سيدة الياسمين .. أو «النصرانيةّ» التي شيّعَ جنازتَها مُسلمون! قراءة في نص قصصي قصير للكاتب عبد الحميد البجوقي

بعد ثلاثيته الرائعة¹ حول المنفى و الاغتراب و  معنى الوطن، يعود إلينا الكاتب و الروائي الملتزم عبد الحميد البجوقي بنص قصصي قصير بعنوان (سيّدة الياسمين) نشره قبل أيام قليلة على إحدى المواقع الثقافية الإلكترونية ² .

في هذا النص القصصي المثير للقراءة، يسافر بنا عبد الحميد البجوقي إلى ما وراء سياقات القتل و الإرهاب و الكراهية الدينية التي تجتاحنا هذه الأيام، ليحط بنا الرحال في جغرافية مدينة شاطئية صغيرة بأقصى شمال المغرب اسمها «مرتيل» التي لا تزال تحتفظ، رغم بعض التحريف الصوتي، باسمها الإسباني الأصلي (Martín)، و لا اسم لها غيره إلى اليوم، على خلاف جلّ البلدات الصغيرة القريبة و المجاورة لها. في هذه المدينة، لا تزال لغة المحبة و التسامح و التعايش الديني بين بني البشر تنقش آخر أبجدياتها على حيطان شوارع و أزقة  هذه البلدة الآمنة المطمئنة التي اتخذت من المحبة دينا و شرعا يجمع بين أبنائها على اختلاف مللهم و أعراقهم.

النص عبارة عن ترنيمة شجية لمأساوية الغياب و  حرقة المحو القسري لفصول مشرقة من ذاكرتنا الحميمة، كما أنه كذلك بمثابة توثيق فني باذخ للحظة نادرة من لحظات التاريخ الإنساني المشرق لا تزال شاردة بين فضاءات المدينة المغربية الصغيرة حيث تحلّق المحبة شامخة  فوق رؤوس كلّ حواجز  العرق و العقيدة و اللسان.

(سيّدة الياسمين)  هي حكاية امرأة  عاشت من أجل الحب و الإخاء، بل أنّها استطاعت، و هي ميتة،  «أن تجعل من المحبة طقسا يجمع بين الأديان و يدعو بالأولوية للإنسان»، تروي القصة مشاهد و وقائع من  مراسيم تأبين و  تشيع و دفن «أنيتا»، الإسبانية المسيحية التي عاشت و ماتت بهذه المدينة، و لم تشأ أن تغادرها حتى و هي ترحل إلى مثواها الأخير بالمقبرة المسيحية القائمة إلى اليوم بـ المدينة. موت «أنيتا» إذن سيشكل بؤرة تنامي الحدث القصصي و مدار  تفاعل بقية الشخصيات  ممّن يحضرون إلى «مرتيل».  لتشييع الفقيدة و تقديم العزاء لزوجها «بيدرو» و ابنهما البكر «نينو».

يبدأ الحكي بنفس أسلوب «التراكينغ» السينيمائي الذي عهدناه في روايات البجوقي السابقة، حيث العناية الشديدة بالرؤية المشهدية و تقديم الفضاء بأدقّ تفاصيله الخارجية تمهيدا لانطلاق الأحداث. صوت الراوي الخارجي يستقبلنا منذ السطر الأول ليُعرّفنا بالموقع  الجغرافي و بالمظهر العمراني لبيت «أنيتا» العتيق و هو  يعيش لحظة استثنائية من لحظات عمره الطويل باحتضانه لمراسيم و طقوس تقديم التعازي  للعجوز الأرمل «بيدور» الجالس « على أريكة في وسط الباحة، وعلى رأسه قبعة إفرنجية أنيقة». جلّ المعزّين و المعزّيات مسلمين من جيران «بيدرو» و أصدقائه القدماء  من سكان المدينة و خارجها؛ كالشاب يوسف  «صاحب القامته الطويلة و الوجهه الصبوح و الهندام الأنيق»، و الحاج العربي بجلبابه الأبيض و سبحته المتدلية، ..  كلهم جاؤوا وفاءً لـ «أنيتا» و  دعاءً لروحها بالرحمة و بالمغفرة. العجوز « بيدرو» تختلط لديه مشاعر الحزن بالفرح؛ فهو حزين لفقدان رفيقة عمره و أمّ أولاده «أنيتا»، وفي نفس الآن سعيد بمظاهر الحب والعزاء والاهتمام التي غمرته وأولاده من جيرانه المسلمين.

مراسيم العزاء داخل هذا المأتم الفريد تجري في طقوس إسلامية صرفة و بعبارات مغربية أصيلة، حتى ليتوهّمنّ المرءُ أن «المرحومة» كانت على دين محمد عليه الصلاة و السلام، و الحال أن «أنيتا»  لم تتلكّأ يوما عن الإخلاص لإيمانها و عقيدتها  النصرانية، إلا أنها كانت امرأة  فاضلة بقلب يتّسع للجميع؛ فكلّما زارت الكنيسة »تدعو للجيران والأحباب من سكان الحي و غيرهم في صلواتها«، و كلّما سمعت صوت المؤذن يدعو المسلمين إلى الصلاة « تشعر بالانشراح» و «تتوقف عن أشغالها»  ثمّ  «ترفع يديها للسماء تناجي ربها». كانت  تعتقد أن السماء تفتح أبوابها لمن يصلّون لله، مسلمين كانوا أو مسيحيين.

و يستمر التصعيد الدرامي لوتيرة السرد بمشهد تشييع جتمان «أنيتا» في موكب جنائزي مهيب صامت أبدع الكاتب في نقل تفاصيله الأكثر إثارة و إمتاعا. الموكب الجنائزي يخترق أهمّ شوارع المدينة الصغيرة .. يثير انتباه الفضوليين بسيره في الاتجاه المعاكس لمقبرة المسلمين .. شرطي المرور  يرفع التحية، و  بعض المارة يتوقفون عن المشي إكبارا لجلال موكب الجنازة.

على باب المقبرة المسيحية بـ «مرتيل» يقف الأب «إنريكي» بقفطانه الكنيسي الأنيق و هو  ينظر  بغير قليل من الارتباك و الانبهار إلى هذا الجمع الغفير من المسلمين الذين جاؤوا لتشييع امرأة ليست على دينهم و لا هي من عرقهم. كيف استطاعت هذه المسيحية أن تسلب قلوب كلّ هؤلاء المسلمين !؟ أنّى لها أن تعيش بينهم كل هذا العُمر دون أن تفقد دينها و هويّتها !؟ ..  كان المشهد يتعدّى حدود استيعاب  الراهب و مرافقه: «جنازة مسيحية يُشيّعها مسلمون، هذا شيء خارق ! ».

غير أن أكثر مشاهد النص حبكة و  إثارة، ذلكم المشهد الطريف الذي يقف فيه الأب «إنريكي» وسط حشد المتحلّقين حول نعش خشبي يُرصّع الصليبُ وسطه. فيدعو جمع المشيّعين، و قد انتهى من تأبين الفقيدة، أن «يصفّقوا !» تعبيرا عن حبهم و وفائهم لـ «أنيتا»، و إشراكا للجميع، مسلمين و مسيحيين، في الصلاة عليها و الترحّم على روحها. لقد جاء هذا المشهد مفعما بالفرجوية و الإبهار إلى درجة لا يدرك معها القارئ هل هو بصدد واقع تخييلي أم تخييل بأبعاد واقعية.

اعتمد الكاتب في صياغة هذا النص القصصي المشحون بالدلالات الإنسانية الرفيعة، قالبا سرديا مألوفا ينهض على واقعية الحكي و منطقية البناء السردي و  بساطة اللغة؛ و هو اختيار فني مارسه عبد الحميد البجوقي على امتداد ثلاثيته الروائية السالفة الذكر، إذ يتخذ من الكتابة الأدبية معادلا فنيا لرسالة فكرية و نضالية يضطلع الكاتب بإنجازاها على أكثر من واجهة، لذلك فالإبداع الأدبي عنده التزام و انخراط في صلب قضايانا الإنسانية المصيرية، لا  مجرّد حذلقات لغوية و شطحات أسلوبية و  متاهات مجانية بين مضايع التجريب الأدبي العقيم.  و إن كان هذا التوجه نحو «مدلولات» الكتابة الأدبية لا إلى «دوالها» قد يوقع نصوص عبد الحميد البجوقي أحيانا في بعض ما يشبه الخطابة و التقريرية المخلّة بالبناء الفني للحكي و طبيعته الإيحائية القائمة على جمالية التلميح و الحذف و الإضمار . و من نماذج مثل هذه المزالق في قصة «سيّدة الياسمين»، الخطاب التفسيري الكاشف لرهانات النص الذي يلي مشهد دفن جثمان «أنيتا» بالمقبرة المسيحية على وقع علامات الحزن و لوعات الفراق المرسومة على وجوه الحاضرين من المسلمين، إذ يقول السارد نيابة عن «ماريا»:

«كانت ماريا تتفحص هي الأخرى الوجوه وتتساءل عن معنى كل ما يحدث أمامها. امرأة مسيحية ولدت و عاشت بين المسلمين في أمان. أحبتهم في حياتها وأبت إلا أن تُدفن بينهم وهي ميتة. بادلوها نفس الحب والوفاء وأبوا إلا أن يشيعوها وهي ميتة إلى متواها بطقوسها المسيحية. هل انتصر الحب والإخاء على الأديان؟ أم أن الأصل في الأديان السماوية هو الحب والاخاء؟ كيف لها أن تصدق أن الإسلام دين إرهاب وعنف؟  .. ها هي اليوم شاهدة على وجه آخر للمسلمين وللإنسان المسلم، شاهدة على تعبير للمحبة والوفاء منقطع النظير».

كما أن عناية الكاتب بتضمين نصوصه الإبداعية شذرات من طروحاته و قناعاته الفكرية، قد تدفعه أحيانا لاختلاق شخصية قصصية ربما لا يستدعيها سياق الحكي بقدر ما يكون  الداعي إلى استحضارها بثّ خطاب جاهز يودّ الكاتب تمريره عبر ثنايا الحكي. و من نماذج ذلك في  «سيّدة الياسمين» شخصية الرايس محمد، الرجل المُسن و المقاوم الوطني السابق. هذه الشخصية لا  تظهر  إلا عند نهاية القصة، وكأنّ حضورها جاء لرفع لبس استشعره الكاتب من  قارئ قد يختلط لديه معنى حب الآخر بحب المستعمِر الفاشي الغاشم، فكان لزاما على الراوي، بتحريض من الكاتب، أن يلقي بهذا الخطاب التبريري على لسان شخصية الرايس محمد و هو  يشرح لصديقه «بيدرو» تفاصيل المعادلة الصعبة بين  الحب و الكراهية، بين الشعور بالفخر و الإحساس بالعار اتجاه الأخر، فيحدثه  عن كرامة المغاربة و طبيعتهم المسالمة، و يوضّح الفرق بين المسيحيين «الذين عاشوا معنا في بلادهم هذه» و بين المستعمرين الذين كانوا «يقبضون على أرواحنا ويستغلون خيراتنا»، كما يدين «الفرانكاوية» التي عملت على  «تجييش وحشد الأبرياء من المغاربة في البوادي والزجِّ بهم في حرب أهلية إسبانية لا ناقة لهم فيها و لا جمل»، لينتهي إلى خلاصة مفادها أن مقاومة المغاربة للإسبان «كانت للاستعمار، و ليس ضد الإنسان«.

إنّ مثل هذه التدخلات السردية، و إن كانت تلقي بمزيد من الزخم الفكري على مضمون النص و بعده الدلالي، إلا أنها من وجهة نظر  فنية خالصة تظل من باب الحشو  القصصي و الفائض السردي الذي لا يضاعف من جمالية النص.

لكن، على الرغم  من هذا القالب السردي المحافظ، و هذه الرؤية القصصية الموجّهة، و هذه  السمة الواقعية التي ترخي بظلاله على تفاصيل الحكي و لغته، فإن (سيّدة الياسمين) لا تخلو من مهارة في الصنعة القصصية و براعة في إعادة صياغة الواقعي داخل المتخيّل نفسه. و  تتجلى هذه الخصيصة الفنية الذكية عند نهاية النص عندما  يتحوّل السرد من شخصية «أنيتا» إلى شخصية  «ماريا»، إيذانا باستمرار  الأمل، و رفضا  لحتمية المحو  و الزوال.

 «ماريا» هذه تنسج حضورها السلس بين شخصيات النص منذ بداية القصة، إلا أنّ  السارد لا يفصح عن بُعدها الحقيقي إلا عند النهاية.  فـ «ماريا» الشقراء الأربعينية، ابنة «خوان»، الصديق القديم للأرمل العجوز «بيدرو»، لم تحضر مراسيم الجنازة إلا على مضض وبعد تردّد و إلحاح ، فهي لا تحمل عن المغاربة سوى صورة قاتمة رسّخها في ذهنها خالُها «فرناندو»؛ صورة «المسلم المخادع الذي ساعد فرانكو في انقلابه على الديموقراطية، وعن الفظاعات التي ارتكبوها ضد النساء والرجال والاطفال في الحرب الأهلية؟». لكن بعد ساعات قليلة من وصولها إلى المدينة الصغيرة الساحرة.  سوف ينقلب مزاجها تماما، إذ لم يخطر ببال «ماريا»، و هي ترافق والدها، أنها ستكتشف بـ «مرتيل» عالما غير الذي كانت تسمع عنه؛ «أحست أنها مدينة لـ «أنيتا» التي أتاحت لها بموتها أن تستعيد حبها للحياة».  لقد اكتشفت «ماريا» بالمدينة، مسقط رأسها، «معنى جديدا للإنسان»، فتقرّر أن تعود إليها لتكتب عن «امرأة مسيحية ملكت قلوب المسلمين». و هكذا تصبح «ماريا» الوجه النوسطالجي لشخصية «أنيتا» في محاولة شبه يائسة من كاتب النص للإمساك على بعض ما تبقّى من خيوط زمن الياسمين.

 (سيدة الياسمين) أو حكاية السيّدة «أنيتا» عمل إبداعي مائز، يُعيدنا إلى أجواء حكايات «عبسليمو النصراني» في رواية «حكايات المنفى» و «مامادو و كاميلا» في رواية «المشي على الريح» .. هي حكايات  يمتاحها عبد الحميد البجوقي من صميم واقع معيش و مطوي خلف تجاعيد الزمان و المكان. حكايات تنبش فيما تبقى من جمال مكنون توارى  خلف صدإ متراكم بفعل ما اعترانا من عوامل القبح و القماءة.

(سيدة الياسمين) احتفاء بالإنسان و بالعلاقة الإنسانية في أسمى تجليّاتها الواقعية و الرمزية، و ذلك عبر حكي شيق شفيف يتوخى الإثارة و المتعة و الاستعبار، و يلامس ذاك الجانب  الحميم من كينونتنا الإنسانية.

رشيد الأشقر/  تطوان، 03 أبريل 2019.

1-  (عيون المنفى أوالمورو خايمي)، (حكايات المنفى أوعبسليمو النصراني) و (المشي على الريح أو موت في المنفى).

2-   النص منشور على الموقع الثقافي الإلكتروني: marayana.com

ناقد و مترجم