فيلم الديزل.. هل ابتذل صناعه استخدام الإضاءة؟

منذ صدور المواد الدعائية الأولى لفيلم “الديزل”، انقسم المتلقون في ردود أفعالهم على شكل الفيلم بصريا، فعلى عكس معظم أفلام الحركة المصرية التي عادة ما يكون الانطباع الأول عنها هو مشاهد القتال أو الحوار.

نجح “الديزل” في لفت الأنظار بفضل اختياراته التقنية، فظهور الإعلان مشبعا بأضواء النيون الملونة، والفيلم نفسه كذلك، جعل المهتمين بالسينما يسارعون للإشارة إلى تأثر/اقتباس كريم السبكي لسلسلة أفلام الحركة “جون ويك” في ثيمة البطل المنتقم بالإضافة إلى شكل الفيلم حيث أضواء النيون وومضات الألوان المتتابعة، بينما شبه آخرون شكل الفيلم بأسلوب الدنماركي نيكولاس فايدندج ريفن، الشهير بدمج الأنواع السينمائية في أفلامه، والذي يهتم بشكل كبير جدا بشكل وأسلوب الفيلم فتظهر أعماله ملونة، حادة وغارقة في النيون، يمكن ملاحظة هذا في فيلم درايف، وبذكر هذا الفيلم سيبدو التأثر أو الاقتباس أكثر وضوحا.
بالإضافة إلى الاقتباس الأسلوبي استخدم فيلم “الديزل” مجموعة من المقطوعات الموسيقية من أفلام مختلفة دون ذكر مصدرها بالطبع، ومنها أغنية “تكات الساعة” لفريق كروماتيكس وهي من الثيمات الرئيسية في فيلم “درايف”، كما يمكن الإشارة إلى تأثر بعيد في شخصية البطل الذي يعمل “دوبليرا” للمشاهد الخطرة وسائقا في الفيلمين لكن مع اختلاف كبير في الحبكة.
التأثر الأكثر وضوحا كان في اختيارات الإضاءة والألوان التي لا يقتصر وجودها على هذا الفيلم تحديدا أو مخرجه ولكنه نوع كامل من الأفلام يسمى “نيون-نوار”، لكن هل الاختيارات الأسلوبية القوية من هذا النوع تستخدم فقط لخدمة الجماليات البصرية أم لها معان أخرى داخل نسيج الفيلم؟
في عام 1898 فصل الكيميائي ويليام رامزي عنصر النيون واكتشف قدرته على التوهج عند تعريضه للكهرباء، وسماه النيون تيمّنا بالكلمة الإغريقية التي تعني “جديد”، الاكتشاف كان هو الهدف بالنسبة لرامزي، لم يطور النيون أو يستغل إمكانياته، لكن رجل الأعمال الفرنسي جورج كلود كان قد رأى إمكانيات النيون في مجال الأعمال والتسويق، وعرض أول مصباح نيون في باريس 1910، لم يمر الكثير من الوقت حتى أسس شركة “كلود للنيون” لبيع جميع أنواع لافتات النيون بتصميمات مختلفة، حتى إنه صمم صلبانا بالنيون الزهري والأزرق لوضعها في الكنائس في العشرينيات.
استخدام النيون نما كثيرا في الثلاثينيات لانخفاض سعره، لكنه أيضا كان دلالة على سلوك ثقافي مستحدث، أضواء نيويورك نظر إليها كرمز للديمقراطية، وفرص لمن يسعى لمشاريع الأعمال الكبيرة أو الصغيرة، وللتجار والحرفيين ليظهروا أعمالهم ويروجوا لها لجمهور أوسع.
في الثلاثينيات مَثّل النيون سحر وفتنة المدينة والحياة الليلية، ولكن في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات أصبح يرتبط بالانحدار والانهيار الحضاري، الفساد والرأسمالية، لم يأخذ النيون المتوهج الرامز للحداثة وقتا حتى انحدر إلى الابتذال والبهرجة، فبعدما كان شيئا متميزا أو رفاهية أصبح يستخدم في معظم الأعمال الرخيصة أو المنحدرة، تتميز الملاهي الليلة تحديدا باستخدامها لأضواء النيون ومحال بيع المواد الجنسية ومطاعم الأكل السريع الرخيص(1)، تلك اللمحة عن دلالة أضواء النيون الثقافية سيتم استخدامها فنيا بشكل جمالي وأيضا كنقد ثقافي ومجتمعي في الفنون المعاصرة وفي السينما كذلك.
من النوار إلى النيون نوار
في وقت الكساد الكبير في أميركا ظهر نوع فيلمي مميز يسمى الفيلم نوار، وهو شكل من أشكال أفلام الجريمة، تحديد سمات الفيلم نوار شيء غير دقيق أو صارم، عكس أنواع أخرى مثل الويسترن الذي يدور في أماكن محددة بملابس معينة وسمات خاصة للبطل وللصراع، أو الفيلم الموسيقي مثلا الذي يُعرف بمجرد رؤية الفقرات الغنائية والاستعراضات، أما الفيلم نوار فهو متعلق بالحالة البصرية والسيكولوجية العامة للفيلم(2)، فبصريات النوار مستلهمة من المدرسة التعبيرية الألمانية التي تتسم باستخدام تصوير بالأبيض والأسود ذي ظلال حادة وغير واقعية وتباين عالٍ بين الظل والنور، وبطل الفيلم عادة ما يكون مضطربا وساخرا وغير مثالي، أي إنه ليس بطلا بالفعل لكنه حائر وغامض وأقرب للآدمية.
مصطلح الفيلم نوار يعني بشكل حرفي الفيلم الأسود، تم تطبيقه على تلك الأفلام الهوليوودية الحاملة لسمات معينة من قبل الناقد الفرنسي نينو فرانك، لم يتبن المتخصصون في صناعة الأفلام المصطلح إلا لاحقا في السبعينيات، واعتادوا الإشارة إلى كلاسيكيات الفيلم نوار بالميلودراما.(3)
أطلق النقاد على أفلام النوار المعاصرة مصطلح “نيو نوار”، أي النوار الجديد، استمرت الثيمات قريبة من الكلاسيكية عدا أن التصوير أصبح ملونا، لكن الفرادة البصرية والموضوعية التي ميزت الفيلم نوار لم تكن بالوضوح نفسه، بل أصبحت قوائم الأفلام التي يطلق عليها نيو نوار أقرب لأفلام الجريمة العادية. بعد فترة اكتسبت أفلام النوار عناصر أسلوبية قوية مرة أخرى، لكن هذه المرة ذات سمات تكنولوجية واضحة، مثل النوار استخدمت التباين العالي بين الظل والنور ولكن بالألوان وتحديدا بأضواء النيون المتوهجة، وتم تسميتها بالتدريج “النيون نوار”، أخذت من أصلها الكلاسيكي الشخصيات المعقدة والنزوح للجريمة والعنف.
1982 blade runner (مواقع التواصل)
اتسمت أفلام النيون نوار بتميزها البصري الشديد واهتمامها بالأسلوب والشكل، لكنها لم تكن مجرد استعراضات للجماليات البصرية، لكنها علت عن سابقتها الكلاسيكية في تصويرها لشكل المجتمع بعد الرأسمالية ولنزعته الاستهلاكية بشكل نقدي بجانب الجمالي، فأضواء النيون تميز الحياة الليلية للشخصيات، فهي حياة ملتوية أخلاقيا نظرا لارتباطها بالملاهي الليلية والأماكن المشكوك في سمعتها والتي يمكن أن تحدث بها جرائم غامضة.
تميزت أيضا بحضور المدينة فيها بشكلها الحديث بشكل قوي، كل هذا يتم التعبير عنه بصريا من خلال لقطات واسعة للمدن بمتاجرها المتراصة ولقطات للافتات النيون والمباني الليلية المضاءة التي تعطي إحساسا بالاغتراب، تجلى هذا في أفلام السبعينيات والثمانينيات، أشهرها “سائق التاكسي” لمارتن سكورسيزي، فالبطل هنا عاد من الحرب وجد نفسه ملقى في الحداثة مما يعني الاستهلاك والاصطناع والجشع، تم ترجمة هذا عن طريق خيارات الفيلم البصرية والتباين بين المشاهد الليلية المشبعة بأضواء المدينة ولافتات النيون والانعكاسات الملونة الصناعية على وجه البطل والمشاهد النهارية التي يظهر فيها بشكل أكثر طبيعية أمام الجموع.
يعتبر صدور فيلم “بليد رانر” لريدلي سكوت عام 1982 نقطة فارقة في شكل أفلام الخيال العلمي بالإضافة إلى أفلام النوار، الفيلم دمج الخيال العلمي والديستوبيا بالفيلم نوار فأنتج نوعا هجينا مميزا، وساعد استخدام أضواء النيون المكثفة في خلق عالم خيالي مستقبلي يتسم بالغموض والتشاؤم. ترمز أضواء النيون القوية إلى الاصطناع الواضح، فتبدو العوالم داخلها غير حقيقية أو مبهرجة بشكل زائد مما يستدعي للذهن الثقافة المعاصرة والهروب الدائم من الواقع، كما أن استخدام أضواء النيون يُعنى بالثقافة الاستهلاكية في المقام الأول، وتنامي تلك الثقافة دائما ما يكون عنصرا رئيسيا في الأفلام والأدب عند خلق مستقبل بديل فاسد يفقد فيه الإنسان معنى أن يكون إنسانا.
يتكرر ذلك مع إضافة بعض العناصر الأكثر معاصرة في الجزء الثاني من الفيلم “بليد رانر 2049” الصادر عام 2017، فتدور أحداثه في مستقبل شبيه بعالم الفيلم الأول لكنه ظهر مغرقا أكثر في الألوان الصناعية، فهي تغطي مشاهد بأكملها، فالمستقبل أكثر ظلاما وزيفا حتى من شكل المستقبل البديل الذي تصوره ريدلي سكوت منذ 35 عاما، لكن كل المعاني التي يحملها شكل ولون الإضاءات التي غمرت الفيلم بجزئيه وأفلاما بعده لا تعني أنها تخلو من الجمال والإبهار البصري.(4) 
(blade runner 2049 (2017 (مواقع التواصل)
نيكولاس فايندنج ريفن كمثال
“لا أستطيع أن أرى الدرجات بين الألوان، إذا لم تكن ألوان أفلامي متباينة للغاية لن أستطيع رؤيتها” 
إصابة ريفن بعمى الألوان شارك في صنع أفلام متميزة بصريا أخذت النيون نوار واستخدام النيون بشكل عام لذروته(5)، فأصبحت الإضاءة جزءا أساسيا من السرد ونسيج الفيلم، عوالم ريفن عنيفة بشكل متطرف، يستخدم عنفا مكثفا على الشاشة لا يخفيه ولا يتهاون فيه، فتصبح الأفلام صعبة في المشاهدة، يكثف هذا العنف استخدامه للإضاءة خاصة اللون الأحمر المشبع الاصطناعي الذي يغرق المشاهد في حمام دموي غامر، لكنه لخلق التباين يستخدم الدائرة اللونية بمداها كله ليعبر عن مشاعر وأجواء مختلفة، فمثلا استخدامه لألوان دافئة مائلة للصفرة لتصوير المشاعر الحقيقة لأبطاله بعيدا عن عالم الجريمة يقوي من تأثير استخدام الألوان الأكثر قوة في مشاهد القتال.
عندما تكون الشخصية مضاءة بشكل صناعي تفقد جزءا من آدميتها وتتخفى وراء اللون، عكس الشخصية المضاءة في نور الشمس، مثلا يقول المخرج السويدى روي أندرسون إنه يجعل الإضاءة عالية والمكان كله مضاء دون تباين أو ظل لكي يكشف الشخصيات أمام نفسها فلا تجد أمامها مهربا من الحقيقة، يحقق النيون والتباين عكس تلك المقولة، فالشخص الذي تراه ليلا وسط أضواء المدينة يختلف عما تراه صباحا.
يمكن رؤية ذلك في شخصية ريان جوزلينج في فيلم “درايف” 2011، فهو الجار اللطيف الذي يبتاع بقالته ويساعد جارته، نرى وجهه في النور دون جانب معتم، لكنه على الجانب الآخر متورط في عالم الجريمة والعنف، فنجده في المشاهد الليلية مغلفا بومضات من البنفسجي والأحمر، فيكتنفه الغموض ويصبح شخصا آخر، أكثر شيطانية. تلك الثنائيات يمكن إرجاعها إلى طبيعة الفيلم نوار في تصديره للأخلاقيات المبهمة وازدواج الحياة التي يعيشها البطل، لأنه ليس بطلا وليس مجرما، هو مزيج من الاثنين.
تمادى ريفن في استخدام أسلوبه حتى وصل إلى تكثيف شديد قوبل بآراء متضاربة في فيلمه “شيطان النيون”، فالاسم نفسه هو مفتاح الأسلوب البصري الذي سيسطر على الفيلم كله، يستخدم ريفن جماليات النيون ليرصد تحول فتاة جميلة ساذجة إلى شيطان حقيقي بسبب هوس الجمال والكمال، وصفه ناقد الجارديان مارك كيرمود بأنه قصة خرافية حيث الجمال هو الوحش(6)، يتم وصف ذلك التحول بشكل بصري في مشهد طويل للبطلة على ممشى الأزياء تتأمل جمالها، مشهد يبدو كجزء من تصور أو حلم أو ربما كابوس.
يبدأ المشهد بالفتاة تقف في الضوء الأزرق الذي يحوي بعض السلام والبراءة المتبقية، ثم تبدأ في رؤية وجهها بعدة نسخ إشارة إلى تضخم الذات والغرور الناتج عن كونها جميلة بشكل غير معتاد، حينها تتبدل الإضاءة تماما من الأزرق إلى الأحمر وتتبدل مع اللون نظرتها وملامحها من البراءة إلى الإغواء، تتصارع ومضات من الأحمر والأزرق في شكل من الصراع بين ذاتها القديمة والجديدة حتى ينتصر الأحمر، الذي يستخدم بشكل دارج لرسم الشياطين، ويكتمل تحولها فيبتلعها شيطان الهوس المتجسد في النيون.
إذا افترضنا أن استخدام الأسلوب نفسه في فيلم “الديزل” لكريم السبكي له معانٍ خلف الإبهار البصري فإن إغراق المشاهد المتعلقة بالحياة الليلية للأبطال بالألوان الصناعية المشبعة مثل الأخضر والأحمر يمكن ربطه بزيف حياتهم، ولكن ذلك التحليل لا يمكن أخذه بجدية لأنه بلا مقابل في المشاهد الأخرى، فالمشاهد المصورة داخل البيوت ذات إضاءة حمراء وصفراء فاقعة لا تمت بصلة لشكل البيوت في مناطق شعبية، فلا تصنع ذلك التباين الذي إن وجد كان سيضفي معنى على الخيارات البصرية التي انتهجها الفيلم، بالتأكيد يمكن اختيار شكل للأفلام بعيدا عن الواقع، لكن تكوين ذلك الأسلوب يجب أن يعتمد على منطق ما سواء كان فكريا أو شعوريا، أما الإبهار البصري المجرد فما هو إلا حيلة كسولة.