سيدي القاضي..

سيدي القاضي،
تحية، وبعد:

بعد أيام قليلة ستصدرون حكمكم الاستئنافي في ملف ليس كباقي الملفات، ملف مجموعة ناصر الزفزافي ومن معه، وإذ نعيد التذكير بأهمية ما ستسفر عنه مداولاتكم، باعتبارها مؤشرا على “حقيقة” استقلالية السلطة القضائية، فإننا لا نروم التأثير على قراركم، إذ المدافعون عن حقوق الإنسان هم أبعد عن هذه النية، ولم يكن التأثير في قرارات القضاء في هذا البلد إلا من جهات أشار لها تصريحا أو تلميحا التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، الذي تمت دسترة توصياته.

الأستاذ خالد البكاري

سيدي القاضي: أنتم أكثر إدراكا منا، انطلاقا من واقع التجربة، أن استقلالية السلطة القضائية عن وزارة العدل، لا تعني بالضرورة استقلاليتها عن مراكز النفوذ والتوجيه،، وأنتم أكثر وعيا بأن مستقبل البلد سياسيا واقتصاديا متوقف إلى أبعد الحدود على تفعيل هذه الاستقلالية في واقع الممارسة وإنتاج الأحكام، وتفعيل الاجتهادات القضائية، بما يؤهل هذه السلطة لتضطلع بأدوارها البيداغوجية.

ليست مهمة القضاء هي التطبيق الحرفي للمدونات القانونية والفقهية، بل مهمتها الأساس هي إشاعة الأمن القضائي تصحيحا واستشرافا: تصحيحا لأخطاء باقي الأجهزة، بما فيها الأجهزة الأمنية، تلك الأجهزة التي تنتصر للضبط قبل الحرية، بينما القضاء عليه الانطلاق من أولوية الحرية، الحرية التي هي أسبق حتى على العقيدة، واستشرافا للمستقبل، فلا يجب أن تدفع الأجيال القادمة ثمن الأخطاء الأمنية والقضائية، فلا مستقبل لدولة ترسخ “هيبة” الخوف: الخوف من المؤتمنين على إنفاذ القانون، والخوف من أحكام القضاء بعدها.

سيدي القاضي: إن حكمكم في هذا الملف لن تقف تداعياته عند ما هو قضائي تفصل فيه مواد القانون وبنوده، بل ستمتد آثاره للمستقبل،،
حكمكم له علاقة بالأمن المؤسساتي، وسيكون محددا لإمكان عودة صعبة للثقة في مؤسسات الدولة،، هذه الثقة التي تتراجع سنة بعد سنة، وبدأت تمتد لمؤسسات كانت بالأمس القريب محصنة من المحاسبة الشعبية والرقابة المجتمعية.

حكمكم سيفتح بابا للمصالحة بين الريف والمركز على أرضية جبر الضرر المجالي، وبناء الثقة بين جزء من الوطن ومؤسساته،، أو سيكون على العكس من ذلك بمثابة رصاصة الرحمة على أمل مازلنا متشبثين به لإصلاح ما يمكن إصلاحه،،
حكمكم سيدي القاضي: نتمناه مدخلا لتصحيح فهم خاطئ ل”هيبة” الدولة،، فهيبة الدولة بدء ومنتهى من هيبة قضائه،، ذلك الجهاز الذي يجب أن نلجأ له جميعا من أجل ضمان حقوقنا،، القضاء فوق الدولة،، الدولة قد تظلم، ولها من الآليات ما تصحح به أخطاءها إذا استفاق ضميرها،، لكن القضاء لا ينبغي له أن يخطئ، وإذا ما وقع ذلك، تكون تكلفة الإصلاح أحيانا متعذرة،،
سيدي القاضي: لن تحمي الوطن مقاربة أمنية،، ولن تحميه أوليغارشيات متنفذة، ولن تحميه بيروقراطيات متعفنة،،
قد نعصي والدا وما ولد،، فيبادر المخطئ منا كان في الأعلى أو في القاع للاعتذار،، وندشن المصالحة على مقتضى الحقيقة أولا والإنصاف تاليا وجبر الضرر الفردي والجماعي أخيرا..

لكن كل هذا سيظل فاقدا لضمانات عدم التكرار،، وتلك الضمانات لن يكفلها إلا قضاء وما قضى وبما اقتضى من روح القانون.
سيدي القاضي، لا داعي لتذكيركم بزمن الرصاص،، لقد طبخت المحاضر، وعذب الأبرياء،، لكن أكثر ما بقي في الأذهان مسجلا مكتوبا في تغطيات الصحافيين، وأحيانا مصورا،، هو جلسات المحاكمات التي افتقدت فيها أبسط معايير المحاكمة العادلة،، توارت وجوه من طبخوا المحاضر، ومن عذبوا،، وبقي القاضي وحده مكشوفا،، تطارده لعنة التاريخ ودعوات الأمهات… لقد أكلوا ثوم الظلم بأفواه قضاة، لم يكونوا قادرين على تحكيم ضمائرهم أمام جبروت آلة رهيبة .

سيدي القاضي: لا تنقصكم الكفاءة، فالكل يشهد لكم بأنكم فقيه قانوني مبرز، ولا أعتقد أنه تنقصكم الشجاعة التي كانت عند زميلكم القاضي “فالكوني” الذي تحدى دولة المافيا الصقلية، وهاهو اليوم الشعب الإيطالي يحيي كل 23 ماي ذكرى اغتياله، لا يحيون ذكرى موسوليني،،، لكنهم سموا مطارا باسم القاضي “فالكوني”، وخلدته الذاكرة الجمعية للشعب..

سيدي القاضي: العدل أساس الحكم، واستمرارية الدول رهينة بنزاهة واستقلالية وعدل قضائها. فرجاء،، لا تجعلوا جيلا قادما يكفر بالوطن..