2017/05/24

كتاب “العبد والرعية” لمحمد الناجي : المعجم والتاريخ، قراءة نقدية

شمال بوست

عزيز قنجاع - كاتب وناشط جموي

وكذلك حوم القاضي ابو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك ، وبوبه على أبواب تقترب من أبواب كتابنا هذا و مسائله ، لكنه لم يصادف فيه الرمية ولا أصاب الشاكلة ، و لا استوفى المسائل ولا أوضح الأدلة , إنما يبوب الباب للمسالة ، ثم يستكثر من الأحاديث والآثار ، وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس مثل بزرجمهر والموبذان وحكماء الهند والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة” 

ابن خلدون : المقدمة ، دار الكتب العلمية، ص:41

يعد كتاب “العبد والرعية” لمحمد الناجي، احد الكتب التي تناولت بطريقة جدية مسألة السلطة في العصر الوسيط الإسلامي من خلال ظاهرة الاسترقاق، وليس هناك من شك في أن تسلسل مقال الكتاب، ووضوح مقاصده وجلاء مقدماته وإصرار الكاتب على تتبع أفكاره إلى مداها، وثراء الميدان المعرفي النظري والتاريخي الذي اختاره حقلا لحفرياته ترجع إلى ممارسة فكرية مسؤولة يتميز بها محمد الناجي.

لا يتوانى الناجي في الإعلان عن الدافع الإيديولوجي في اختياره لهذا الموضوع والمتمثل أساسا في تحديث الممارسة السياسية عبر طرح أدوات التغيير الفطن، التي بدونها لا يمكن لأي مشروع مجتمعي أن يرى النور ،حسب تعبيره، لذا وبطريقة سلسة سيتسع الكتاب من دراسة موضوع الرق ليشمل الرعية باعتبارها مجموع المجال العاكس للممارسة السلطوية القروسطية، حيث يتنطح الكاتب لتعرية جذور الاستبداد عن طريق كشف العلائق الناظمة لخيوط السلطة كفعل لا يستقيم ألا من خلال الإخضاع الدائم لمساحات التجلي الإنساني، من إعادة تنضيد مراتب الناس إلى اصطناع القرابة، أو من خلال إخضاع الوعي بالطبيعة حتى في اجل صورها كالموت، كما هي قصة القائد التي ذيًّل بها الكاتب مؤلفه، إلى مجموعة طويلة من الممارسات تصلنا بأفق تاريخي عميق الصلة بالأفق الذي يضبط تجربتنا السياسية الحالية ويشكل ربما إطار عقلها.

يعتمد صاحب الكتاب، الحفريات التاريخية واللغوية منهجا في الوصول إلى تفكيك الشبكة الرمزية وكثافة الظلال التي تلف المُلك والمَلك، محور تلاقي وتقاطع الممارسات الخاصة بالسلطة كمقدس يمتاح رمزيته ودلالاته من زمن متميز مخالف للزمن التاريخي، فيتم إدراج زمنية السلطة ضمن زمنية متعالية في وسع القارئ قراءتها خارج الزمن وخارج السياق، فيتم توحيد الرواية والدلالة بين الزمن المعين الحدثي الخاص والزمن العام الذي يقتصر على إطار شكلي من التتابع والتعاقب، زمن لا قرار له لكنه زمن مربوط ببدء وبفاعل متعالي يوفق بين صفتي هذا الزمن المتعارضتين.

من ثمة يحاول محمد الناجي إعادة الزمن والدلالة إلى سياقهما الموضعي والطبيعي، موضع الزمن البشري، مصنع قيم المدنس والمقدس، ولهذا السبب بالضبط أشار ريجيس دوبري في ثنايا توطئته لكتاب “العبد والرعية” لمحمد الناجي إلى تشبيه تجربة الناجي بالتجربة الفيورباخية التي حاولت إزالة الطابع الأسطوري عن السحر الديني، من هنا تصبح كل المعاني المرتبطة بالسلطة في سياقها القروسطي تفيد بشكل لا يقبل التبرير والمراجعة معاني عدم تساوي البناء الاجتماعي وتراتب عناصره تراتبا يكل المراتب العليا إلى الملوك، والى الحكام عموما ممن يقومون مقام الملوك في الأمور الجزئية، ويكل المراتب الدنيا إلى الرعية الذين عليهم الطاعة والتوقير والتقريظ، أي أن صورة “المجتمع” التي تخلفها السياسة صورة غير متساوية بالأساس، وتفاقم الآيات القرآنية التي يوردها الناجي لتبيان الحد التاريخي للوعي الملازم بالسلطة هذا التفاوت، وتجعل منه صفة ملازمة للملك، فهي لا تعارض الممارسات المرتبطة بالسلطة كالظلم، الذي يرافق الملك، حتى كأن الحكم لا يقوم إلا بالظلم وبالتعدي، ولا يطعن ذلك في ضرورة السلطة وفي قيام اجتماع بها. فالسلطة ضرورة وهي على ما عليه من الضلال والإذلال والفساد والطغيان. وتدعم نسبة الملك لله ضرورة الملك، دون أن تضفي عليه العدل أو القداسة.

يأتي هذا الكشف لإجلاء هذه العلاقة ولتبيان المساواة والوحدة المزعومة التي يدعي الشرع صوغها وتمثيلها كوحدة عليا، ملكية، وذلك مادامت الرعية هي الحد الطبيعي للمجتمع في مقابل حده الثقافي الذي تمثله طبقة الحكام على اعتبارها مصدر الفعل السياسي أي الملكي، وهي لا تطول الرعية إلا بالقدر الذي يؤول إلى تطويعها ، كما تطوع الطبيعة. ولا يسوقها هذا التطويع إلى مسالك السياسي إلا بإحلالها في المرتبة الدنيا، في مرتبة مادة السياسة. فهي موضوع السياسة المفترض الذي يلفه الحضور الكثيف للحكم، فالسياسة السلطانية كما حاول محمد الناجي توضيحها في هذا الكتاب تقوم على استماتة السلطة بمفردها لتتفرد وتضطلع باستواء المجتمع مجتمعا تاريخيا، وبتنضيده مستويات متراصة متفاوتة المقامات والبناء يحدد محمد الناجي الفترة الأموية و العباسية كفترة الإطار المرجعي، وهو هنا يبقى ضمن دائرة المنحى الذي رسمه محمد عابد الجابري للدراسات التراثية باعتبار مرحلة التدوين مرحلة تشكل الشخصية العربية الإسلامية عبر إعادة صياغة وعيها الجمعي صياغة عالمة، ونتساءل ألهذا السبب غاب ابن خلدون غيابا تاما في هذه الدراسة؟

فرغم أهمية الخلاصات الخلدونية في صدد العلاقة بين السلطة والتسلط، فان المقدمة غابت عن ترسانة المصادر التي عالجها الكاتب ونتساءل هنا ألسبب كون صاحبها جاء متأخرا عن مرحلة التدوين، أم إن منهج ابن خلدون التاريخي يتعارض والسياق الحفري لمحمد الناجي الذي رغم المجهود الكبير الذي بدله في تتبع المتون التراثية المسعفة في تناول مظاهر التسلط وزخم الأدب المكتوب حوله، فمنهجه بقي محصورا ضمن بنيوية ساذجة، أثرت تأثيرا كبيرا على دراسته حيث بقي مكتفيا بتقويل النصوص دون تأويلها، فحضرت لعبة الاشتقاقات اللغوية والمرادفات المعجمية على طول العملية التفكيكية، بالإضافة إلى إساحة دلالات متقدمة على واقع متأخر واثبات استمراريات متأصلة في اللغة المومئة إلى أزمنة غابرة وأخرى حاضرة دون إدراج التاريخ ولو من باب الافتراض المنهجي كما هو الحال عند نيتشه في مقاربة العبودية والسلطة، كما لم تنتظم عند محمد الناجي مقاربة الموضوع داخل ربقة موضوعاتية، بل بقيت مفتتة تتحكم فيها المعاجم اللغوية على الوحدة الناظمة للموضوع، فحضر الملك والمحيط الملكي كمصدر للوحدة هذه، لذا ارتبطت المفردات الدالة على نظام السلطة بالملك كارتباطها ببؤرة مرجعية عمودية تستتبعها مباشرة دون ان تربطها بعضها ببعض، فالجينيالوجيا النيتشوية أعطت للعبد إمكانيات فاعلة ضمن رد فعل جدلي ساهم في خلق معاني جديدة لدلالات القوة، تساير الوضع الدوني للعبد، وكذا بعمل العبد الطويل في محاولات متكررة مضنية للإستلاء على المعنى وتأويل الظواهر التي لا تقتصر طبعا على المظهر فحسب ولكن على مجموع الرمزيات و الدلالات التي تجد معناها في القوة المسيطرة على إنتاجها وإعادة إنتاجها في صراع تاريخي طويل ، في حين يحضر العبد والرعية في الكتاب كمرآة للسلطة عاكسا لها دون حضور فاعل، وكمجال للفعل دون رد الفعل، بل إنها تنمط صورة موروثة لا تضيف جديدا، إنها صورة صنعتها مخيلة العبد عن شكل السيد الذي يحلم العبد في ان يصير متطابقا معه، وليس بالضرورة ان يكون السيد هذا إنسانيا في طبيعته عموما.

ومرد ذلك عدم اعتماد محمد الناجي التاريخ كمنظور مساعد، مما أعاقه على وضع النصوص التي اعتمدها في دراسته في سياقاتها التاريخية، خصوصا كتب الآداب السلطانية التي طغت على الكتاب والتي تم استعمالها دون نقد تاريخي الذي يتيح إعادة هذا الإنتاج الأدبي إلى مجاله التاريخي، باعتبار كتب الآداب السلطانية هذه في العمق، نقل للكتابات الفارسية حول تجربة السلطة وآليات حضورها ومراتبها، فتم استعمال هذه الكتابات لا ككناية عن واقع مغاير بل تتويجا لمسار الدولة كما تشكلت في الإسلام. دون تمحيص في محتوى هذه الكتب الذي يحيل الى واقع الحضارة الفارسية و الهندية ما عدا إذا تم اعتماد مقولة “كلنا في الشرق هم” فذاك لا يجدي في إنتاج قراءة علمية لآليات اشتغال السلطة في العصر الوسيط.

ورغم ان جميع المادة العلمية المدروسة في الكتاب تتشكل من الأخبار والأقوال الحكمية الواردة متونها الأصلية على سبيل الاعتبار، والاعتبار لا يدخل في الكتابات السياسية من باب اللفظ فحسب ، بل له معنى محدد هو الاقتداء ، فالاعتبار بالعمل الحكيم او بالقول السديد ينجي المعتبر من مغبات السياسة بصورة عملية وفعالة . ففي عالم السياسة تنصح هذه الكتب السائس وصاحب السلطان من ضرورة اكتساب تقنية عمله، واكتساب التقنية يكون باكتساب الملكة، ولا إمكانية لنضج الملكة دون إعادة ومحاكاة لنموذج جاهز ولكنه في التاريخ ناجز. فان الكتاب يتجاهل هذا المعطى حين يستمر في تحليل المادة الحاضرة سواء كتاب الفخري أو سراج الملوك أو التاج أو غيرها كثير، وكأنها تحيل إلى مرحلة البحث. ولا يضعها في سياقها المعرفي أو السياق الذي اقر الحاجة المعرفية لهذا النوع من الإنتاج الأدبي عارضا عن اعتبار هذه الأدبيات السياسية من قبيل آلات صنعة، لا تمثيل لواقع تاريخي، دليل عمل مبني على أصول تستنبط منها تفاصيل بحد ذاتها تحول مجازا إلى نماذج، إلى أصول يصار إلى محاكاتها تفصيلا في سبيل إتقانها، عدم تثبيت هذا الواقع المعرفي ادخل اختلالات على الكتاب حيث لم يتم الفصل في مسار الدراسة بين مفهوم البداية ومفهوم الأصل فاختلط التاريخ الحدثي بالأصل الاشتقاقي اللغوي، والواقع التاريخي المتحقق عينيا بالحقيقة المجردة المثبتة كخلاصات تاريخية لتجربة برانية فارسية او هندية، محاولا أن يرسم لنا مسارات السلطة والقهر بالإحالة إلى مرجعية ليس لها في الثقافة العربية والإسلامية أسسا مما نطلق عليه اليوم ” اعتبارات سوسيولوجية” أو ما في معناها، مقالات تضع نفسها في سياق حركية مجتمعية أخرى مغايرة لهوية السلطة وشكلها ووحدتها وتعدد موازين القوى المحايثة لها في المجتمع المدروس، فلا ينبغي أن نبحث عن أصل السلطة في الوجود الأولي لنقطة مركزية في مركز وحيد للسيادة أزلي فوتاريخي.

 ومع ذلك فان ما ينبه له كتاب العبد والرعية ” أساسي جدا فهو دعوة لإعادة النظر في السلطة ومضامين اشتغالها، فطريق الحداثة السياسية لن يشق ما لم يستو شقا المجتمع في الأهلية الانطولوجية الرعية و الخاصة، ولن يتم ذلك الا اذا كف المجتمع عن الاحتكام إلى نصاب أعلى، مفارق، يستقي منه غاية قصده و مساره. وأن يمسي المجتمع نفسه محجة مساره. الأمر الذي يطوي صفحة من التاريخ ومن تاريخ الفكر يشترك بالانتماء إليه الفقيه والسياسي.