2017/07/28

”عروس ماطا ” صراع الفرسان بدون سروج

إسماعيل بويعقوبي

تحضى ”عروس ماطا” بمكانة متميزة ضمن الثراث الثقافي والحضاري لقبائل ”جبالة” شمالةالمغرب حيث ترتبط هذه ”اللعبة” بقيمة الفارس وكرامته في تجليات عميقة توحي بجمالية مشهد رصّع الموروث الثقافي للمنطقة ، فعروس ماطا أو كما يحب أن يسميها أبناء قبائل جبالة هي بمثابة تجسيد واضح لصراع نبيل يكون بطله فارس في إطار مباراة تجري أطوارها في أحضان الطبيعة .

لقد إمتزجت لعبة ”عروس ماطة” بمفاهيم الشرف والدفاع عن القبيلة بل تعدته إلى معاني أعمق ودلالات الفوز والإنتصار وما دون ذلك إنما هو إنتقاص للكرامة وهزيمة يتجرع مرارتها الفارس طوال السنة ولاتقتصر فقط على موسم ”ماطا” .
من هذا المنطلق رُمنا إلى تسليط الضوء على هكذا موروث ثقافي بمنطقة شمال المملكة وبالضبط قبائل بني عروس”جبالة”  بإعتبارها من أسس لهذه اللعبة والتي ظلت متشبتة بهذا التقليد العريق حتى أصبحت تنظم في إطار مهرجان سنوي كرابط بين دينامية الحاضر الواعد والمستقبل المشرق .

إن إعداد عروس ”ماطا” يعتبر في حد داته لوحة فنية تستقي تفاصيلها الصغيرة وجزئياتها البسيطة من مقدرات منطقة غنية من حيث معطياها الثقافية من تقاليد وعادات حيث تجتمع نسوة لهن دراية بإعداد عروس ماطة التي يتم صنعها من أوراق ونبات البرواق الشديد التحمل فيقمن بتزيينها ”بقفطان ” ”وتكشيطة ” بعدها يحضر شباب القرية فيظلون يطالبون تسليمهم (العروس) إلا أن الفتيات يتفقن على تسليمها لشاب تتوفر فيه مواصفات الفارس المغوار كأن يكون سريع الحركة بالفرس ويتقن فنّ المراوغة والتمويه بالإضافة لفرس قوية وسريعة ، بعدها تتم المناداة على الفارس (المختار) وتسلم له (عروس ماطا) يزودنه بالنصح والتوصية من أجل الحفاظ على ”عروس ماطا ” لما لضياعها وسقوطها في أيدي القبائل الأخرى من دلالات الهزيمة والإذلال ومع زغاريد النسوة والتهليل و (العيوع) ينطلق السرب الخاص بالشباب حيث توزع الأدوار بينهم لا لشيء سوى للحيلولة دون ضياع (ماطا) وبمجرد الوصول إلى ميدان المنافسة وفي حضور أعيان وشيوخ القرية يتم توزيع الفرق وتحضر أسراب من قبائل أخرى التي تطالب بحقها في (عروس ماطا) ليحتد الصراع والتنافس .

من هنا ينطلق صراع الفرسان (بدون سروج ولا بنادق ) حيث أن العروس تصبح من نصيب الفارس الذي ينجح في الإستئثار بها ونزعها من الفارس الذي حضي بثقة الفتيات لتنطلق معه إحتفالية أخرى حيث يعمل على حملها الفارس الذي حضي بها إلى الدوار الذي ينتمي إليه ، معلنا بذلك عن بداية عهد جديد من مجد سيمكنه من التربع على عرش مفهوم الفارس البطل داخل القرية لموسم فلاحي كامل ، ترافقها إحتفالية وسط زغاريد وأنغام (الطقطوقة الجبلية ) ليكرم الفائز كأفضل فارس في القبيلة والقرية بحيث يستطيع وقتها طلب الزواج من أجملهن ، في مقابل ذلك يشكل ضياع (عروس ماطة ) وعدم التمكن من الحفاض عليها وحمايتها وصمة عار في جبين الفارس الذي إخترنه النسوة ، كما يشكل تحديا يظل جاثما  على نفوس القرية التي تكون ملزمة بإسترجاع عروس ماطة الأمر الذي يدفع بأعيان القرية الخاسرة القيام بالمساعي الحميدة والإنتقال إلى قرية الفارس المظفر مرفوقين بالهدايا والذبائح بعد أن يرحب بهم وتقرأ الفاتحة ويتم تسليم العروس لأهلها ليعودو إلى القرية حيث يتم حفظها إما في ضريح أو لذى أحد أعيان القبيلة .

إن تقليد (عروس ماطا) وإن كان يظهر في شكله كونه لعبة الفرسان بدون سروج إلا أنه يحمل دلالات أعمق من مجرد تنافسية بإعتبار معطى الدفاع عن شرف القبيلة وقيمها وتقاليدها كما أنه أيضا إعتراف بدور الحصان بإعتبار المكانة المتميزة التي يحضى بها ضمن الموروث الثقافي لمنطقة (جبالة ) على الخصوص وشمال المغرب عامة.