قصة شاب من الفنيدق عائد من سوريا.. أو التوبة المؤجلة

محمد ياسين الشعيري، شاب صغير السن يتحدر من مدينة الفنيدق، أي من المكان حيث غادر أول فوج من الشبابن المغاربة نحو سوريا، وقصته كما سترويها “الآن”، ستبين كيف أن السلطات ربما كانت في حيرة بادئ الأمر، إزاء قضية المقاتلين الفارين أو التائبين.

فقد حل الشعيري لفترة متأخرة من عام 2011 في سوريا، لكنه سرعان ما ولى أدباره. ولأن الشعيري ترك أبويه وحيدين في مسكنهما، فقد كان يرزح تحت ضغط هائل من أفراد عائلته.

يوسف غزييل ابن خالته، كان هو الرجل القادر على توجيه هذه الضغوط، وقد نجح. كانت كلفة إعادة الشعيري وقد قضى نحو ثلاثة شهور فحسب، في سوريا، كبيرة، وحسبما يقول فرد من عائلته، فإن «ترحيل الشعيري من معسكر تدريب نحو الحدود التركية، كلف ملايين كثيرة. وحتى هذه المرحلة، فإن الأمر عادي للغاية، وكثير من عائلات مقاتلين شبان في سوريا يبذلون جهدهم لاستعادة أبنائهم؛ لكن بعدها حدث ما لم يكن متوقعا. حينما وصل الشعيري إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، كانت سيارة من نوع “بروش كايين” رباعية الدفع، تنتظره على الرصيف. كان يقودها يوسف اغزييل نفسه. ختم الشعيري جواز سفره ببساطة منهية، ثم صفق باب مغادرة المطار وراءه، وامتطى السيارة. وفي سويعات قليلة، كان في بيته بمدينة الفنيدق. لم يزعجه أحد، ولم تهتم السلطات بأمره. لماذا؟ لأن السلطات أخبرت عائلته، أو بعضهم على الأقل ممن لهم علاقات مع مسؤولين ذوي نفوذ، بشروط صفقة التخلي عن المطاردة: “عليه أن يقلب الصفحة، وأن ينسى كل من يعرفه في تلك المرحلة. عليه أن لا يتحدث بشيء عن أي شيء مع أي أحد. يجب أن يهتم بنفسه وأن ينسى كل شيء آخر. هذا كل ما طلبوه منا”، يقول فرد من عائلته نسق مع أولئك المسؤولين بحسب مزاعمه.

وتضيف “الآن” أن يوسف اغزييل ألح على الأقل، كثيرا من أجل أن يمتثل ابن خالته، محمد الشعيري لشروط هذه الصفقة، لكنه لم يفعل. سرعان ما أعاد الشعيري الاتصال برفاقه المقاتلين في سوريا عبر “فايسبوك”، وأعلن ندمه الخالص على عودته. بحسب عائلته، فقد كانت الشرطة واضحة فيما تريده منهم في هذا الصدد: “إذا ما أجرى ولدكم أي اتصال بأصحابه، سنأخذه منكم على الفور”. في فجر يوم الأربعاء فاتح غشت 2012، كانت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تدق باب بيته، ولم يستفق تماما من نومه حتى وجد نفسه في السجن. برقم 572 تحول الشعيري الذي لم يولد سوى في مارس 1992، إلى سجين سلفي مقاوم. كان ينظر إلى ما يقع كمؤامرة ضده، ولم يعترف في نهاية المطاف بأي شيء، وطعن في محاضر التحقيق، لكنه قضى شهورا في سجن سلا، ثم أطلق سراحه. كان يعلن أن كل ما يحدث مجرد ظلم بين: “كنت في تركيا في رحلة عابرة أكتشف فيها بعض السلع كي أستوردها.. لم أعبر نحو سوريا، ولم أشارك في قتال”. لما خرج من السجن بأسبوع، من دون إدانة، شرع في محادثة علنية عبر «فايسبوك» مع محمد المختار الشاوي، وهو شاب مغربي يقاتل في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، المعروف اختصارا بـ”داعش”. وببساطة، كانت المحادثة إعلانا معاكسا لكل دعاوييه لما كان في السجن. “أنا مشتاق لكم يا رجال. سأعود إليكم قريبا”، حسبما أبلغ الشاوي بمشاعر مشتعلة.

وفي بقية الحكاية تقول الأسبوعية إن الشعيري لم يتغير بعد السجن، ولم يبدل لا مظهره ولا قناعاته. كان يوزع أوقاته بين عمله في سوق تجاري بمدينته، وبين محادثاته الطويلة عبر “فايسبوك”، فقد كانت هذه الوسيلة بالنسبة إليهم، أكثر الأدوات أمانا. التقاه صحافي “الآن” بضع مرات بعد خروجه من السجن، ولاحظ أنه لم يكن يظهر ندما واضحا، وفي غالب الأحيان، لم يكن يفضل أن يتحدث عن تجربته المريرة لا في السجن هنا، ولا في الحرب هناك. ولأكثر من عام، كان الشعيري يزيد يقينا أن ما يفعله لا يمكن أن يقوده إلى عواقب وخيمة مرة ثانية، وبينما هو مستمر في ذلك، كان رفاقه الذين يقررون «الفرار» من سوريا، يُوضعون في السجن بمجرد أن تطأ أقدامهم أرض المطار. كانت حالة الشعيري فريدة لكنها لم تعزز أي حس بالأمان عند الآخرين من رفاقه، حتى إن بعض الشكوك حوله، سرعان ما تبددت، لأن هذا الشاب كشف عن إخلاص كبير لقناعاته أبعد عنه كل شبهة تخابر مع السلطات.

ولعام كامل، كان الشعيري ينجو من حملات الشرطة في مدينته، فيما أصحابه وكثير منهم كان يشاركهم مشروعه، يُقتادون نحو السجن. كان هنالك شيء مريب في قضية الشعيري بوصفه عائدا غير عادي من سوريا، ومبايعا علنيا لأمير بعيد عنه بآلاف الكيلومترات، فقد مثّل منطقا غير مفهوما في تدبير ملف العائدين من لدن السلطات. فهو أوحى لكثير من الناس، بأن القتال في سوريا ثم العودة إلى البلاد قد يكون أقرب إلى نزهة طبيعية، وقد شكل تحفيزا لآخرين من أجل التفكير بجدية في خطة العودة. لكن الشعيري، لم يتوقف عن التفكير في إلغاء العودة، وحتى حنيما لقي صعوبات في تنفيذ مخططه بالرجوع إلى سوريا، فإنه لم يبخل في تقديم الإرشادات الضرورية لمن يرغب في أن يذهب إلى هنالك.

في غشت الفائت، وبعدما أوصدت أبواب مغادرة الشبان المغاربة نحو سوريا، دقت ساعة الشعيري. لقد تحول، بحسب الشرطة، إلى أداة لزرع خلايا محلية لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وكان يجب أن ينتهي نهاية طبيعية مثل من يشبهونه تماما. إنه حاليا في سجن الزاكي بسلا لمرة ثانية. أما ابن خالته، يوسف اغزييل، وهو على كل حال ليس برجل سلفي، ولا يهتم بتاتا بما يقع في سوريا، فقد لقي نهاية مفزعة هو أيضا: إنه الشاب الذي كان يقود شرطيين من طنجة، ويدير معها خطة سرقات على الطريق بواسطة حواجز وهمية. ها هو في السجن الآن، مثله مثل ابن خالته الذي جهد من أجل إخراجه منه مرارا.

هل يغير السجن نفوس العائدين؟

تطرح قضية العائدين من سوريا أو العراق، المشاركين بصفة رئيسية في القتال الدائر هنالك ضمن صفوف تنظيم “داعش”، بالنسبة إلى المجلة مشكلة في فهم ما إذا كان يمكن تفسير عودتهم كتائبين أم فقط كإعادة تموقع. وتتبر أنه من الصعب تلمس ما إذا كان قد حدث تغيير على عقيدتهم السياسية من خلال محاضر الشرطة، سيما أن حالة محمد ياسين الشعيري تطرح ذلك بحدة، لأن هذا الشاب الذي لم يغيره لا السجن ولا النجاة منه، من العسير التكهن ما إذا كان السجن لمرة ثانية، سيبدله.

ويظهر الكثير من العائدين القابعين في سجن سلا، حسب الأسبوعية ذاتها، بعض الندم، وبعضهم قدم مراجعات، لكن السلطات تنظر إليها في غالب الأمر، كنوع من أشكال التضليل فحسب، سيما أن المقاربة المستعملة إزاء هؤلاء لا تنطوي على أي عمق حجاجي يقوده مؤطرون دينيون على سبيل المثال. وتخلص المجلة إلى أنه ما لم يتغير شيء، فإن العقوبات ضد العائدين قد لا تشكل الرادع المناسب، وربما لا تكون في المحصلة الأخيرة، سوى تأجيلا لشيء حتمي…

0