؟.

0