2017/10/22

قطاع النقل الطرقي بين البعد الاجتماعي وممكنات التقنين “

- 11 أكتوبر، 2016


رشيد الخميسي - كاتب وناشط نقابي

أرضية للنقاش

 

مقدمة

خلال شهر أبريل ، انعقد يوم دراسي بمجلس المستشارين من تنظيم فريق الأصالة والمعاصرة وبتنسيق مع المكتب الوطني للمنظمة الديمقراطية لمهنيي النقل حول الحماية الاجتماعية للسائقين المهنيين، ولقد كلفت من طرف الكاتب العام الوطني للمنظمة بصياغة مشروع أرضية للنقاش، وهي التي تم اعتمادها ، وتعميما للفائدة ومن أجل فتح حوار وطني شامل حول وضعية السياقة المهنية ارتأيت إعادة نشر الأرضية الأصلية.

ترمي هذه الأرضية إلى طرح الإشكالات والعوائق الرئيسية لتلمس عناصر الإجابة ولتسهيل  المرور إلى  تحقيق الحماية الاجتماعية للسائقين المهنيين المستفيدين من البطاقة المهنية،وذلك  عبر محاور أساسية نستعرضها فيما يلي:

أولا : ما المقصود بالحماية الاجتماعية للسائقين المهنيين الحاملين لبطاقة السائق المهني   ؟

ثانيا : قطاع النقل الطرقي والحماية الاجتماعية للعاملين به،  بين واقع الغياب ومتطلبات الحالة الاجتماعية للسائقين المهنيين وارتباطات الموضوع بالأوراش التنموية ومشاريع التحديث  الكبرى للبلاد وبين التحولات الاجتماعية العميقة  التي يعرفها المجتمع المغربي .

ثالثا :المداخل القانونية لإقرار الحماية الاجتماعية .بين مكتسبات قانون 11ـ84 وبين إلزامية تنظيم بنية العلاقات الداخلية في قطاع النقل بين المشغل والسائق على قاعدة إقرار علاقة تعاقدية تنبني على مقتضيات مدونة السير وخاصة إلزامية البطاقة المهنية  وتتلائم مع مدونة الشغل .

إننا لا نخفي هدفنا من هذه الأرضية وهو طرح الأسئلة الحقيقية لواقع غياب الحماية الاجتماعية للسائقين وتعبئة الفاعلين السياسيين والتشارك معهم في بلورة الأجوبة الممكنة في إطار من التفاعل الإيجابي مع كل مكونات الأمة وهيئاتها المقررة بروح من التشارك والتعاون والتنسيق لتجاوز منعطف اجتماعي حاد قد يؤدي إغفاله أو التساهل في تقدير مدى خطورته في تهديد السلم والتلاحم الاجتماعي.

***

أولا : ما المقصود بالحماية الاجتماعية للسائقين المهنيين الحاملين لبطاقة السائق المهني ؟

إننا نقصد بالحماية الاجتماعية للسائقين المهنيين الحاملين لبطاقة السائق المهني كل الخدمات التي توفرها أنظمة التأمين الاجتماعي المنصوص عليها في متون قوانين الشغل المغربية،  إلا أنه وبالرغم من إقرار بطاقة السائق المهني في مدونة السير 05ـ52 منذ سنة 2010، وما تم التعاقد حوله من إمكانية توفير الضمان الاجتماعي، التغطية الصحية، السكن الاجتماعي، التقاعد، ما يزال وضع السائق المهني على حالة ووضع غياب أي شكل من أشكال الحماية الاجتماعية السالف ذكرها .

إن غياب الحماية الاجتماعية يخلق شعورا بالإقصاء الاجتماعي لدى السائقين المهنيين تصل حد التشكيك في شروط مواطنتهم، وعلى الرغم من المجهودات المبذولة في هذا الشأن من لدن تمثيلياتهم النقابية والتجاوب الذي برز من خلال إقرار مجموعة من التدابير القانونية، إلا أن ذلك لم ينعكس على واقعهم بحيث ماتزال قضية الحماية الاجتماعية من أولويات السائقين المهنيين الحاملين لبطاقة السائق المهني.

إن البنية الهيكلية لما يمكن أن نطلق عليه جزافا مقاولات النقل وهي في الغالب الأعم مقاولات نقلية متوسطة أو فردية صغيرة الحجم تتسم بالهشاشة، ولا تحترم قانون الشغل، ولا توفر أدنى شروط العمل السليم بما يستلزم صون كرامة السائق المهني، يحيلنا بكل تأكيد إلى ضرورة تحديث البنية الهيكلية لمقاولات النقل بما ينعكس إيجابا على وضعية السائقين العاملين بها وبما يساهم في تقوية تنافسيتها. إننا أمام علاقة جدلية متماسكة بين تحديث البنيات العتيقة لقطاع النقل الطرقي وبين احترام قوانين العمل والحماية الاجتماعية .

1ـ فهل يمكن إيجاد وصفة فعالة لإيجاد الحماية الاجتماعية دون المرور عبر تحديث بنيات قطاع النقل الطرقي ؟

2ـ ألا يمكن سلوك مسارين متلازمين ، تحديث البنيات العتقية المتسمة بالهشاشة وتوفير الحماية الاجتماعية للسائقين المهنيين في الآن نفسه؟

3ـ ماهي المعيقات الواقعية لبلورة التطلعات المعبر عنها على أعلى مستوى والتي جسدها  التوافق على الظهير الشريف رقم 1ـ11ـ 181 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24نونبر 2011 وهو الظهير الذي يصدر أمرا ملكيا ساميا بتنفيذ القانون 84ـ11 والذي وافق عليه مجلس المستشارين ومجلس النواب، ولقي ترحيبا من السائقين المهنيين ؟

ثانيا : قطاع النقل الطرقي والحماية الاجتماعية للعاملين به،  بين واقع الغياب ومتطلبات الحالة الاجتماعية للسائقين المهنيين وارتباطات الموضوع بالأوراش التنموية ومشاريع التحديث  الكبرى للبلاد وبين التحولات الاجتماعية العميقة  التي يعرفها المجتمع المغربي .

إلى حدود 31أكتوبر 2015 سجلت الإحصائيات الرسمية لوزارة النقل أكثر من 360 ألف سائق مهني حاصل على  البطاقة المهنية، تشتغل  نسبة 73% منها  بالقطاع الغير المهيكل، بحيث أن 181ألف سائق حاصل على البطاقة المهنية يشتغل بقطاع الطاكسي   وإذا علمنا أن العدد الإجمالي للسائقين المهنيين يصل حسب التقديرات إلى ما يزيد عن 750ألف سائق أي أن 43%  من السائقين غير حاصلين  على البطاقة المهنية، وهوما يمكننا باستخلاص استتناج أساسي يتعلق بوجود تلازم بين غياب الحماية الاجتماعية وبين القطاع الغير المهيكل،إن نسبة السائقين الغير المتوفرين على  الحماية الاجتماعية رغم تحصلهم على البطاقة المهنية ترتفع في القطاع الغير المهيكل وتقل في القطاع المهيكل.

إن هيكلة قطاع النقل الطرقي لم تعد قضية اقتصادية معزولة عن تداعياتها الاجتماعية بل هي في صلب القضايا الاجتماعية الوطنية، وليست قضية تهم شريحة اجتماعية محددة هي السائقين المهنيين فقط، بل تمس كل النشاط الاقتصادي للمجتمع المغربي ككل، وتشكل إعاقة اقتصادية حقيقية أمام تنمية الاقتصاد الوطني والرفع من إنتاجيته، فالنقل الطرقي في مفهومنا هو جزء لا يتجزأ من بنية الإنتاج المادي للمجتمع،ودعامة أساسية من دعامات الاقتصاد الوطني، وهو بكل تأكيد سمة من سمات الدولة الحديثة وهو بتوسيعه للسوق و استغلاله موارد مادية و بشرية لم تكن مستخدمة من قبل، إنما يرفع من الإنتاج و يحسن من نوعه ويساهم بخدمة عملية الإنتاج الاجتماعي باعتباره فرعا من فروع الاقتصاد الوطني. وبالتالي يصبح من الضروري دمج عملية إصلاح بنيات النقل وتحديثها وهيكلتها وتأهيلها،  وتمتيع العاملين به من السائقين المهنيين بمستلزمات الحماية الاجتماعية ضمن الأوراش التنموية الكبرى التي تعرفها بلادنا.

وإذا كان قطاع النقل من أهم  فروع النشاط الاقتصادي و الاجتماعي و الخدماتي، ويهدف إلى تسهيل انتقال الأشخاص و نقل المنتجات من مكان إلى أخر باستخدام وسائل نقل مختلفة، وفق متطلبات الإنتاج الاجتماعي المرتبط بمواقع الإنتاج الاقتصادي ، و مستلزمات سد الحاجيات المادية و الاجتماعية للسكان و هو يساعد على  توحيد السوق، و توسيع العمران،وتعميم وتسويق المنتجات المادية والفكرية  ويسهل تبادل خبرات الحياة الاجتماعية و التواصل الحضاري. إن هذا الدور المزدوج الذي يلعبه النقل في الحقل الاقتصادي والاجتماعي يضغط باتجاه ضرورة تطوير طرق ووسائل وبنيات هذا القطاع لتحقيق أقصى سرعة لعملية التبادل والانتقال بأقل كلفة مادية ولتحقيق أكبر منفعة اجتماعية .

ـ إن التحولات الاجتماعية العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي والراغبة في تحديث بنياته الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية تشكل دافعا وحافزا مهما لطرح إشكاليات قطاع النقل على جدول أعمال الفاعلين السياسيين والنقابيين، فهل يكون، تنظيم مناظرة وطنية للنقل ، يصدر عنها قانون شامل بمثابة مدونة للنقل والسياقة المهنية، في سبيل تأهيل قطاع النقل وهيكلته وتنظيمه بشكل يضمن تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ويشجع على الاستثمار ويراعي الحقوق المكتسبة و يساهم بفعالية في تنمية الاقتصاد الوطني، جوابا ووسيلة في الآن نفسه  لإنجاز هدف متوافق عليه ؟

ثالثا :المداخل القانونية لإقرار الحماية الاجتماعية .بين مكتسبات قانون 11ـ84 وبين إلزامية تنظيم بنية العلاقات الداخلية في قطاع النقل بين المشغل والسائق على قاعدة إقرار علاقة تعاقدية تنبني على مقتضيات مدونة السير وخاصة إلزامية البطاقة المهنية  وتتلائم مع مدونة الشغل .

إن الظهير الشريف رقم 1ـ11ـ 181 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24نونبر 2011 يصدر أمرا ملكيا ساميا بتنفيذ القانون 84ـ11، الذي صادق عليه مجلس المستشارين ومجلس النواب، ولقي ترحيبا من السائقين المهنيين، و يمدد نظام الضمان الاجتماعي ليشمل العاملين الغير الأجراء الحاملين لبطاقة السائق المهني،و يضمن جميع التعويضات المتعلقة بالنظام العام للضمان الاجتماعي لفائدة العاملين الغير الأجراء بقطاع النقل الطرقي الحاملين لبطاقة السائق المهني ، كما يضمن القانون 11ـ84 جميع التعويضات العائلية والتعويضات القصيرة الأمد (التعويضات اليومية عن المرض والأمومة وإعانة الوفاة ) والتعويضات طويلة الأمد (معاش الشيخوخة ومعاش المتوفى عنهم ).يشكل مدخلا قانونيا بامتيازات متعددة، أهمها توافق كل مكونات الأمة المغربية ومؤسساتها المقدسة وذات الشرعية القانونية والتاريخية والاجتماعية، بحيث يشكل تعاقدا حقيقيا بينها على تقنين السياقة المهنية انطلاقا من البطاقة المهنية .

إن هيكلة قطاع النقل وتحديث بنياته يمر عبر تفعيل القانون 11ـ84 والتشديد في تطبيقه استنادا لما تنص عليه مدونة الشغل وإلزامية التوفر على البطاقة المهنية التي تنص عليها مدونة السير.

1ـ ألا يمكن إنجاز مهمة  تأهيل الإطار القانوني المنظم للسياقة المهنية، وضمان استقرار السائقين في العمل عبر اعتماد عقود عمل بين السائقين ومشغليهم وملائمة الإطار القانوني المنظم للنقل مع  مدونة السير ومع مدونة الشغل خاصة ما يتعلق بالبطاقة المهنية وتخويلها لحاملها  التسجيل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ؟

2ـ كيف يمكن توحيد الجهة الوصية على قطاع النقل وخلق مؤسسة وطنية  تكون له الشخصية الاعتبارية المستقلة، ويتمتع بالاستقلال المالي والإداري، والأهلية القانونية الكاملة للتصرف، منوط به وضع الخطط والاستراتيجيات الخاصة بتنظيم عمل قطاع النقل الطرقي  ضمن السياسة العامة ، وكجهاز تنفيذي  للقرارات المتعلقة بالقطاع. يسمى ” المجلس الوطني للنقل “.؟

خاتمة

تبدو جميع الأسئلة المطروحة تلامس إشكالية عميقة تتقاطع مع التطور الاجتماعي والاقتصادي للملكة المغربية في ظرفيتها التاريخية الراهنة في حقل قطاع النقل الطرقي أو في مستواه، وتبدو هذه الإشكالية واضحة فيه يمكن صياغتها بالشكل التالي :

كيف يمكن الحفاظ على البعد الاجتماعي لقطاع النقل الطرقي بالمغرب مع انفتاحه على ممكنات الاستثماربما يتطلبه ذلك من تاهيل وهيكلته وتمكينه من خوض شروط المنافسة ؟

إن الإجابة على هذه الإشكالية يفتح المجال أمام طرح رؤية مستقبلية للنقل الطرقي بالمغرب تسشترف مدى زمنيا معينا، فالتطور الاجتماعي والاقتصادي المتلاحق وتطور البنية التحتية الطرقية يستلزم وضع رؤية مستقبلية لقطاع النقل يمكن وضع تحديد زمني لها في العشر سنوات القادمة، فماهي الرؤية  التي نحملها لهذا القطاع في سنة 2025 ؟؟؟؟.

رشيد الخميسي

مقرر بالمكتب الوطني

المنظمة الديمقراطية لمهنيي النقل