2017/10/22

طَبَقُ الحرية المواطِنة

- 21 أكتوبر، 2016


أحمد الخمسي - كاتب صحفي ومناضل سياسي

مصدر القلق يتلخص في شد الحبل بين الادعاءات المتبادلة على الهواء. ومثل باقي الناس، أتعبني الادعاء والقلق معا. فتركت حبل التداعي لمخيلتي مستعينا بذاكرتي حول ميزان القوى بين عناصر الألم وعناصر الأمل. واستعنت ب”ذاكرة القرب” على وزن سياسة القرب.

يحيل ذكر الطبق على المطبخ مباشرة. ويحيل المطبخ في المخيال الشرقي على المرأة أوتوماتيكيا. ومن فرط كسل الرجال في بلادنا، خرجت المرأة للعمل الحديث، بعدما حملت الجنين بفعل دورها الأنثوي ثم حملت أعباء الحياة كلها، أي كل ما ألزمها به “زمام المتروك” الاجتماعي من دفاتر التحملات جميعا، من واجبات الطاعة والتربية ومهام الاقتصاد المنزلي. ثم كما لو كانت “حمار الشلح” عضت بالنواجد على ما أضافته الحداثة من مواصفات الاستحقاق المهني والحرص على التوازنات. فتراها محملة بما لا تطيق النفس فوق وسعها أضعاف الأضعاف.

ما علينا (كما يقول المغاربة). ولأن محمد ويوسف سبقاني بسنوات ضوئية لاستيعاب هذه الملاحظات المكتوبة أعلاه، فقد أصبحا طباخين ماهرين في منزلهما. فانطلقت زوجتاهما بشرى ولطيفة لا يكاد الهاتف المحمول يتركهما تكملان أي حديث حي دون الرن لمعرفة من الهاتف الداعي؟.

عن قرب، لمست كيف تفتل الحرية والمساواة حبل التماسك العائلي قويا، عصي الانقطاع، من خلال المودة التي تشع حبا غير متناهي في عيون الأبناء: حمزة وسلمى وآدم.  ولأن مفاعيل الحياة اقتضت أن تمتلئ قلوب محمد ويوسف وبشرى ولطيفة بقيم التضامن الاجتماعي، فقد انطلقت الزوجتان في العمل الجمعوي لاستدراك صون كرامة النساء والأطفال الذين مسحت ظروف الهشاشة أشعة الأمل من عيونهم سنين عددا. راكمت لطيفة وبشرى خبرة رهيبة في التواصل والعلاقات العامة واستوعبتا من صلب المعيش ما توصلت إليه أدمغة فرويد ودوركايم من طيات الكتب ومن المختبرات العلاجية والتحليلية.

عندما يطلع المرء على الموقع السياسي للزوجتين المذكورتين، ينبهر من كون محمد لا يتباطأ في أداء الصلاة بعد سماع الآذان. كما لو كان من صلب العلمانية الانجلوسكسونية التي انبثقت من رحم التدين. ولأن يوسف قضى سنوات من قبل في اسبانيا، تراه يسلك مع لطيفة الزوجة سلوك الأخ المرح وهي تدعوه للقاء أصدقائها الرجال الذين أبهروها بلطف سلوكهم. لا عُقَد ولا تعقيدات. ساعتها يستخلص الشيطان أن لا مكان له ضمن هذا الجمع الملائكي الحداثي. الثقة بالنفس عملة لا يفوقها معدن الذهب في القيمتين الاستعمالية والتداولية كما يقول الصيارفة. ونكران الذات كالسحب التي تنفع الناس أينما ذهبت يمطر غيثها قطرات محبة في قلوب الآخرين.

حليمة وأفوريد وسارة ومروان وشيماء وطارق ونعيمة ومنير ومحاسن والجعباق وجلال وعصام ومعاذ وأيمن والهراس وسلوى والطاهري، درر بشرية ومعادن. منهم شهد النحل المركزي ومنهم الطوافين في القواعد الخلفية يتسللون بين المسالك في غابة الخلق: عبد الوهاب وحميد وعبد اللطيف وناصر ونجلاء وسميرة وزهرة وعبد الناصر… يخيطون ثوب الهموم بخيط النكت المضحكة لرسم الأمل على الطريق المؤدي إلى محطة المشاركة في التصويت. يؤكدون أن للشعب يوما للحكم بنفسه مباشرة دون وسيط. يتبادلون الرأي في قلب الأوضاع لقلبها رأسا على عقب بردا وسلاما بواسطة صندوق الانتخاب، بلا سوريا ولا وجع دماغ.
أعجبتهم مقاربة العناكب والنمل والنحل (فرنسيس بيكون) فأصروا أن ينتجوا العسل برهانا للعطاء والممانعة معا. ثلة منهم جاءت من مسيرات 20 فبراير قبل ست سنوات ثم استووا على عرش المواطنة المعطاءة. وثلة مارست تمرينات المواطنة في التظاهرات القطاعية في منظمات المجتمع المدني. وثلة خرجت من الافتراض الفيسبوكي حاملين في مخيلتهم إشراق “باسيوناريا المغرب” بتعبير لوموند الفرنسية، نحو حقل المشاركة البهية.

تلقت وفاء مكالمة ابنها من الرباط يقترح عليها الالتحاق بما فكرت هي أن تمارسه في فترة الخصوبة التي يعرفها استقرار المغرب في رحم السياسة كل خمس سنوات. كانت بينهما “التيليباتي” وهي التي لا تفارق روح سيدي حمزة بسبحتها. لم تنكسر في ذهنها الجسور بين مارس وماركس وابن عربي وابن الفارض. أثر مولاي الطاهر ما زال يجلل ملامح وجهها، وهو الأماميُّ السابق. تلك شجرة مولاي التهامي ودار الضمانة التي خلد المؤرخ خالد الناصري مأثرة دورها في حل مشاكل منطقة تلمسان الجميلة بنت فاس. كان الراحل الرئيس بنبلة قد كتب في بعض مذكراته كيف رأى أهل تلمسان محمد بن يوسف في القمر.

عجيب أن تجتمع وزارة الخارجية بعد حكاية السويد لتستبدل السفراء على مقاس الجيل اليساري الذي خبر العلوم السياسية في مونبوليي، المدينة التي تحتضن جزءا من مواطنيها أحفادا لموريسكيين احتضنتهم فرنسا بقرار من الملك الطيب الحكيم هنري الرابع. الملك المصلح الذي اغتاله ساعتها الأصوليون المحافظون الكاثوليك الذين لم ينسوا هزيمتهم في معركة القصر الكبير بالمغرب قبل 32 سنة فقط بقيادة الملك البرتغالي القتيل سيباستيان.

فضائية فرانس24 المؤرخ المعطي منجب عن موقع فيدرالية اليسار في الانتخابات الحالية… السؤال الذي كررته القناة المذكورة بحضور ممثلة الاتحاد الاشتراكي وممثل النهج الديمقراطي؟ هذه الريح التي نفخت من روحها في قلوب سناء وفاطمة والهشامين (التطواني والبيضاوي) وسعيد ورضوان ليستبدلوا رسم صفحتهم الفيسبوكية؟ هل هُمْ سرب من فصيلة الهدهد الذي حمل رسالة الملك سليمان إلى بلقيس؟.

قادني صخب الثلاثين سنة الماضية إلى صمت الملاحظ الذي يراقب بهدوء ما يستعصي على الفهم في أوج الحركية. هدوء يقلقني كما لو أصبحت تعبا من بطء الزمن المغربي بفعل السحرة والمهرجين على طول الطريق.
طفل في الرابعة عشرة من عمره ذهب اشترى الورد خفية ليقدمه لمن سماها مرفقا صورته معها على الفيسبوك: “المرأة التي ستخرج المغرب من مستنقعه”. بدأت أفهم قليلا الآن. إنها النبيلة.

نادية، جواد، الشريف الأمين، سعيد، نبيل، حفيظ، أمينة، الهاشمية، سعاد، حكيمة، العربي، أسامة، أحلام، بعلامة العودة لا بملمح الملامة. منهم من سلم بحرارة بين الجدران ومنهم مريم ورضوان من وجدوا أنفسهم وأفكارهم على الهواء والملأ على شريط الفيديو حيث يعبرون باطمئنان كما العادة. بفصاحة الشعراء وكبرياء المناضلات.

فهمت أكثر عندما رأيت صورة شهيد الشهداء المهدي بنبركة وأم المناضلات زهور العلوي. متلصصا، بِصمتٍ بَصَمتُ على الورق ملاحظاتي، عددت صور سمية وفاطمة وخديجة وكل من ذكرت وكل من سهوت عن ذكرهن وذكرهم، ثم أصابني الشرود وطاف هدهد خيالي بعيدا. تذكرت الراحل مصطفى الخطابي الذي قبع 12 عشر سنة بين الأسوار تحت وابل الرطوبة المفرطة بالمهدية.

رفعت عينَيّ عاليا، فصادفت صورتَيْ الراحلين عبد السلام الموذن وحسن الدردابي على الجدار. ودعت محمد وسميرة واستحسنت وصية خديجة أن أستدرج لطيفة كي تتناول قسرا طعام الفطور. بينما بقي أحمد وعبد الحي وعبد الإله في مطبخ الحرية يهيئون الجزء المتبقي من الطبق الطازج.

أخيرا وبمينيتي المعهودة وسط يسار يقظ أبدا ضد النزوعات الاعتدالية واليمينية، همست في أذن خديجة: “يجب الاجتهاد في تفصيل ملامح الرؤية. خصوصا عندما نطالب الحاكم أن يسود ويبتعد عن الحكم. يجب أن نضع أنفسنا مكانه، وهو كلما سمع السيادة دون الحكم، تَذَكّرَ حالة شاه إيران وحالة هيلاسي لاسي. مع ضرورة تذكر التعاقد ودفاتر التحملات بين المتعاقدين بدل تبادل التهديد.

من يضمن أن من يحكم ينزعج من تلصص جواسيس محتملين أكثر من اطمئنانه من كثرة الموالين المنبطحين”. لأعترف أن اعتدالي ويمينيتي استقيتها من قادة الشرق الأسيوي. كان ماوتسي تونغ يوصي دائما أن يتجنب الثوريون المعارك العارية وكان لينين يتقد الجملة الثورية ومرض اليسارية الطفولي وكان هوشي منه يقود المفاوضات في باريس مبتسما مسلما على المفترسين المفاوضين الأمريكان والفييتكونغ يتلقى طوفان قنابل B52، ولأنني كذلك، كنت دشنت دخولي 23 مارس بعزم أكيد وفي نفس الوقت لم أستطع ترك حركة عمر دهكون وبنونة دون سند عبر إذاعة ليبيا، لما كان الهوى البلانكي له طعم الاختيار الثوري كإرث لامع للمهدي بنبركة.. ففراشة الأنوار نبعت من تلك اليرقة الأولى لتضمد جراح أنــــوال الدامية ساعتها…. ولأن الصبر الوجودي والوجداني جزء عضوي من فلسفة الحياة المؤمنة بمستقبل شعب المغرب، بسيادة كاملة وغير منقوصة، فالفرح الآتي بلسم تندمل معه كل الجراح وينقلب الدم وردا منه قدم آدم إكليلا لنبيلة.