2017/09/20

لِننتفضْ ضد هذه الفرانكفونية المريضة قبل فوات الأوان!

المساء - 12 مارس، 2015


عبد الله الدامون - كاتب صحفي

في آخر زيارة قمنا بها ضمن مجموعة من الصحافيين إلى إسبانيا، كان المشهد غريبا؛ فقد كان المسؤولون الإسبان يتعاملون معنا على أننا فرنسيون قلبا وقالبا، وربما أحسوا بأننا عبيد لفرنسا لكنهم لم يجرؤوا على مصارحتنا بذلك.

في كل الاجتماعات واللقاءات، كان الإسبان يحرصون أشد الحرص على أن يكون من ضمنهم من يتكلم الفرنسية معنا، وعندما يتعذر ذلك يأتون بمترجمين يتكلمون الفرنسية بطلاقة.

لم يبد خلال كل رحلتنا، التي امتدت لأسبوع، أن هناك مسؤولا إسبانيا واحدا انتبه فجأة إلى أن المغرب بلد ينص دستوره على أن لغته الرسمية هي العربية، ولم يسألنا أي مسؤول هناك لماذا نتحدث الفرنسية في كل اللقاءات والاجتماعات ولا ننطق حرفا بالعربية، وفي مرات نادرة كان بعض الإسبان يسمعون من بعضنا كلمة «شكرا» فينتبهون فجأة إلى أننا مغاربة يمكن أن يتحدثوا بالعربية، لكن ذلك الشعور يدوم للحظات قصيرة جدا ويختفي.

منذ أن نزلنا في مطار مدريد، حرص مستقبلونا الإسبان على أن تكون لغتهم الفرنسية راقية حتى نكون نحن راضين عن حسن الاستقبال؛ وعندما اكتشفوا فجأة أنه يوجد بيننا من يتحدث الإسبانية بطلاقة أحسوا بما يشبه الصدمة وأخذوا يتساءلون: هل يمكن لمغاربة أن يتحدثوا الإسبانية بهذه الطلاقة في بلد فرنسي الهوى واللغة والتبعية؟

الإسبان قوم لا يتعلمون كثيرا اللغات الأجنبية. وهناك مستملحة تقول إن الإسبان الذين يتحدثون اللغات الأجنبية هم صنفان: صنف يفشل تماما في تعلم تلك اللغات؛ والصنف الثاني يقضي حياته كلها محاولا تعلم اللغات الأجنبية.. وهذه المستملحة واقعية إلى درجة كبيرة.

لكن في تلك الزيارة، قدم إلينا الإسبان أفضل من يجيد التحدث لديهم باللغة الفرنسية. كانوا يسعدون بوجود مسؤولين إسبان يتحدثون الفرنسية بطلاقة فيأتون بهم إلينا حتى لا نحس بالغربة في بلد جار. وكل مسؤول إسباني جلس إلينا وبدأ يتحدث الفرنسية كان يفعل ذلك باستمتاع وكأنه يقدم إلينا هدية ثمينة. وطوال كل أيام الرحلة، لم نسمع أي مسؤول هناك يجاملنا بعبارة أو كلمة واحدة بالعربية، مثل «شكرا» أو «السلام عليكم» أو «لاباسْ». كانوا يتعاملون معنا على أننا فرنسيون قلبا وقالبا، والذنب ليس ذنبهم طبعا، بل ذنبنا نحن من الألف إلى الياء.

في زيارتنا لمقر الحكومة كانت مخاطبتنا بالفرنسية، وفي زياراتنا لمقر البرلمان والوزارات والتلفزيونات والمصانع الكبرى والمتاحف وملاعب الكرة كان الإسبان يشرحون لنا كل شيء بالفرنسية.

الإسبان، لو وجدونا حريصين على تكلم العربية، لما ترددوا في جلب أفضل المترجمين لديهم لكي يحدثونا أيضا بالعربية؛ ولو أننا حرصنا على أن نعطي بعض القيمة للغتنا لما بدونا لجيراننا الإسبان أتباعا مخلصين لفرنسا في كل شيء، إلى درجة أننا نتهجى ضاحكين كلمة أو كلمتين بالإسبانية، مع أن البلد لا يبعد عنا سوى بأربعة عشر كيلومترا، في الوقت الذي نتحدث فيه الفرنسية وكأننا وُلدنا في «قعر باريس».

هذه الأمثلة من تلك الزيارة مجرد مثال لزيارات كل المسؤولين المغاربة -على اختلاف أشكالهم وطبقاتهم- لمختلف بلدان العالم؛ ففي كل مكان يتوجهون إليه يعد لهم ضيوفهم عُدّة الفرنسية ويبحثون عن مترجمين بالفرنسية ويطبعون كل مستلزمات الضيافة بالفرنسية ولا يأبهون لشيء اسمه العربية، والسبب بسيط وهو أن مسؤولينا في زياراتهم تلك لا يأبهون لشيء اسمه العربية، ويتصرفون وكأنهم مجرد رعايا في مستعمرة من مستعمرات الموز الفرنسية، ويستخدمون الفرنسية من المطار إلى المطار، بدءا من كلمة «مرحبا» وانتهاء بكلمة «وداعا».

مؤخرا، انفجرت ضجة إعلامية حول وزير الاتصال المغربي مصطفى الخلفي، الذي أجرى حوارا بالفرنسية مع إذاعة فرنسية، أو هو من حاول إجراء هذا الحوار، لأنه في النهاية كان كارثة على صاحبه لسبب بسيط، وهو أننا، من الشيوعيين حتى الإسلاميين، نصر على أن نعذب ذواتنا بحرق هويتنا ونستمر في لعب دور «عبيد فرنسا».

ما الذي منع الخلفي، وهو متكلم مفوه وشاب جريء، من إجراء الحوار بالعربية، تماما كما يفعل إردوغان الذي يصر على الحديث بالتركية في أي مكان، أو بوتين الذين يتحدث بالروسية في أية بقعة من الأرض، أو فليبي السادس الذي يرفع لغته الإسبانية فوق رأسه في أي مكان يذهب إليه.

الغريب أنه قبل بضعة أسابيع، تجرأ الوزير الأمي، رشيد بلمختار، على أن يقول لقناة فرنسية إنه لا يعرف العربية، بينما خجل الخلفي من قول إنه لا يتحدث الفرنسية بطلاقة. إنه تناقض مريع.

لماذا نبدو أقزاما لمجرد أن مسؤولا منا لا يتحدث الفرنسية بطلاقة؟ مع أن أزيد من نصف مسؤولي العالم لا يتحدثون سوى لغة بلدهم الرسمية؟ ولماذا نعتبر العربية لغة قزما بينما هي تأتي قبل اللغة الفرنسية بكثير في أعداد الناطقين بها؟ ولماذا لا يتعلم مسؤولونا الإنجليزية والإسبانية ليتحدثوا بها مع العالم، عوض هذه الفرنسية المريضة؟

لفرانكفونيون مرضى ويتوجب علاجهم، إما في مصحات الأمراض العقلية المتطورة أو في مراكز العلاج الشعبية مثل «بُويا عْمر» وغيره، فالفرنسية تموت في العالم كله بينما لاتزال تعيش بيننا سيدة متجبرة. لننهض من هذا السبات وننتفض ضد العنصرية الفرانكفونية قبل فوات الأوان.