ربيع الكلام العربي … عناوين على هامش الثورة

العنوان الأول : ربـيع الكـلام

وازى الثورات التي أصبحت عنوان التاريخ العربي المعاصر إنتاج كلامي قل نظيره. فمع شساعة المساحة التي أصبحت توفرها وسائل الإعلام المسموعة، المرئية والمكتوبة للكلام ، ومع فيض القول الذي أصبح ينتجه الحدث بما يتطلبه هذا الأخير من إحاطة كلامية يفرضها منطق عقل الأمور. كان لا بد وأن يتصدر التعقيب الحدث ويتقدمه، سواء الحدث كإمكان أو كتشكل أو كاكتمال، وأصبح الجزء المتعلق بالكلام ضمن إطار الحدث يفوق حدثية الحدث و جديته كتحقق في التاريخ. بل أصبح الكلام يتماهى مع منطق الإلهام والتنبؤ، ما دام الحدث لم يكتمل ومادام تشكله خاضع لمنطق المستقبل من الزمان.

وبالمقابل أصبح الحدث يتوسل الكلام وكأنه بدون توسده للمفردات وبدون أن تحفه التعقيبات لا يستقيم كحدث، وتتحول صالونات إنتاج الكلام ومحطات الإذاعات، كناية عن واقعية لا كلامية بل فعلية، وكاستمرار لساحة الفعل الميداني العملي. وكما تنتج ساحة الفعل الميداني أبطالها يبرز إلى الواجهة أبطال الكلام و قاهري خراسة الحدث، وبدون كلامهم يبقى الحدث دون معنى مادام التعقيب هو سيد الحدث وخالقه.

الثورات القديمة كان خطباؤها خالقيها، وفاعليها وموجهيها، من روبسبيير إلى دانتون الى روزا لكسمبورغ الى لينين و تروتسكي وبوخارين وكيفارا ….كان الكلام نزرا قليلا والحدث كثيفا متشعبا معقدا. حتى التعقيب كان يستدعي التحليل ككلام مكمل لعقل الحدث، أما في ثوراتنا الحديثة فأضحت عملية التعقيب تشبه إلى حد كبير مظاهر التعقيب المرافقة لخروج موكب ملكي، أو مباريات رياضية، كما لم يعد يتراكض النظارة لاحتلال مكان على قارعة الطريق أو مقعد على درجات الملاعب، بل دخلت الملاعب البيوت ودلفت إلى غرف الجلوس والأكل والنوم دون أن يتغير شيء هام في صدد المشاهدة، وأصبحت الخطابة كتعقيب وقفا على فئة من الناس تحترفه وقف جهدها عليه.

وأصبح للتعليق موظفون عينهم، يطلعون علينا في كل ثورة عينهم، بكلام لا حد عمليا لكثافته وغزارته. يتنبئون بالآتي و يوجهون فعل الجموع ويوزعون الصكوك ولوازم حسن السير وسوءها، ويعينون و يقيلون و يتحدثون وهم عين العالم المقبل الآتي ولسان تحققه الحاضر، يتوزعون بكل عواصم العالم، وفي زحمة الحي والمباشر، يتكلم المعقبون على الحدث معلقون على تفاصيله دون كلل، وكأن الكلام بناء فوقي له استقلاله النسبي كما يشير لذلك منظروا المستوى الثقافي في البناء الاجتماعي العام، إلا ميادين الفعل حيث الحدث وصانعيه، ومدبري دقائق تعقيداته، الذين لم يجدوا ولو شاعرا واحدا او مغنيا واحدا او ملحنا واحدا في ميدان التحرير على سبيل المثال لا الحصر ليمجد فعلهم بكلام على قامة ثورتهم في بدايتها، قبل أن يلتحقوا افواجا وتحل الكوارث.

 العنوان الثاني: زوايا كلام لمثلث متساوي الأضلاع.

ومن محاسن شساعة مجال الكلام، أن من يوجدون في الجهة المناهضة للثورة او المعنيون بشعار “الشعب يريد”، هم بدورهم ومع استرسال الحدث وبعد أن حاولوا جهدهم حصره بلغة القنابل المسيلة للدموع و الهراوات والرصاص بأنواعه، الحي منه والميت والمتكلم والصامت، التجأوا بدورهم إلى الكلام، وأصبحوا يغرقون الحدث في كدر الكلام، وانضموا بكلامهم إلى مجال صنع الحدث، وعلى نمط واحد يومئ كلامهم في البداية إلى أهمية الاحتياطي القانوني القادر على إعادة الحدث إلى عقاله، ويشغل مفهوم وحدة الشعب والدولة، الأمة والإجماع الحيز الأهم، ثم مع اتساع أفق “الشعب يريد” بعد أن انحشر كلامهم في سياق الحدث واصبح مفوتا مباشرة بعد صدوره، بسبب اجترار القول، حيث يؤول انحسار المعنى واقتصار الكلام على المادة الصوتية الخام الفاقدة الدلالة، تكلموا عندها على قرارات اتخذوها وكانت في طريقها للتحقق لولا ممانعة ذويهم، وعن قرارات يزمعون اتخاذها كجلاء لكلام سبق وان أدلوا به في مناسبات أخرى وأصبح قابلا لان يطبق فعلا، فيصير الكلام إلى أداء و يكون إيقاع الأداء طاغيا على المعنى، ويقابل كلام الإصلاح هذا تبطين مكثف لحذاقة الاستباق، استباق كل ما من شانه أن يقسم الأمة ويوقظ العنف المفضي إلى الحرب الأهلية. ثم بعدها يأتي خطاب الرحيل.

العنوان الثالث : ثلاثة زوايا لمثلث متساوي الأضلاع.

إن كل الكلام الذي صاحب ثوراتنا الراهنة، لا يستند إلى عامل الثقافة والمعرفة، فالتعقيب الفكري أو الثقافي على تاريخنا الراهن لا يتعدى الجلبة والضجيج.

إن النقاشات الكثيرة التي تغمر بيوتنا في زخمة الأحداث  تجنبت التطرق إلى المشكلات التي يملي التطرق إليها كسر أطر التناول المتوفرة والجاهزة التي كانت علاقات التسلط السائدة تقوم على حجمها، منعها واستبعادها من دائرة التحليل والتساؤل. ولا زال المتكلمون منصاعون للممنوعات التي أملتها لعقود طويلة علاقات التسلط، وأنا لا أتحدث هنا عن قدرة الكلام في استعمال معجم القدح والسب وخط طويل يبدأ بالتحقير ويفضي إلى الإتهام والتخوين.

هذا الجناح من الكلام أصبح سيد اللغو السائد مع اتساع دائرة الحي والمباشر الذي يفرض ضرورة السرعة في إنتاج الكلام ، بعدما كان الكلام سابقا ينتج بعد طول قراءة وتأمل، وإنما أتحدث هنا عن اطر التناول القائمة التي تقف سدا في وجه الفكر بما هو تعقيب شامل ، والتي تلزمه الاقتصار على الدوائر المباحة التي يستحيل النفاذ منها إلى الأركان الخفية في التجربة التاريخية و الاجتماعية للثورة الراهنة.

العنوان الرابع : الذات الواحدة كلام في الدائرة

رغم تاريخ طويل و عميق من انسلاخ دولته عن المجتمع، نحى الحاكم العربي السائر في طريق الإنقراض في خطابه الأول إلى توصيف دولته كدولة عضوية منبثقة انبثاقا مباشرا خالصا من المجتمع، ورغم مظاهر الفوارق الاجتماعية البادية، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية وحدة الدولة و المجتمع بل يؤكده من حيث مبادئ التضامن و التكافل المومئ الى التجانس والوحدة، بل ترفع هذه الفوارق وحدة المجتمع و الدولة الى سلم البديهيات المعاينة.

قد يبدو لنا كلام الحاكم هذا غريبا وهو يصف هذه اللحمة التي عليها دولته، إلا أننا ننسى في خضم المشاهدة والمراقبة من مواقع نقيضة، أن الحاكم يصف بالفعل دولته. الدولة التي على طول فترة حكمه خلقت مجتمعها المنغمس فيها. فبهاجس استمراره واستمرار حضورها خلقت هذه الدولة سطحا اجتماعيا أحلته محل المجتمع الحقيقي. فللدولة إذاعاتها ونقاباتها ومجتمعها المدني الذي يتنطح لفعل تمثيل الكل، ولها اقتصادها الخاص وعائلاتها التي ترفعها الدولة واضعة في يدها مقاليد السلطة والإنتاج والقرار الذي ينظمها و يوزعها، فتتحول السياسة إلى إدارة مباشرة للأعمال.

وعلى حجم هذه الفئة ومقاسها تنظم الحياة السياسية بطريقة تمنع في الوقت الذي تحجب كذلك فيه هذا التحول الفئوي فيتصدر الحزب عملية التماهي المجتمعي الذي يهب للفئة عمقها الجماهيري الضارب في كل أنواع الخطاب اليساري واليميني، التوتاليتاري و الفاشي. مجتمع الحاكم كما صنعته الدولة، مجتمع الوحدة والانسجام ، لا يمكن ان يتصدع او يلحقه انقسام إلا بفعل خارج مفارق متآمر وهذا الخارج الآخر هو ركن الزاوية الدنيا الأولى في مثلث خطاب الحاكم.

العنوان الخامس: الآخر هو الجحيم كلام في المتوازيات.

قدم حاكم الدولة العربية الحديثة في خطاباته إبان الهبة الجماهيرية، دولته موحدة في قيادة سياسية واحدة يمثلها شخص واحد ينبثق منها و تشكل امتداده. المجتمع مشدود لأهداف وطنية كبرى التي حددتها القيادة عل ضوء مصالحه وهي محط إجماع عام وطني.من هنا يصير كل ما يخرج عن هذا الإجماع الذي يوحد المجتمع لا بد وأن يكون تعبيرا عن نزعات أو قوى لا تنتمي للداخل المتماسك الموحد قوى لها من الأوصاف ما لا يحصى و يعد، فهم في قاموس الحاكم شياطين ومتآمرين وأشرار وأشباه كائنات وكائنات مشبوهة، وعندما يستنفذ معجم الوصف يلجأ الحاكم إلى حديقة الحيوانات لإثراء معجمه الفقير أصلا فيصير هؤلاء الآخرين الذين لا نعرفهم فعلا جرذان وقطط  وصراصير… وإذا لاح في الأفق خروج عن هذا الإجماع من داخل دائرة الحاكم عندها تصير الخيانة طبع، والخيانة قدر هؤلاء .

وبين المجتمع المتراص والخارجين عنه لا يتصور الحاكم حلا في الأفق، فهو يرى جموعا في الشوارع، ويعرف أن مجتمعه الفسيح الكبير الذي يصوت لبقائه ويصفق لإنجازاته لازال هادئا تفاديا للفوضى المؤدية إلى الخراب، فيضطر الحاكم الى التذكير بهذه الحقيقة : إما هدوء وحوار وإما حرب أهلية لاتدع ولا تدر.

يحتل التهديد بالحرب الأهلية في غياب الحاكم الموحد الواحد الوحيد الأحد ركنا مهما في خطاب الديكتاتور الأخير وتصل الرسالة إلى باقي الأهل المسالمين فيطفو التاريخ ليذكر بمعارك الجمل والخيول و معارك اللجان الثورية الحديثة التي تقصف الشعب بالطائرات لإخماد المظاهرات وتدلف الدبابات ساحات الإعتصامات لسحق الاحتجاجات كسبق عسكري سيذكره التاريخ على صفحات يستحيل ان يجد لها من عناوين  سوى ما تجود به قواميس عيادات الطب العصابي.

 

0