عندما أعلنت الدولة إفلاسها !!

بعد منتصف الليل، وقبل أن تشرق شمس 13 نونبر 2019، قررت لجنة المالية بمجلس النواب المغربي المصادقة فجأة بالإجماع، مع اعتراض نائب واحد، على مضمون المادة 9 من مشروع قانون المالية لسنة 2019 التي تنص على آلية لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها، “دون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها للحجز لهذه الغاية”، كما جاء في النص، وهذا هو الأهم.

لقد تابع الجميع الجدل الذي أثاره طرح المادة 9 المذكورة في قانون مالية 2020، والاعتراضات الحادة التي صدرت عن جمعيات هيئات المحامين بالمغرب ونادي قضاة المغرب والهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين وغيرها من الهيئات والإطارات إضافة الى كل الكفاءات العلمية والقانونية التي عبرت عن رأيها والتي أجمعت كلها على عدم دستورية المادة موضوع الجدل شكلا ومضمونا وعلى أنها تشكل ضربا لأسس دستور 2011 الذي ينص على فصل السلط وعلى مساواة الجميع أمام القانون وعلى نفاذ الأحكام القضائية في مواجهة الجميع بدون استثناء بما فيها الدولة.. وقد استمر ذلك الجدل على مستوى مجموعة من الفرق البرلمانية التي أعلنت رفضها الحازم لهذه المادة لنفس الاعتبارات أعلاه، خاصة وأنه سبق رفضها سابقا.. وقد تُوج هذا الجدل بتلميح بعض الوزراء في الحكومة التي صادقت عليها الى سحب المادة من مشروع قانون المالية لسنة 2020 وإحالتها على لجنة تعديل قانون المسطرة المدنية كونه القانون المعني بتحديد إجراءات تنفيذ الأحكام القضائية وليس قانون المالية.

الاستاذ محمد رضا السلاوي

إلا أنه وبعد أن نام الجميع ليلة اجتماع لجنة المالية مطمئنين لسلامة الرأي الرافض للمادة المشؤومة المعبر عنه داخل لجنة المالية وحزم المعبرين عنه، بعد أن أرغى الجميع وأزبد في رفض المادة كما نقلت ذلك وسائل الإعلام المختلفة، خاصة بعد إجماع كل الآراء القانونية على رفض المادة والطعن في دستوريتها، استيقظ الجميع يوم الأربعاء الماضي على مفاجأة تمرير المادة بالإجماع داخل اللجنة مع اعتراض واحد كما أسلفنا من طرف النائب “عمر بلافريج”، وذلك بعدما نادى المنادي أن هلموا للمصادقة على المادة المذكورة وكفى من تمثيل دور نواب الأمة الذي لا تتقنونه، فالإعلان على “إفلاس الدولة” لابد أن يكون بإجماع كل “الحساسيات السياسية” الممثلة، مثل الإجماع على تخوين حراك الريف أيامه..

نعم، لقد أعلنت الدولة عن “إفلاسها” بهذا القرار، وقد تُوج المسار السابق بمصادقة “مجلس النواب” على مشروع قانون المالية لسنة 2020 بعد يومين فقط كما كان متوقعا بأغلبية 146 صوتا مقابل 60، في حين كان عدد المتغيبين من “نواب الأمة” في جلسة التصويت على أهم قانون يعد كل سنة ليحكم مصير المغاربة أكبر من عدد المصادقين على القانون.. رغم كل الامتيازات المالية الخيالية التي يغدقها هؤلاء النواب على أنفسهم بتشريعاتهم والتي كانت لتكفي لتنفيذ جزء كبير من الأحكام الصادرة ضد الدولة دونما حاجة للحجز ولا لهذه المادة المشؤومة.

لقد أعلنت الدولة عن إفلاسها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي بهذا القرار، لأنه يعني ببساطة أن كل ما جاء في دستور 2011 بخصوص فصل السلط ومساواة الجميع أمام القانون واستقلال السلطة القضائية ودولة الحق والقانون والمؤسسات قد تم التراجع عنه ب”قانون”، وبشكل واضح وجلي ولا يقبل الجدل، بل ورغم كل الجدل الذي أثير حوله من طرف المعنيين المباشرين به ورفضهم الصريح له.. إذ رغم كل ما قيل ويقال عن حق عن تأخر تنزيل مضامين دستور 2011 وعدم تفعيل القوانين وعدم تطبيق القوانين رغم تشريعها، ورغم كل الملاحظات بخصوص عدم القدرة على الوصول الى الاستقلال الحقيقي للسلطة القضائية والفصل الحقيقي للسلط وغياب دولة الحق والقانون والمؤسسات على أرض الواقع… فإن كل هذا كان يتم إلصاقه بما يسمى ببؤر المقاومة واللوبيات والتماسيح والعفاريت وغيرها، ممن ألصقت بها تهمة عرقلة التغيير نحو الأفضل، وظل المطبلون يتغنون بأننا نتقدم بقوانيننا دائما نحو الأفضل وإن كان هناك اعتراف من بعض مؤسسات الدولة نفسها بأن هناك بعض النقص أثناء التطبيق.. ولكن بتضمين هذه المادة بقانون المالية بما جاءت به من وضوح وحزم وبالطريقة التي تم إقرارها بها فإن الدولة تعلن تراجعها عن كل الحديث الجميل الذي قيل، وتؤكد بنص تشريعي صادر عن “السلطة التشريعية” بتوافق بين كل الفرق البرلمانية “خلال وجبة غداء” كما قيل، على أن كل حديث عن إلزامية الأحكام القضائية للدولة هو محض وهم، وأن تنفيذ هذه الأحكام رهين بها وبإرادتها الحرة، مقررة إلغاء كل مقتضى قانوني ينص على إجبارها على التنفيذ عن طريق الحجز على أموالها وممتلكاتها ولو تخلفت عن التنفيذ.. وهذا ما يعني “إفلاس الدولة” ولا شيء غيره.

“إفلاس الدولة” هنا لا يعني أنها لا تملك المال أو لا تملك السيولة اللازمة، وإن كانت تريد الإيحاء بذلك وتجعله سببا للضغط لإقرار هذه المادة، مدعية أن استمرار تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها سيؤدي الى الإخلال بالتوازنات المالية للميزانية مما يعني أنها غير قادرة على تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها دون توقف أو عرقلة سير مرافقها.. ولكن الحال غير ذلك، ونحن لا نعني ذلك بأي حال. فالدولة في شخص ممثليها وإن تذرعت بأن الأحكام التي تم تنفيذها ضدها عن طريق الحجز بلغت 10 مليارات درهم خلال الثلاث السنوات الأخيرة مما يهدد استمرار اشتغال المرافق العامة، وكأن مبلغ 3 مليارات درهم سنويا أو أكثر بقليل لا يمكن إيجاد منفذ لصرفه في الميزانية أو إيجاد مورد له، إلا أن المطلع البسيط على المبالغ الخيالية التي تصرف سنويا على أنشطة غير منتجة اقتصاديا أو اجتماعيا أو ثقافيا أو بيئيا.. تؤكد أن هناك هدرا للمال العام وبشكل خيالي.. ولنا في مهرجان موازين السنوي الذي يلاقي رفضا شعبيا متناميا وبرامج السخافة على التلفزة مثال بسيط ولكن حي.. إضافة الى ذلك تبرز المبالغ الخيالية المخصصة في الميزانية التي تم المصادقة عليها والتي لم تتم مناقشتها والمخصصة لنفقات معينة للتسيير في عدة قطاعات (المعدات والنفقات المختلفة مثلا) أن هناك أموالا طائلة كان من الأولى أن يرصد جزء منها لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة للأولوية واحتراما لهيبة القضاء على الأقل، علما بأن ذلك لن يتسبب في توقف المرفق العام أو عرقلة اشتغاله، هذا ناهيك عن الأموال المرصودة لخدمة الديون الخارجية وتلك كارثة أخرى، وستمكن إطلالة بسيطة على قانون المالية المصادق عليه من معاينة كل ذلك.. ولكن ما نعنيه “بإفلاس الدولة” لا يعني أنها أعلنت إفلاسها ماليا وهذا مبررها المزعوم، بل أنها أفلست على جميع المستويات وهذه حقيقتها الواضحة.

لقد أعلنت الدولة “إفلاسها السياسي” بإصدارها للمادة 9 المشؤومة لأنها وهي تحتفل بذكرى “عيد الاستقلال”، تحت خطابات دولة الحق والقانون والمؤسسات وفصل السلط ومساواة الجميع أمام القانون وغيرها من الشعارات الرنانة، تجدها تقرر خرق الدستور الذي ينص على كل ذلك بإقرار مادة تنص في المحصلة على عدم خضوع هذه الدولة لسلطة القانون، إذ ما الذي يفيده وضع القوانين التي تحدد مسؤولية الدولة ومؤسساتها وإنشاء المحاكم الإدارية المختصة بمقاضاتها ووضع القوانين التي تنص على آليات تنفيذ الأحكام ضدها، وفي النهاية وضع نص يهدم كل ذلك ويقضي بنزع الوسيلة الوحيدة التي الدولة على تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها؟! ففي حين يتم إجبار المواطن العادي على تنفيذ الأحكام الصادرة ضده بالقوة العمومية أو بالحجز التنفيذي على أمواله أو بإكراهه بدنيا عبر إيداعه في السجن، وفيما يتم إجبار الشركات الخاصة وخاصة المقاولات الصغرى على التنفيذ عن طريق الحجز التنفيذي على أموالها وممتلكاتها.. تقرر الدولة أنه لا يمكن الحجز على أموالها وممتلكاتها لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها دون ترتيب أي جزاء على عدم التنفيذ، تاركة الأمر رهن إرادة الآمرين بالصرف للتنفيذ في حدود الاعتمادات المتوفرة، في أجل اقصاه 4 سنوات، دون أي جزاء في حالة عدم التنفيذ خلال هذا الأجل، لأن الحجز ممنوع في جميع الأحوال. وبذلك تكون الدولة قد أعلنت إفلاسها سياسيا بإعلانها رسميا وبقانون عدم احترامها للدستور الذي يفترض ان يشكل الإرادة الأسمى للأمة، وتكون قد وضعت نفسها في مصاف الدول الاستبدادية لأنها وضعت نفسها فوق القانون وقررت بقانون عدم خضوعها للقانون وذلك بعدم خضوعها لسلطة القضاء المعني بتطبيق القانون، وجعلت من الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة مجرد وثائق لا قيمة لها، إذ لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له.

إضافة الى ذلك فلا مجال اليوم للقول باستقلال السلطة القضائية عن باقي السلط، فهاهي السلطة التشريعية تشرع للسلطة التنفيذية بناء على طلبها تجميد الأحكام القضائية النهائية الصادرة في مواجهتها وعدم نفاذها تجاهها إلا بإرادتها، فأي هيبة ستظل لسلطة قضائية عاجزة عن إنفاذ قراراتها وأحكامها في مواجهة الدولة وإنصاف المواطنين من جورها.

لقد أعلنت الدولة “إفلاسها الاقتصادي” كذلك بهذه المادة المشؤومة لأنها حكمت على “النموذج التنموي الجديد” الذي تسعى لبنائه بالفشل قبل انطلاقه. فأي نموذج تنموي ستقوم له قائمة إذا اكتشفت المقاولات المحلية أن القانون لم يعد يحميها في مواجهة الدولة إن هي تعسفت عليها ورفضت أداء ما عليها من مستحقات لفائدتها، وذلك بعدما صارت يد القضاء مغلولة في إنفاذ أحكامه تجاه الدولة وهو الملجأ الأخير لكل من يطلب أداء مستحقات أو تعويضات في مواجهة الدولة إن تعسفت وامتنعت عن الأداء أو اصدرت قرارات سببت ضررا لهذه المقاولة أو تلك، وكيف لنا أن ننافس الآخرين في توفير مناخ مناسب للاستثمار الاجنبي بغية جلبه كما تتشدق بذلك الدولة المغربية في كل مناسبة وهي تقر قانونا يمحو أي ضمانة قانونية أو قضائية لهذا الاستثمار الأجنبي في مواجهة الدولة إن تعسفت في حقه، وهو الأعلم بما يعرفه المغرب من ارتباط وثيق بين المال والسياسة، خاصة وأن أغلب الحاكمين هم في الأصل رجال أعمال لا يتوانون عن تسخير الإدارة لخدمة مصالحهم، وهذا هو ما يجعل النزاعات والعراقيل أمرا محتوما ناهيك عن عوامل أخرى لا مجال هنا لتناولها، ليبقى “القضاء الإداري” الذي أبان خلال تطوره عن علو كعب في مواجهة تعسفات الإدارة هو الملجأ الأخير للرأسمال الأجنبي كما المحلي في مواجهة قرارات الإدارة إن تعسفت عليه بتوجيه من المتحكمين في دواليبها خدمة لمصالحهم… ولكن أي ثقة ستبقى للاجئين لهذا القضاء إن كان تنفيذ أحكامه رهينا بإرادة المحكوم ضده ولا سبيل لإجباره على تنفيذها بصريح القانون؟؟ لن نجد في النهاية أي مقاولة أو شركة محلية أو أجنبية تقبل بإنجاز أشغال أو توريدات لفائدة الإدارة وستظل الصفقات العمومية شكلا وحبرا على ورق بدون متنافسين ما دام التعاقد مع الإدارة سيظل محصورا بحكم الواقع على من له صلة أو قرابة أو مصلحة مع الآمر بالصرف أو من له عليه سلطة ضمانا للتنفيذ في حال النزاع، ويبقى العائق فقط أن دوام الحال من المحال، فإذا انقلبت الموازين وتغيرت الشخوص ذهبت المقاولة الدائنة بدورها الى الافلاس.. أما الاستثمار الأجنبي الذي طالما تم التعويل عليه كقاطرة للتنمية فلا يهمه إلا القانون ونفاذه، وفي غياب ذلك لن يقرب وطننا ومن دخل منه البلاد سيفر هاربا، إلا إذا كانت الدولة تخطط لسن قانون جديد يعطي الأسبقية في التنفيذ على الإدارة للرأسمال الأجنبي قبل الرأسمال الوطني مع ضمانات خاصة به فذاك أمر آخر وذاك إفلاس آخر !!!

إضافة الى ما سبق فإن إقرار المادة 9 من قانون المالية لسنة 2020 بهذه الطريقة وهذا المضمون يعني إعلان “الافلاس الاجتماعي” للدولة، فأي ضمانة ستبقى للمواطن المغربي المسحوق أصلا في مواجهتها إن هي على سبيل المثال نزعت ملكية عقار بسيط يملكه إرثا أو شراء ولا يملك غيره، سواء بسلوك مسطرة نزع الملكية أو عن طريق الغصب أو ما يسمى فقها وقضاء بالاعتداء المادي، ثم بعد لجوء المواطن الى القضاء الاداري وأدائه الصوائر القضائية في حالة الاعتداء المادي وهو الأغلب واستصداره لحكم نهائي بالتعويض ضد الدولة بعد سنوات من التقاضي، يجد نفسه أمام حكم لا نفاذ له في مواجهة الإدارة إلا بإرادتها وضمن الاعتمادات المخصصة لذلك من طرفها. وكيف له أن يلزم الإدارة بالتنفيذ لفائدته كما تُلزمه بالتنفيذ لفائدتها بكل الوسائل إن كانت محكوما لفائدتها في مواجهته بعد المادة 9 المشؤومة؟ ليبقى بالنتيجة عرضة للسمسرة والنصب والوساطة بمقابل مُكرها لا راغبا كما هو شأن كل من يسعى للحصول على حق لم ينص القانون على سبل الحصول عليه أو لم يحدد آليات زجر من منعه عن صاحبه.

وينضاف الى حالتي نزع الملكية والاعتداء المادي حال كل مواطن بسيط يلجأ الى القضاء الاداري للحصول على تعويض عن الضرر الحاصل له نتيجة قرارات الإدارة وانشطتها سواء بناء على خطئها أو على نظرية المخاطر، فكل حكم قضائي يقوم على المسؤولية الإدارية لأشخاص القانون العام سيكون مآله رفوف أقسام التنفيذ بالمحاكم الادارية تحت مسمى “في انتظار التنفيذ”.. لتنضاف مأساة عدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لفائدة المواطن ضد الدولة الى قائمة مآسيه التي لا تنتهي، ولتتعمق الهوة السحيقة التي ما فتأت تتسع بين المواطن ومؤسساته وقضائه ودولته نتيجة انعدام الثقة والإحباط واليأس من تحقق دولة الحق والقانون ولو في حدودها الدنيا، أي عبر اللجوء للقضاء، لأن الأمر سيبدو للقاصي والداني متدحرجا من سيء الى أسوء.

وفي الأخير، من الواضح هنا أن الأمر يتعلق بإعلان “الإفلاس الأخلاقي” للدولة بالنتيجة، لأن إقرار المادة 9 المشؤومة يعني هدم ما تم بناؤه من صرح للقضاء الاداري وإعلان نهايته، وإهانة السلطة القضائية ككل بإفراغ أحكامها من قوة الإلزام إذا صدرت ضد الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها، وسحب سلطة القضاء على تنفيذ أحكامه لأنه سيبقى رهنا بالآمر بالصرف وحده دون إلزام، وضرب مبدأ المساواة أمام القانون وسموه فوق الجميع لأنه في هذه الحالة ستسمو الدولة فوق القانون، وقتل ما تبقى من ثقة للمواطن في قضائه الذي لم يعد يحميه في مواجهة الدولة وفي دولته التي ستتملص من مسؤولية تعويضه عن ما سببته له من ضرر ولو منحه إياه القضاء، وقضاء مبرم على ما تبقى من أمل للمواطن في دولة حديثة لا ينخرها الفساد لأنه سيرمى والحالة هاته بين براثين الوسطاء والسماسرة ليؤدي أتاوة تنفيذ حكم صادر لصالحه، وبالتالي فهذه المادة خير مشجع على الفساد وخير حاض عليه لأن الفساد لا ينتعش إلا في غياب القوانين وإلزاميتها والجزاء الناتج عن خرقها..

إن إقرار هذه المادة يعني نهاية الأمل في قيام “دولة الحق والقانون” المبنية على مبدأ “فصل السلط” الذي تعزز بانبعاث “السلطة القضائية المستقلة” الضامنة للحق والقانون… ليحل محلها واقع “دولة الاستبداد” التي تشرع لنفسها “قوانين” تحمي مسؤوليها من أي محاسبة أو مساءلة وتحمي مؤسساتها من تحمل مسؤولية تنفيذ ما قد يصدر ضدها من أحكام نهائية..

إن أي دولة قد لا تحترم حقوق مواطنيها وقد تسلبهم إياها خطأ أو قصدا، فلا يكون أمامهم سوى اللجوء للقضاء لإنصافهم منها. ولكنها إذا لم تعد تحترم أحكام القضاء الذي يرجع للمواطن حقه الذي سلبته، تكون قد أفلست نهائيا، فإذا شرَّعت لنفسها “قانونا” لكي لا تحترم أحكام القضاء في مواجهتها وتتملص من تنفيذها، تكون قد أعلنت بنفسها إفلاسها.. وها قد أعلنت دولتنا إفلاسها..