لا تلوموا بنكيران!

سألني صديق عن رأيي في رفع سن التقاعد إلى 65 عاما، فلم أجد أن الموضوع يستحق كبير اهتمام. قلت له إن عبد الإله بنكيران لا يتحمل مسؤولية ذلك، لأن قرارا مثل هذا يأتي من أمكنة أخرى، والوضع في هذه البلاد نعرفه جيدا، فهناك أكثر من حكومة، وهناك أكثر من عاصمة، وهناك أكثر من رئيس حكومة.

بنكيران جاء إلى رئاسة الحكومة في ظروف يعرفها الجميع، ظروف أصابت بالرعب أولئك الخائفين على كراسيهم، فكان بنكيران هو الحل، لذلك لا يجب أن نحمل هذا الرجل كل الأوزار، لا وزر رفع سن التقاعد ولا وزر رفع أسعار البنزين ولا كل الأوزار الأخرى، فالوزر الوحيد والكبير الذي ارتكبه بنكيران هو أنه قبل أن يكون رئيس حكومة على شكل قنطرة لكي يمرروا فوقه كل ما يشاؤون.

عندما جاء بنكيران إلى السلطة، أو ما يعتقده هو سلطة، وجد كل الصناديق مثقوبة، وحاول أن يتململ ويضرب على الطاولة ويهدد ويتوعد كما كان يفعل أيام زمان، لكنهم قالوا له: صه يا رجل!!

من بين الصناديق التي وجدها بنكيران مثقوبة عن آخرها صندوق التقاعد، وعوض أن يسترجع الأموال المنهوبة فإنه قرر أن يوافق على رفع سن التقاعد. ومرة أخرى نقول إن بنكيران ليس هو صاحب فكرة رفع سن التقاعد، بل قيل له فقال لنا.

هكذا، يبدو جليا أن رفع سن التقاعد له علاقة وثيقة باللصوصية؛ فلو كان المغاربة «واعْرين» فعلا و»حاضْيين» جيوبهم لما اضطروا إلى العمل حتى سن الخامسة والستين؟

المغاربة الذين يشتمون ويلعنون قانون رفع سن التقاعد لم يستطيعوا رفع قبضات الغضب ضد اللصوص والناهبين، لذلك من الطبيعي أن يستمروا في العمل حتى الموت، ويستمر اللصوص في السرقة حتى الموت كذلك.. هذه هي سنة الحياة، ليس في الكون، بل في المغرب فقط.

لكن رفع سن التقاعد ليس سيئا إلى هذا الحد، فكثير من المغاربة يستمرون في العمل إلى ما بعد السبعين، وفي كثير من المرات يتقاعد العامل أو الموظف ويبدأ في اليوم الموالي البحث عن عمل حتى يتجنب المجاعة بتعويضات التقاعد.

المغربي، عموما، لا يتقاعد لكي يستمتع بوقته ويسافر لاكتشاف كون الله الواسع، فهو أصلا لا يوفر المال لهذا الهدف، بل الأغلبية الساحقة من المغاربة لديهم هدف وحيد في الحياة وهو جمع المال من أجل شراء «قبر الحياة»، لذلك فبمجرد أن يتقاعد الواحد يقرر أن يختار لنفسه مكانا ما في القبر الذي اشتراه بشقاء العمر، وهناك يجلس ينتظر حمله إلى قبره الثاني، قبر الموت.

في البلدان المتقدمة يشتغل الأغنياء كثيرا حتى ما بعد التقاعد، أما الناس العاديون فإنهم يتوقون إلى اليوم الذي يبلغون فيه سن التقاعد للاستمتاع بالسفر والتجوال أو الصيد بالصنارة على شواطئ البحر وحواف الأنهار. في العالم المتقدم، يملأ الأغنياء صناديق الضرائب والتقاعد، فلا يخاف المتقاعدون من وزر الفقر فيستمتعون بزمن التقاعد حتى آخر لحظة.

في المغرب، يقوم الأغنياء بعمل معاكس تماما، فهم يفرغون صناديق الضرائب والتقاعد ثم يتفرغون لإفراغ أجساد الفقراء من الدم. في المغرب، لا يؤدي كبار الأغنياء الضرائب، بل بالعكس، يتمتعون بامتيازات ضريبية مخيفة، وحين لا يشبعون فإنهم يمتصون مدخرات الفقراء في صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، والحمد لله على أن المغاربة لم يجدوا أنفسهم ملزمين بالعمل حتى سن الثمانين، لأن السرقات العظمى التي حدثت في المغرب يجب أن تدفع المغاربة إلى العمل حتى وهم ملفوفون في أكفانهم.

في أوربا يشتغل الأغنياء كثيرا لسبب آخر، وهو أنهم يعشقون جمع المال. وقبل بضعة أيام مات رئيسُ واحدٍ من أكبر أبناك العالم وهو «بنك سانتاندير» في إسبانيا.. هذا الرجل مات وهو يشتغل وسنه فوق الثمانين. وبعده ببضعة أيام، مات مالك إحدى كبريات المجموعات التجارية في العالم وهي مجموعة «إيل كُورْتي إنغليس»، وسنه يقارب الثمانين. وفي كل بقاع العالم يستمر الأغنياء في العمل حتى تتوقف قلوبهم أو تنفجر أوردة أدمغتهم وهم يحصون الأرباح، فمتعة جمع المال لا تعادلها متعة أخرى.

في المغرب، يقوم الفقراء بنفس الشيء، فهم يشتغلون من المهد إلى اللحد، ليس لأنهم يستمتعون بجمع المال، بل لأنهم يخافون أن يأتي عليهم يوم لا يجدون فيه ما يأكلونه، أو يجدون فيه أنفسهم مشردين في الشارع.

في العالم المتقدم يشتغل الأغنياء كثيرا من أجل أنفسهم ومن أجل جعل الآخرين أغنياء، وفي المغرب يشتغل الفقراء كثيرا من أجل أنفسهم ومن أجل جعل الأغنياء أكثر غنى.. وأكثر لصوصية.

0