عادل أوتنيل.. روح إبداعية تكسر إعاقات الجسد

يفضل بعضهم اختزاله في سيرة شقاء مزمن، ويطيب لآخرين أن يرفعوا اسمه إلى منزلة النموذج الملهم بإرادته التي هزمت كل إعاقات الجسد والعوز والوحدة. أما عادل أوتنيل، الشاب المغربي الفقير، واليتيم، والمعاق، ثم المريض حديثا، فيفضل أن يعيشها حتى الرمق الأخير بكل احتمالات السعادة الممكنة.

سلاح عادل (42 عاما) في رحلة الصعود كتابة عن الذات، وتأمل في الوجود، وابتسامة مشرعة في أحلك الأيام. وأحلى صوره تلك التي يلتقطها مع مجموعة قصصية صدرت له، أو رواية يوقعها برواق في معرض للكتاب.

وأقوى الصور رمزية تلك التي تخلده في مدرج جامعي احتشد عن آخره بالطلبة وسكان حي “الليدو” الكادح الشهير في مدنية فاس (شرقي المغرب)، ومتعاطفين حلوا من مناطق بعيدة، حين كان يناقش دكتوراه في الدراسات العربية بجامعة فاس.

حين رأى النور بتيزنيت (جنوبي المغرب) كانت الأم قد رحلت إلى الأبد، فارتسمت نذر معاناة وألم يرافقه طيلة حياته، وهو الذي ولد بإعاقة حركية شبه كاملة ضاعفت من وقع المأساة. سيظهر الأب حينئذ ليكتب مع صغيره عهد الكفاح المرير من أجل حظ ولو قليل من حق المعرفة والصحة.

يحمله على كتفيه ويطوف به المستشفيات أملا في التخفيف من حالة العجز التام، ويطرق باب المدارس التي يرفض أغلبها التمكين للطفل في مقعد دراسي بدعوى أن الحالة “غير سوية”، لولا أن إصرار الأب الصبور لن يضيع سدى، فيتجاوب الجسد قليلا مع العلاج وتدبّ حركة بطيئة في المفاصل حتى يكتسب الولد قدرا من الاستقلال، وتنفتح أبواب المدارس فيعثر هذا الشغوف المبكر بعبق الكتب على طريقه. وكأن الوالد كان في مهمة سريعة. لن يرافقه طويلا، فيتجدد لقاء عادل مع فداحة اليتم وقدر الوحدة.

وداع البلدة

موعد وداع البلدة يدنو. الشهادة الثانوية لم تعد حلما بعيدا، وعادل لن يتوقف هنا. سيلتحق بالكلية القريبة في مدينة أكادير (جنوبي المغرب)، حيث يحصل على الليسانس في الأدب العربي، ليقرر مواصلة الرحلة بعيدا.. في فاس، ولذلك دلالة.

إنها جامعة محمد بن عبد الله، قلب الحركة الطلابية، ومهد اليسار الذي وجد فيه عادل أفق النضال من أجل حياة الكرامة والإنصاف. هناك، في الساحة الجامعية، وفي الحي الشعبي المحاذي ستكبر أسطورة حية للشاب الذي يلهم اليائسين والضائعين طريقهم إلى حب الحياة وتقدير نعيمها.

“إنه أيقونتنا، نستلهم منه العزيمة التي تخوننا”، يقول عزيز بوبكري، واحد من الأصدقاء المقربين الذين يلتفون باستمرار حول عادل، بلا أدنى شعور بالمن. “بالعكس، نحن المدينون له بالأمثال التي يضربها لنا يوميا عن إرادة لا تقهر”.

يستعيد معارك رفيقه الكثيرة التي خاضها من أجل حقوق مشروعة وبسيطة. إضراب عن الطعام إثر هدم الغرفة الصفيحية التي كان يقيم بها، انتهى بمبادرة لشركة عقارية مكنته من شقة متواضعة، وفصل آخر من معركة الأمعاء الخاوية فقط من أجل حق مناقشة الأطروحة التي كاد يجهضها مرسوم وزاري، لكن عادل ينتصر دائما.

وها هي لحظة حصوله على الدكتوراه بأعلى نقطة وبتوصية بالنشر من قبل لجنة من كبار أساتذة الأدب، ترتسم وشما في الذاكرة بعد أن تجاوز الحدث أسوار الجامعة، وانهمرت الدموع في مشهد استثنائي لا يحدث إلا في سينما الحلم والمشاعر.

مغامرة الكتابة

بموازاة مع التألق الجامعي، يخوض عادل أوتنيل مغامرة الكتابة والأدب التي ولدت منذ الطفولة. في رصيده اليوم مجموعة قصصية بعنوان “على عتبات الليل”، ورواية “اللصيلصون في قصر المتعة”، بالإضافة لأطروحة جامعية حول “صور الاغتراب في شعر الصعاليك”. وحين فاز بجائزة عن مجموعته القصصية، فقد أنفق قيمتها في نسخ نصوصه وتوزيعها مجانا على الطلبة والرفاق.

بعسر بالغ في النطق، يستعيد عادل قصته مع الكتابة واللغة. “لقد جعلني السفر بين دروب الأدب أمتلك رؤية خاصة للعالم وللأشياء. ألهمني شعلة الاستمتاع باللحظة الزمنية، وفتح لي أفق التصالح مع الذات والكون”.

هو ابن المدى المفتوح، يهفو دوما للاستمتاع بأنفاس الطبيعة. يتذكر أنه كان يمشي على الأقدام خمس أو ست ساعات يوميا خارج العمران. بل أمضى أياما في حضن الفضاء المفتوح. يرى نفسه جزءا من الطبيعة. وبلغته الخاصة “قمة السعادة لحظة توحدي مع الطبيعة”.

بقدر ما فشل الفقر في قطع الطريق على أحلامه، فإن المال لا يعني له شيئا إلا التكفل بالحاجيات الدنيا للبقاء. أما الإعاقة الجسدية، فقد آمن مبكرا بأنه “عندما تمتلك الإرادة الفولاذية، لا أحد، ولا شيء يستطيع قهرك”. هنا أيضا، كان الأدب الملاذ الدافئ “لقد جعلني أفتخر بإعاقتي. أصبحت امتيازا وليست نقصا..”.

لا يتأمل عادل وضعه طويلا ليقول “لو كانت كل المخلوقات متشابهة لفقدت الحياة نكهتها.. اختلافي امتياز.. لست ناقصا ولكنني مختلف..”.

لا يبدو أن الحياة مستعدة لإبرام هدنة مع عادل أوتنيل. ولعلها أم المعارك التي دخلها حديثا، حين انكشفت معاناته مع داء خبيث لم ينل من شغفه شيئا. يواجهه بلا موارد، بصدر مفتوح. بصعوبة جمة، أقنعه الرفاق بفتح حساب مصرفي لتلقي مبالغ دعم تقتضيها رحلة العلاج الشاقة.

صرخة كاتبة

وسط صمت المؤسسات المعنية بالإبداع والمبدعين وبذوي الاحتياجات الخاصة، تطلق الروائية الزهرة الرميج صرختها “الدكتور عادل أوتنيل مثال خارق في تحدي الإعاقة الجسدية وفي الإرادة الحديدية التي لا تقهر. إنه يشعر من يجالسه بالعجز أمام تفاؤله وقدرته الأسطورية على مقاومة الظروف، والتعطش الدائم للتحصيل العلمي والشغف بالكتابة الإبداعية والبحث العلمي”.

لو كان هذا الشاب في بلد من البلدان التي تحتفي بالنماذج الإيجابية لتكون قدوة للآخرين، تقول القاصة والروائية المغربية، لكان وضعه مختلفا، ولتم اعتباره بطلا قوميا في تحدي الإعاقة، وتهافتت عليه القنوات التلفزيونية، وأنجزت حوله أفلام وثائقية، وقدمت له عروض مغرية لكتابة سيرته الذاتية التي بالتأكيد ستباع منها آلاف النسخ…

وبصفتها من المتابعين لنضاله الدائم في سبيل العلم والحياة الكريمة ولإبداعاته الجميلة، ومن المعجبين بقدرته على المقاومة والتحدي، تناشد الكاتبة الجهات المسؤولة أن تمد له يد العون، وخصّت بالنداء الجامعة المغربية التي دعتها إلى منحه جائزة تحدي الإعاقة وطبع أطروحته احتفاء بنموذج ملهم.

في انتظار ذلك، فإن عادل أوتنيل يواصل العيش بما أوتي من روح متوثبة عاشقة. “نحن من ننهار أحيانا”، يقول عزيز بوبكري، رفيق المحنة والحلم، “أما عادل أوتنيل، فيصبر، ويضحك، وقد يسخر من هشاشة الآخرين”.

مقالات أخرى حول
, ,