2017/07/24

كلمة أصدقاء الحاج محمد علي حامد في أربعينية رحيله

شمال بوست

أيها الإخوة، أيها الحضور الكريم :

حين طلب مني أن أتقدم بكلمة تأبينية في حق الراحل الغالي العزيز المرحوم المشمول برحمة الله الحاج محمد علي باسم أصدقائه، كان سؤالي هو : بم يمكن أن تشترك كلمة تأبينية، بسيرة حياتية رائدة لا تستطيع لا التأبينات ولا التآليف المنقبية أن تحف بها ؟ إن حياة هادرة بالفعل والعمل والإنجاز كحياة الحاج محمد علي لن تكون كل الكتابات عنها سوى ترميزات على حاشية مسار يدعونا بحدة في وقتنا الراهن، للتأمل والتساؤل والمراجعات ، لذا لن يكون كلامي في هذا التأبين إلا نوع من فيض خاطر أو استرجاعات عامة، أو تأملات على أوضاع، علني أفي بدين الدقة التي ترتبها العنونات الأولى.

فلولا أن التجارب والأعمال العظيمة والمنقبيات الكبرى لم تتحول إلى ضرب من النصوص ولا تدرك وتطال إلا بنصوص في عالم لا ينفك يعين موضعه من الدلالات وموضع الدلالات منه، لقلت إن حياة الحاج محمد علي لا تطال إلا بقوانين العرفان، من إدراك واندماج وحلول وكشف صوفي باطني، إن حياة كحياة الحاج محمد علي حياة واحدة ارتقت إلى مصاف النموذج الذهني لمرحلة تاريخية متلاحقة الأحداث متداخلة الوقائع متشابكة السياقات مشرعة على التنازعات والتعارضات، مسارات لا تنفك تلاحق أنا متغيرة بدورها، وقفت على حافة الأحداث ولم تنساق، بل سعت إلى الإدراك والفهم فكانت بحق تمثل قران ما يقوم بذاته وما يدين للاستيعاب وما يتحقق بفعل الانجاز، فكان الحاج محمد علي رتق على فتق بين تواريخ متواشجة وأحداث متداخلة فلم يرض بموقع الشاهد فقط بل كان صوت يجهر بالتباس ما يعج به الحدث، ولا يرضخ للغموض ولا يستنفد الصلة التي تربطه به في الوقت الذي ينزل الى الميدان ليستدل على رأيه في لجة الفعل ليحيط بما يتعالى عن الإحاطة وبما يندرج فعله في سياقها.

محمد علي أو الحاج محمد علي الاسم الذي غلب على اسمه الفعلي، لم تكن العمومية الظاهرة على اسم الحاج تنقص من شأن الذاتية أو تلقي عليها ظلا من الريب، بل كانت ترفعها إلى قمة توهجها وتضفي عليها ألقا ولألاء غير منقوصين، كان الاتفاق والتواضع على لقب الحاج  حين تتم الاشارة إلى محمد علي تنفذ إلى أعماق الذات وتلامس الخاص في أكثر جوانبه بعدا، في الآن الذي تطل فيه على الآخرين الذين يشتركون معه فيها لكن هذه الصفة حين التصقت بمحمد علي كانت ذات رمزية جديدة اصطفته إلى عوالم بعيدة عن رمزية الاسم والطقوس المحتفى بها حين تلفظه، كان لقب الحاج حركيا ينفذ ويخترق الطقس والعلاقة والمؤسسة إلى قلب السياسة، فكانت سبتة الحب الأبدي للحاج. مجاله الخاص الذي انضغم فيه لدرجة أنني أشك في انفصالهما.

الحاج محمد علي كان سبيل سبتة للفعل والتأثير والحضور،  وكانت هي، سبتة بالنسبة له ، مجاله الحيوي بل القنطرة التي يعبر بها من الفرد الفردي، إلى الأشمل والأعلى والأرقى. ومنها من سبتة تلك يرقب الحاج حافة الكون ومسارات التاريخ، وفي غمرة التاريخ الحديث ولدت الفكرة، كان العالم كما رآه الحاج مرأة لنفسه وكأنه لا تاريخ له، لأن سبتة كانت بين تاريخين يتجاذبها عالمين تعيش فراغ الانتظار وغواية التواريخ المتداخلة والروايات المتناقضة، وقد مارس العالمان قوة جذب على شخصيته فلم ينحاز ويقتنع، بل أراد أن يكون مشاركا محفزا ضامنا المرور إلى صبوة التاريخ الحديث دون تشوهات خلقية تفرضها عسر الولادة والهوية والانتماء، فكان السؤال كيف؟.

هذا السؤال الذي يبدو طرحه ضرب من المكائد إذ كيف يمكن الجواب على هذا السؤال دون الولوغ في وحل الأمور الصغيرة التافهة، هل يمكن أن تكون سبتة مجرد معادلة في حساب حزبي أو سياسي أو سندان تصقل عليه المماحكات الدولية حين يتعلق الأمر بالممرات والمضايق، فسبتة أكبر من أن تنحصر في منظور أو أن تحشر ضمن استخطاطيات سياسية، فاختار أن يكون وجهها الخاص في خضم انتماءاتها لعالم متفاوت  تبدو السياسة فيه دمج بين عناصر غير مندرجة في انساق متكاملة متصلة فكل عنصر يحملك إلى جهة تتماسك حول منطق داخلي، منطق المغرب ومصالحه، ومنطق اسبانيا ومبتغاياتها، لكل منطقه المستقل، والذي ينتمي إلى تاريخ ينهض على مسبقات خاصة ويفترض مشاعر وقيما منفصلة، فكان بدوره الحاج محمد علي واعيا بما تمليه القضية وبمنعرجاتها فكان مدافعا عن سبتة واستقلالها من خلال اللجنة الوطنية للمطالبة بتحرير سبتة ومليلية كمرتكز يستدعي العامل الوطني نظرة وسلوكا، وكان أيضا رئيسا لجماعة المسلمين بسبتة مما يجعل سلوكه السياسي لا يتيح للمشاريع أن تنغلق عليه وتستقر مكتملة مغلقة ناجزة، كان كل حركة من حركاته وكأنها تحوير جزئي لحركة أخرى قيد التشكل أو تنتمي إلى سجل ممكن فكانت السياسة بالنسبة له العمل الفني المدرك الذي له أن يستوعب المتنافر المتناثر وأن يصوغه متناسقا موحدا واعيا بشروطه، الشيء الذي ميزه عن أقرانه ممن مارست عليهم مدينتهم لعبة الغواية، الحب والسياسة، فنجح حيث فشل الآخرون وبصم حيث بقي الآخرون دون شكل ولا وجه، ولأن لكل تميز ضريبته حين يقترن التميز بالعمل السياسي ويكون ثمرته قرارات ذهنية فكرية خالصة واستشراف العقل المجرد للحقيقة في مجال السياسة، كان قرار حكومة سبتة بتجريده من مواطنته واعتباره عنصرا غير مرغوب فيه دليل على مسار حافل بعمق النظر ورجاحته.

قبل أن أختم أعلن للحضور الكريم أن مجموعة من أصداقاء وأحباء الفقيد معتكفة على وضع التصور العام لتأسيس ” مؤسسة تحمل اسم الفقيد ” تكون فضاء لاستمرار وتطوير الأمانة التي تركها رحمه الله في أعناقنا، وتأليف كتاب عن السيرة الذاتية ومسيرة نضال الفقيد.

أيها الحضور الكريم تغمد الله الفقيد برحمة وإن لنا نحن أصدقاؤه رفاقه ومعارفه أن نستثمر هذا التراث النضالي والفكري الذي خلفه الفقيد ونجعله نبراسا لنا في مقاربة قضايانا الوطنية الراهنة