ما حقيقة توافد لاجئين مغاربة من الريف إلى اسبانيا ؟

تراجعت الهجرة السرية من المغرب إلى اسبانيا بشكل لافت مع بداية القرن الجاري وتوصل المغرب إلى اتفاقات مهمة في هذا الملف مع اسبانيا والاتحاد الاوروبي، وأصبح المغرب شريكا أساسيا في محاربة الهجرة السرية انطلاقا من أراضيه متخدا اجراءات مشددة لمنع تدفق الهجرة السرية عبر القوارب تركت ارتياحا لدى الجارة الاسبانية ولدى دول الاتحاد الأوروبي.

لكن أخبار عودة هذه القوارب اليوم وعن روادها من نشطاء حراك الريف الهاربين من الملاحقة يثير أكثر من سؤال، وبالخصوص تلك التي تنطلق من شواطئ منطقة الجبهة وتصل جميعها إلى شواطئ مدينة مالقا الاسبانية، وكل ركابها يسلمون أنفسهم للشرطة الاسبانية بمجرد وصولهم ويتقدمون بطلب اللجوء السياسي بدعوى تعرضهم للملاحقة السياسية بسبب مشاركتهم في حراك الريف.

ماحقيقة هذه الأخبار؟ هل للموضوع علاقة بأجندة سياسية داخلية؟ هل للموضوع علاقة بأجندة خارجية بين الدول؟ وما الهدف من اصطناع خط لللاجئين ينطلق من شمال المغرب؟ ومن يقف وراء هذه العملية والايحاء بأن الريف بقعة نزاع ومواجهة؟

تروي مصادرنا من مدينة مالقا أن شواطئ المدينة الاندلسية عرفت خلال سنة 2017 توافد عدد هائل من المغاربة قادمين من شواطئ مدينة الجبهة القريبة من مدينة الحسيمة،  وتؤكد مصادر قريبة من الشرطة الاسبانية وبعض العاملين في محاكم مدينة مالقا أن أغلبهم ينحدرون من الريف، وأن التوافد انطلق مع اشتداد حراك الريف بمعدل 50 قارب يحمل بين 40 و50 مهاجر تتراوح أعمارهم بين 15 و22 سنة، وأن عدد الوافدين فاق 2000 شخص خلال سنة 2017، كما تؤكد نفس المصادر أن جميعهم يُسلم نفسه للشرطة الاسبانية ويقدمون طلب اللجوء السياسي بدعوى تعرضهم للملاحقة السياسية، كما أكدت لنا بعض الشهادات أنهم يسردون نفس الأسباب ويلحون في طلب اللجوء السياسي ما يوحي بأن العبور يتم بتنسيق مع جهة أو جهات تشرف على تنظيم عبورهم، أو أجندات أخرى.

مصادرنا من منطقة الجبهة القريبة من الحسيمة تروي لنا كيف تحولت الجبهة بشكل أساسي إلى نقطة اقلاع الشباب، وأن السلطات والقوات المساعدة وقوات الدرك متراخية في المراقبة ولا تتدخل بالشدة التي تقوم بها في بقية سواحل الشمال، وتتساءل مصادرنا عن أسباب هذا التراخي، وهل هو مقصود ؟ ومن له المصلحة في تسهيل عبورهؤلاء إلى الضفة الأخرى ؟.

إذا كانت المعطيات والشهادات السابقة مثيرة للاستغراب وداعية لأكثر من سؤال، فالشهادات التي توصلنا بها من مالقا مثيرة للمزيد من الاستغراب وللعديد من الأسئلة، تحكي مصادرنا من مالقا أن استقبال الشرطة الاسبانية غالبا ما يكون بحفاوة وسلاسة، وعلى خلاف المألوف تعْرِض الشرطة  المحاضر على القاضي في زمن قياسي وتتساهل في قبول الملف مؤقتا قصد التحقيق، ما يسمح باطلاق سراح الوافدين مع توفير المساعدة الاجتماعية من مأوى ومأكل، ويروي أحد الشهود أن الشرطة تعاملت مع مجموعة من الوافدين بحفاوة وحجزت لهم غرف في أوطيل بمالقا ودعتهم للراحة في انتظار التحقيق معهم في اليوم الموالي لاتمام محاضر طلب اللجوء السياسي، وفي مناسبة أخرى يروي مترجم مقيم بمالقا أن الشرطة نقلت مجموعة وصلت في قارب من الجبهة تقدموا بطلبات اللجوء وبدل احتجازهم والتحقيق معهم قبل عرضهم على القضاء تم نقلهم إلى مكان بعيد عن المفوضية وسلّمت لكل واحد منهم ورقة نقدية من 50 أورو وطلبت منهم أن يغادروا المدينة والبحث عن حل لوضعيتهم دون الحاجة لتقديم طلب اللجوء.

بعض المتتبعين لحراك الريف يرون ان الموضوع لاعلاقة له بالحراك وأن الأمر يتعلق بعودة هجرة القوارب من هذه النقطة القريبة من الحسيمة وأن مافيا الهجرة السرية استغلت  الاكراهات الأمنية للحراك وانشغال قوات الأمن والدرك بمحيط الحراك للقيام بعمليات تهريب المهاجرين. لكن هناك من يرى أن للموضوع علاقة بأجندة سياسية داخلية كانت تريد استغلال الحراك في الضغط على الدولة المغربية، وأنها نفس الجهات التي تسربت معلومات عن محاولتها استعمال الحراك والركوب عليه أو ماسمي بالانقلاب على الملك، كما ترى نفس المصادر أن هذه الجهات لها علاقات في اسبانيا ومع بعض المبحوث عنهم في هولاندا، وأن هذه العمليات جزء من مخطط يحاك ضد حراك الريف والدولة المغربية على السواء.

سنعمل في شمال بوست على متابعة هذا الملف وإنجاز تحقيق صحفي حوله، والكشف عن ما خفي من مقالب وأسرار ما يبدو لأول وهلة مجرد عودة لهجرة المغاربة عبر القوارب.